سلايدرسياسة

الصادق المهدى: رحلة في العقل العرفاني الجريح (1)

خالد موسى دفع الله

والجسد المسجى يمشى هادئا مطمئنا بين الجموع الحاشدة تحفه الدعوات والدموع، والصبر يستحر أنين الفجيعة في اكباد الرجال، ويفرى حشا النساء ونحيبهن الذي يحاكى الجمجمة والصهيل. كان المعنى يغوص عميقا في صفحات التاريخ، أنه مع تعدد المناقب وعبقرية السيرة واسهامات الفكر وأرومة الأصل والمحتد تبقى سودانيته الخالصة شامة متفردة في بنائه العقلي ونسيجه النفسي وشوارده الوجدانية. أي أنه يمثل ما يجب أن تكون عليه الشخصية السودانية في أفضل تجلياتها، وهي تشتمل على هذا التوازن الخلاق. ام تراه ظاهرة تراكمية للكسب التاريخي لحالة المهدية الكامنة في طورها الجديد؟ إذ لم يجعل من سابغ عمره المضرج بالدماء والاجتهاد والسجون حسينيات تحسن اللطم والتفجع وانشاد المواويل، بل منارات مضيئة لإحسان الفعل والقول.

هذه المقاربة تتخذ طريقا وسطا، إذ لا تجفو عن ملامسة رقائق العرفان وانسانيات الرثاء بقدر قدحها في محاولة لاكتشاف اهم سمات مشروعه السياسي والفكري.

ان الشفرة في مقارباته السياسوفكروية هي أنه اجتهد في أن يكون المنطقة الوسطى أو نقطة الالتقاء بين اليسار واليمين. أو بعبارة أخرى المعادل الموضوعي لطرفي الصراع الأيديولوجي والسياسي في السودان، وهو ما وصفه د. التيجاني عبد القادر بالثنائيات المدمرة بين إسلامي وعلماني. وقد وجدت لهذا النزوع التوفيقي عند الصادق وان يكون نقطة التقاء اليسار واليمين جذورا في رؤيته الفكرية للمهدية في أنها حسب وصفه عبارة عن جسر يربط بين السنة والشيعة ومذاهب التصوف ومدارس الفكر ومذاهب الفقه الإسلامي المتعددة. لذا أراد الوسطية بوعي ليكون نقطة التقاء التيارات المتصارعة. قال لي في حوار سابق أنه حمى كيان الانصار من الاختراق الفكري بنزعة التجديد الديني والتحديث مما أضعف تأثير الحركة الاسلامية على الانصار، وبالدعوة للأفكار التقدمية مما عصم كيان الانصار من اختراق الاطروحات اليسارية.

لا تكتمل دراسة ابعاد هذه الشخصية الفذة الا من خلال ثلاث مزايا مازت شخصيته ووشمت نشاطه السياسي ووسمت اجتهاداته الفكرية.

وهو أنه مثقف موسوعي غزير الإنتاج حيث ترك آثارا مكتوبة تقترب من الألف مؤلف تضم الكتب والإصدارات والمحاضرات المكتوبة. واختط لنفسه منهجا في الاجتهاد الفكري حيث لازم منهج التجديد الديني والاجتهاد في حوار وجدل

(الاصل والعصر)، وتبنى منهجا وسطيا معتدلا ابتعد فيه عن السلفية الانكفائية حسب تعبيره، منفتحا على ابتلاءات الحداثة والتعاطي مع منتجات وآثار الحضارة الانسانية. وهو زعيم سياسي جعل الديمقراطية منهجا وسلوكا وهدفا دفع من اجلها أنضر سنوات عمره في المنافي والسجون. وهو داعية للتحديث وسط كيانه وفي أجهزة حزبه. تميز بفضائل إنسانية نادرة وهي الانفتاح على جميع شرائح المجتمع السوداني، والقدرة على الحوار والاستماع للأصدقاء والمخالفين والتفاعل مع مختلف الاجيال. كان في حياته مستودعا للحكمة وداعية للسلام. وهذا ما جعل الباحث الأكاديمي والكاتب السوداني د. عبد الوهاب الأفندي ان يصفه بأنه من زعماء السياسة القلائل الذين تفوق إيجابياتهم على السلبيات.

ويمكن تلخيص ملامح مشروعه في التجديد الديني، وتوطين الديمقراطية والاعتزاز بالإنسانيات والهوية السودانية، اضافة لإسهامه الفكري العميق في قضايا التحولات الدولية والظواهر العالمية واهتمامه خاصة بالفكر السياسي والاجتماعي. وقد راهن في كتابه (الديمقراطية راجحة ورائجة) على عودة الديمقراطية. ولا يزال السودان يكابد السعي نحو هذا الهدف خاصة بعد التحولات التي فرضتها ثورة ديسمبر.

تميز الإمام الصادق المهدى بفرادة مدهشة في المزج بين التراث السوداني وأدوات الحداثة، وقد وسم نشاطه أثناء فترة الطلب الجامعي في اكسفورد عبر الجمعيات المختلفة بالانفتاح على مختلف التيارات الفكرية خاصة توجهات حزب العمال واهتمامه بالنقابات في العمل السياسي وجدل دولة الرفاه الاجتماعي ومزايا وإشكاليات التوجهات الاشتراكية في الاقتصاد.

الخروج من قوقعة التنميط:

يعتبر ضمن قلة من الزعماء والمثقفين والمفكرين الذين استطاعوا أن يكسروا بحنكة ودراية كل أشكال التنميط حول شخصيته. وان يتجاوز كل الأحكام القيمية التي حاولت أن تختزل تاريخه و ان تعتقل كسبه في صورة نمطية رجعية وتقليدية، وتشيع أنه أميل للتنظير والحديث المرسل من النزعة العملية و اتخاذ القرارات الحاسمة والناجزة . وفشلت محاولات اعتقاله المعنوي في مرحلة تاريخية محددة مثل ان أزمته هي التأرجح بين تقليدية الجزيرة ابا وحداثة اوكسفورد كما قال الراحل منصور خالد، أو أنه تلبسته حالة ترتوسكية وهو يتبضع في سوق الازياء الفكرية في اكسفورد كما قال الشيخ الراحل حسن الترابي. او انه حريص على اعادة انتاج دولة الزبير باشا وقطع التطور الطبيعي للدولة الوطنية عبر التنوع التاريخي والتنوع المعاصر بالأسلم والتعريب القسري كما اتهمه جون قرنق من قبل.

كثيرون كانوا ضحية للصورة النمطية التي صنعها المجتمع والرأي العام، ورغم المحاولات الشرسة للبعض اختزال اجتهاداته لمجرد انه محب للكلام، الا انه أثبت عمليا أن الحديث والتواصل والكلام هو حالة ديمقراطية. وقال في ندوة حاشدة كنت ضمن حضورها لمن ظن أنه يعيره بكثرة الشرح أن وسيلته كزعيم سياسي هي الإقناع بالمنطق والكلام والجدل وهي جوهر مطلب الديمقراطية دون أن يحمل الناس على رأي بأدوات الإكراه القسري او الجبر، لأنها من حيل الديكتاتوريين.

كأن التاريخ يعيد نفسه اذ كتبت صحيفة التايمز اللندنية في نعى الإمام عبد الرحمن يوم ٢٤ مارس ١٩٥٩ ان وفاته: “حادثة سياسية بالغة الاثر في قطر بدأ- ومنذ فترة- في إظهار أعراض عدم استقرار واسعة النطاق ينبغي مراعاة تداعياته بدقة وحذر ولكن عشيرة المهدى قوية الترابط وهذه الحقيقة ربما تكون أفضل ضمان للاستقرار”.

كأن التايمز تعيد احياء الماضي في نسج فجيعة الحاضر. إذ يمضي الإمام الصادق المهدى إلى ربه في ذات التحولات والظروف الدقيقة التي توفي فيها جده الإمام عبدالرحمن، وهناك مخاطر جمة تحيط بالسودان، في وقت أحوج ما تكون فيه البلاد لحكمته ورجاحة عقله ووسطيته. لكن كما قالت التايمز مراهنة وقتها أن عشيرته المترابطة ربما تكون أحد ضمانات الاستقرار.

يخلط الغربيون بين كسب الإمام الصادق المهدى السياسي والاداء التنفيذي لتجربته السياسية رئيسا للوزراء خلال فترتين من عمر السودان الحديث، وبين كسبه الفكري والثقافي واسلوب زعامته الكاريزمية لطائفة الأنصار.

إذ أن أبرز خصائص زعامته أنه لم يكن صورة مستنسخة من جده الإمام عبد الرحمن رغم انه مؤسس المهدية الجديدة، ولم يكن صورة فوتوغرافية من والده الإمام الصديق الذي عاجله الموت قبل أن يبرز ملامح مشروعه السياسي مكتملا. لذا حاول الصادق منذ تعلقه بالعمل السياسي أن يثبت أنه رقما مستقلا في معادلة السياسة والدولة وتجديد البعث المهدوي، وانه ليس مجرد رقما طرديا متسلسلا في قائمة زعماء كيان الانصار، وقد مثل بالفعل تحولا نوعيا في أسلوب القيادة ونمط الزعامة. لذا ظل الإمام الصادق المهدى أنه استثناء إذ ولد وفي فمه معلقة من فضة لكن لم يستسلم لحياة الدعة المتوفرة له وانخرط يشق طريقا عصيا بكسبه الذاتي أكثر من ارثه الاسرى وسط رمال السياسة المتحركة في تاريخ السودان الحديث. وقال في آخر رسائله قبل وفاته أنه دفع سنوات عزيزة من عمره ثمنا لمواقفه سجنا وتشريدا في المنافي. لعلمه أن أكثر الناس ابتلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل دون أن يفت ذلك من عضده أو يضعضع من قوته وشكيمته.

قال عنه الطيب صالح أنه كان يمثل طاقة جديدة في الحياة السياسية في ستينيات القرن الماضي كقيادة شابة مستنيرة تحمل الامل والتغيير أشبه بتلك الروح التي بثها جون كندى في أمريكا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق