ثقافة وفن

متلازمة العروبة والإسلام عند ميشيل عفلق وحزب البعث (3)

محمد عابد الجابري

‎هذا التحديد الواضح والمتميز لعلاقة العروبة والإسلام، والذي يجعل الإسلام هو المضمون الحي للعروبة، يطرح مسألة العلاقة التي يمكن بل يجب ان تكون للمسيحيين العرب بالإسلام. وفيلسوف البعث العربي واضح في هذه النقطة كل الوضوح. يقول: «قوميتنا كائن حي متشابك الأعضاء، وكل تشريح لجسمها وفصل بين أعضائها يهددها بالقتل. فعلاقة الإسلام بالعروبة ليست اذاً كعلاقة أي دين بأية قومية. وسوف يعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، ان الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب ان يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها فيحرصون على الإسلام حرصهم على اثمن شيء في عروبتهم». ان عليهم ان يعرفوا هم وغيرهم من العرب المسلمين انه: «ما الإسلام الا وليد الآلام، آلام العروبة، وان هذه الآلام قد عادت الى ارض العرب بدرجة من القسوة والعمق لم يعرفها عرب الجاهلية، فما احراها بأن تبعث فينا اليوم ثورة مطهرة مقومة كالتي حمل الإسلام لواءها. وليس غير الجيل العربي الجديد يستطيع ان يضطلع بها ويقدر ضرورتها، لأن آلام الحاضر قد هيأته لحمل لواء هذه الثورة، وحبه لأرضه وتاريخه قد هداه لمعرفة روحها واتجاهها».

‎الإسلام هو المضمون الحي والثوري للقومية العربية، هو التراث القومي للعرب جميعاً، مسلمين وغير مسلمين، واذا كان الأمر كذلك فما القول في كون الإسلام دعوة الى الناس كافة، الى جميع الشعوب؟ ان هذا الفهم القومي العروبي للإسلام لا يتنافى، في فكر فيلسوف البعث، مع عالميته وإنسانيته، ذلك ان «كل امة عظيمة عميقة الاتصال بمعاني الكون الأزلية تنزع في اصل تكوينها الى القيم الخالدة الشاملة. والإسلام خير مفصح عن نزوع الأمة العربية الى الخلود والشمول، فهو اذاً في واقعه عربي وفي مراميه المثالية إنساني، فرسالة الإسلام انما هي خلق إنسانية عربية». وهذا الطابع الإنساني العالمي للإسلام، روح القومية العربية، هو ما يشكل خصوصية هذه القومية: «ان العرب ينفردون دون سائر الأمم بهذه الخاصة: ان يقظتهم القومية اقترنت برسالة دينية، او بالأحرى كانت هذه الرسالة مفصحة عن تلك اليقظة القومية، فلم يتوسعوا بغية التوسع ولا حكموا البلاد استناداً الى حاجة اقتصادية مجردة، او ذريعة عنصرية، او شهوة للسيطرة والاستعباد… بل ليؤدوا واجباً دينياً كله حق وهداية ورحمة وعدل وبذل». وهكذا فـ «ما دام الارتباط وثيقاً بين العروبة والإسلام وما دمنا نرى في العروبة جسماً روحه الإسلام فلا مجال اذاً للخوف من ان يشتط العرب في قوميتهم، انها لن تبلغ عصبية البغي والاستعمار».

‎الإسلام هو المضمون الحي والثوري للقومية العربية، هو التراث القومي للعرب جميعاً، مسلمين وغير مسلمين، واذا كان الأمر كذلك فما القول في كون الإسلام دعوة الى الناس كافة، الى جميع الشعوب؟ ان هذا الفهم القومي العروبي للإسلام لا يتنافى، في فكر فيلسوف البعث، مع عالميته وإنسانيته، ذلك ان «كل امة عظيمة عميقة الاتصال بمعاني الكون الأزلية تنزع في اصل تكوينها الى القيم الخالدة الشاملة. والإسلام خير مفصح عن نزوع الأمة العربية الى الخلود والشمول، فهو اذاً في واقعه عربي وفي مراميه المثالية إنساني، فرسالة الإسلام انما هي خلق إنسانية عربية». وهذا الطابع الإنساني العالمي للإسلام، روح القومية العربية، هو ما يشكل خصوصية هذه القومية: «ان العرب ينفردون دون سائر الأمم بهذه الخاصة: ان يقظتهم القومية اقترنت برسالة دينية، او بالأحرى كانت هذه الرسالة مفصحة عن تلك اليقظة القومية، فلم يتوسعوا بغية التوسع ولا حكموا البلاد استناداً الى حاجة اقتصادية مجردة، او ذريعة عنصرية، او شهوة للسيطرة والاستعباد… بل ليؤدوا واجباً دينياً كله حق وهداية ورحمة وعدل وبذل». وهكذا فـ «ما دام الارتباط وثيقاً بين العروبة والإسلام وما دمنا نرى في العروبة جسماً روحه الإسلام فلا مجال اذاً للخوف من ان يشتط العرب في قوميتهم، انها لن تبلغ عصبية البغي والاستعمار».

‎الإسلام روح القومية العربية، والإسلام دين عالمي وإنساني تؤمن به قوميات أخرى، فكيف يفهم فيلسوف البعث العربي العلاقة بين القومية العربية والشعوب الأخرى التي يجمعها معها الإسلام؟ يجيب الأستاذ عفلق بطرح المسألة داخل الإسلام لا خارجه. فالقومية العربية ليست معادية للقوميات الأخرى التي يجمعها الإسلام مع العرب، بل بالعكس ان قوة العرب قوة للمسلمين جميعاً، لا بل لا يمكن تصور إسلام قوي من دون عرب أقوياء، فالعرب هم الذين عليهم حمل أمانة الرسالة «وطبيعي ان العرب لا يستطيعون أداء هذا الواجب الا اذا كانوا امة قوية ناهضة، لأن الإسلام لا يمكن ان يتمثل إلا في الأمة العربية، وفي فضائلها وأخلاقها ومواهبها، فأول واجب تفرضه إنسانية الإسلام – أي عالميته – اذاً هو ان يكون العرب أقوياء سادة في بلادهم»

‎.العلاقة بين العروبة والإسلام، بين القومية العربية والشعوب الإسلامية غير العربية علاقة تكامل وليست علاقة تصادم. وكيف يمكن ان يكون ثمة تصادم او تنافر والحال ان حب العروبة يستوجب حب الإسلام، والارتباط العاطفي بالأمة العربية يستوجب ارتباطاً مماثلاً بأمة الإسلام. ويعبر الأستاذ ميشال عن هذه القناعات بأسلوبه القوي الواضح الصريح فيقول: «بدافع الحب للأمة العربية أحببنا الإسلام منذ السن اليافعة، وبعد ان اقتربنا اكثر من فهم الإسلام أضحى حبنا لأمتنا يتلخص في حبنا للإسلام، وفي كون الأمة العربية هي امة الإسلام». ثم يضيف قائلاً: «وكان شيئاً طبيعياً ان يأخذ هذا الوعي، وهذه العاطفة كل أبعادهما فندرك ما تمثله الشعوب الإسلامية من عمق وسند للأمة العربية ونشعر نحوها بعاطفة القربى» ثم يؤكد ذلك قائلاً «ان ثمة حقيقة كبرى لا يتجاهلها إلا المكابرون وذوو الأغراض وهي ان علاقة الأمة العربية بالإسلام علاقة خاصة حيوية ومصيرية لها وللإسلام، فلا يمكن ان يفهم الإسلام شعب مثلما يفهمه الشعب العربي، ولا يمكن ان يشعر احد نحو الإسلام بمثل الرابطة والمسؤولية اللتين يشعر بهما العرب نحوه». ويوضح الأستاذ ميشال مضمون هذه الرابطة بالقول ان علاقة غير العرب بالإسلام هي كعلاقة العرب بالقضية الفلسطينية، اما علاقة العرب بالإسلام فهي كعلاقة الفلسطينيين بوطنهم فلسطين. يقول: «ان فلسطين قضية العرب جميعاً، ولكنها بالنسبة الى الفلسطينيين اكثر من ذلك: انها وطن. والإسلام بهذا المعنى هو وطن الأمة العربية الروحي والمادي بكل ما تحمله كلمة وطن من معاني حب الأرض والأهل وحب اللغة والتاريخ». ويلخص فيلسوف البعث العربي رأيه في الموضوع قائلاً «ولئن كان عجبي شديداً للمسلم الذي لا يحب العرب فعجبي اشد للعربي الذي لا يحب الإسلام».

‎ومع ذلك فإن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها وهي ان «العصر عصر القوميات والدول القومية» وبالتالي فـ «لئن كان مفهومنا – يقول الأستاذ – للقومية ينكر التعصب العنصري ويلح على الجانب الإنساني الذي اكسبه الإسلام للعروبة ويحرص على خصوصية العلاقة بين العرب والشعوب الإسلامية الأخرى، فإن هذا المفهوم يحول دون ذوبان الأمة العربية في شخصية غيرها وتنازلها عن سيادتها واستقلالها لأحد تحت اية ذريعة كانت وباسم أي شعار او مبدأ». وفي هذا الإطار يؤكد فيلسوف البعث العربي انه في الوقت الذي يقدر فيه كامل التقدير «ما تمثله الشعوب الإسلامية من عمق وسند للأمة العربية» وما يربطها معها من عواطف القربى فإنه لا بد من الحرص في الوقت نفسه على «الاحتفاظ بالوضوح التام في الفكر وببعض الحقائق الأساسية وهي ان للأمة العربية شخصيتها القومية الحضارية المتميزة وحدود أرضها الواضحة وان اشتراكها في العقيدة الدينية مع غيرها من الشعوب لا يجوز ان يجر الى طمس هذه الشخصية والعدوان على هذه الأرض». ان في ذلك ضرراً، ليس للعرب وحسب، بل وللإسلام ايضاً، فـ «تجارب التاريخ دلت على ان غياب معالم الشخصية العربية القومية وفقدان العرب لسيادتهم لم يكونا لصالح الأمة العربية ولا في صالح الإسلام».

‎نهوض الأمة

‎ليس هذا وحسب بل ان التاريخ يدلنا على انه لا يمكن ان ينوب احد عن العرب في حمل رسالة الإسلام، فالإسلام عربي والقرآن عربي، وبما ان القومية العربية روحها الإسلام فهي حاملة رسالة الإسلام الإنسانية الكونية وبالتالي فهي لا يمكن ان تكون قومية ضيقة معصبة، لا يمكن ان ترضخ لغيرها ولا ان تكون تابعة لهم. يقول الأستاذ ميشال: «ان الأمة التي ظهرت فيها رسالة بحجم رسالة الإسلام ترفض الخنوع وترفض التبعية الفكرية والحضارية. ان لها طريقها الخاص… الأمة التي حملت الى العالم رسالة الإسلام لا يمكن ان تكون قوميتها سلبية تعصبية عدوانية، فقوميتها هي في أساسها أخلاقية إنسانية تحمل مبادئ العدل والمساواة». ثم يضيف قائلاً: «مستوى الأمة العربية هو مستوى الأمم التي لها رسالات إنسانية، وانبعاث القومية العربية في هذا العصر يحمل معه بذور رسالة إنسانية الى العالم. ولقد حدد التراث لهذا الانبعاث مستواه منذ البداية، فهو على مستوى الدور الرسالي في عمقه وصدقه وشموله. وهذا المستوى يكون حافزاً وملهماً، كما يكون مراقباً صارماً. فالأمة العربية مطالبة بأن تنهض… التاريخ يدعوها، والعالم الحاضر يطالبها بأن تنهض لتؤدي دورها الأساسي الضروري: تصحيح سير البشرية وتقدمه».

‎تلك كانت نظرة الأستاذ ميشال الى موقع الإسلام داخل القومية العربية وموقع القومية العربية داخل الإسلام: الإسلام روح القومية العربية، والقومية العربية حاملة رسالته الثورية الإنسانية. ولكن العلاقة بين العروبة والإسلام لا تتحدد فقط بموقع كل منهما داخل الآخر او إزاءه، بل ان لها بعداً آخر ينتقل بهذه العلاقة الى مستوى آخر، مستوى الدولة القومية، حيث تتخذ تلك العلاقة بين الدين والدولة وتطرح بالتالي مسألة العلمانية. وفيما يلي وجهة نظر فيلسوف البعث في هذه المسألة

‎يحدد الأستاذ ميشال هوية الدولة القومية العربية بالقول: «ان الدولة العربية التي يعمل لها البعث العربي هي التي تتيح لجميع المواطنين ان يعملوا متعاونين على تحقيق إمكانات الأمة العربية في مجال الروح والمادة، وذلك بتحقيق إمكانات كل فرد من أفرادها دونما عائق مصطنع. فالدولة اذاً تقوم على أساس اجتماعي هو القومية وأساس أخلاقي هو الحرية» فهي اذاً دولة عربية تضمن لجميع أفراد الأمة العربية حرية المعتقد، وهي ليست هدفاً في ذاتها، بل يجب ان «نرى فيها مجالاً لبعث الأمة وبعث قوى أفرادها وتصحيح القيم وإزالة الكذب والزيف والضغط من حياة المجتمع، ودفع هذا المجتمع في طريق إيجابية مبدعة لأداء رسالة الأمة الى الإنسانية»، وبالتالي فالدولة التي يعمل البعث لها هي «نقيض الإلحاد والفساد وكل ما هو سلبي وهدام» بما في ذلك شعار العلمانية» كما روِّج له في الغرب، وكما تروِّج له بعض الفئات العربية المستوردة له. وهكذا فإذا كان البعث ينادي بنوع من العلمانية فإن ذلك ليس ضداً على الدين ابداً. ان علمانية الدولة كما يفهمها فيلسوف البعث العربي «ليست إلا امعاناً في الحرص على اتجاهها الروحي والأخلاقي، لأنها ليست إلا إنقاذاً للروح من شوائب الضغط والقسر ووضع العراقيل المصطنعة امام يقظة الروح واستقلال الخلق وانطلاق النشاط في نفس كل عربي». ويضيف الأستاذ ميشال قائلاً: «وما دام الدين منبعاً فياضاً للروح فالعلمانية التي نطلبها للدولة هي التي بتحريرها الدين من الظروف السياسية وملابساتها، تسمح له بأن ينطلق في مجاله الحر في حياة الأفراد والمجتمع وبأن تبعث فيه روحه العميقة الأصيلة التي هي شرط من شروط بعث الأمة».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق