آراء

أجراس المدائن

علي السيد ... عُلويّة وسياديّة

قصة آخر خبر للأستاذ علي السيد قبل ساعات من رحيله المفاجئ

عاصم البلال الطيب

الخبران

مجموعة قيادية اتحادية ميرغنية الزعامة تجتمع وتقر مشاركتها وقواعدها في مواكب ١٩ ديسمبر المرتقبة خلال أيام في ذكرى انقداح شرارة الثورة في عطبرة والدمازين، خبر يصنفه الزميل إبراهيم الصغير رئيساً وبلغة الصحف فرنجية اللكنة مين شيت، اتبادل والصغير الرؤى حول حصيلة الأخبار الواردة وكمية ونوعية حصيلتها لانتخاب الأهم قبل الشروع في تنفيذ وتصميم الصفحة الأولى، نعمل في ظروف صعبة لإكمال رسالتنا التي لن لم نعد متحكمين في ظروفها وأحوالها، كلفة الصناعة الصحفية ابهظ من المتاح، قنوات توزيعية شحيحة المطلوبات فقيرة الإمكانيات، زد على ذلك قراءة الصحف بالقوة الجبرية الإيجارية مقابل ضعف الشرائية،  إعلانات لازالت قيد التصنيف والمحاباة والمحسوبية وأجواء سياسية لا زالت فاسدة، زد ضربات الجائحة المؤلمة التي تصيب كل يوم في مقاتل ناصبة المقاصل في الشوارع والنواصي والمحاجر، لم يعد خبراً  غير الآزم مين شيت، لا نأبه كثيراً بالحال ونتفاءل حتى لا يتسلل إلينا جاهراً وخافتاً الإحباط فنقعد، عشية الإثنين المنقضية سألت الصغير خبره فعاجلني ان قيادات اتحادية مقربة من مولانا الميرغني اجتمعت وقررت المشاركة في مواكب ١٩ ديسمبر، لم احفل بتقرير الصغير في الخبر وما لمست فيه ما يضعه مين شيت، واختيار العنونة الرئيسة تعبير عن رأى هيئة التحرير، الخبر مقدس لمنسوبه والعنونة ملك للصحيفة تحسب عليها او لها في أخبار بعينها، تكثر الأخبار حول مواكب ١٩ ديسمبر الآتية في أجواء متلبدة بالغموض متكهربة بالسفور، فبدا لي خبر مشاركة الاتحاديين متسقاً مع المجريات متماهياً مع التداعيات بيد أن الصغير يرى في الخبر أهمية ربما بخلفيته البعثية اليسارية وإلمامه  بما لا ألم به وليس بصحفيته

ثم سألت الصغير عن مزيد في جعبته ومخلاة أخبارياته المأزومة، فلا جديد، ذات العك السياسي

واقعنا

ثم تلقيت محادثة من زميلتنا الكاتبة الشابة المميزة نجاة الحاج صاحبة زاوية من واقعنا، تخبرني بإرسال خبر عاجل عبر الواتساب من الأستاذ على السيد المحامي والقيادي الاتحادي الميرغنى التاريخي بصفته التنظيمية الرفيعة المستحقة في الحزب، عجبت والرجل غاب كثيراً عن الإطلالة عبر  الإعلام  واخبار اليوم التي تربطه بها علاقة تاريخية وطنية وصداقة عميقة منذ ثمانين القرن الماضي وبناشرها الأستاذ احمد البلال الطيب الذى يشهد له أرشيف اخبار اليوم بتصييرها منبراً ومنصةً لمعارضة الإنقاذ الداخلية ولاحقاً للمعارضة المسلحة من لدن حركة قرنق وحتى الحركات المسلحة التي انتظمت في بدايات الألفية الثالثة البلاد غرباً وشرقاً للإطاحة بالإنقاذ، لم يكن نزهة فتح اخبار اليوم منصة للمعارضة  ولا عملية سلسة جرّت متاعب ومصاعب لكن كان لمهنية الناشر قدحاً معلى في ارتضاء المعارضين بها منبراً مهما ضاق ماعونه عليهم وبهم سيحدث اختراقا في حوائط صدود الشمولية وهذا ما قد حدث لمن يحفظون وقائع التاريخ، ونشهد للأستاذ على السيد المحامي القيادي التاريخي الاتحادي الميرغني الذى لم يبدل تبديلا، كان قوياً شجاعاً في معارضته غير هيّاب للشمولية وأجهزتها القابضة مستعداً لدفع ضريبة وسداد فواتير المقاومة إيماناً راسخاً بالديمقراطية  حاكمية منطلقاً من خلفيته القانونية التي عتّقها بالسياسة ممارسة واعية وناضجة وهو القاضي الواقف المميز الذى تفتقده ساحات العدالة وموكليه منتصراً للظالم قبل المظلوم.

كواليسنا

حمّلت خبر الاستاذ على السيد عبر الإسفير لهاتف الصغير ففوجئ كما انتابني الإحساس قبله والخبر مخالف لمتن خبر المجموعة القيادية الإتحادية الوارد عبر وكالة الأنباء الرسمية سونا فالتقطه الصغير، وجدنا بحوزتنا خبرين محققين مختلفين مصدرهما واحد الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، المجموعة القيادية بثت سونا خبرها نهارا فحام في الاسافير ووسائل تواصلها، ولدى تناهيه ربما لمسمع الأستاذ على السيد، لم يتعجل توضيحاً حتى يتيقن وليس كل المحمول إسفيريا ولو للوكالة الرسمية منسوبا يؤخذ به دون تحقق والشتل والتهكير وارد، لذا تأخر وصول خبر الاستاذ على السيد للإعلام لأخبار اليوم مخالفاً لما أدلت  به المجموعة الأولي حول القطع بالمشاركة في مواكب ١٩ ديسمبر دون الرجوع إليه كمسؤول أول مخوّل للتفويض بالأصالة او الإنابة للحديث عن مشاركتهم في المواكب، فصاغ خبره بعناية فائقة ولم يقل أنه تكذيباً او توضيحاً تقديراً ربما لخبر المجموعة القيادية، فاكتفي بالحديث مجملا حول عدم بلورة موقف حزبهم من المشاركة أو عدمها حتى عشية أمس الإثنين، لم يتطرق بالذكر لخبر المجموعة ولكن كان واضحاً لنا انه تعقيب غير مباشر بتقديره ولو اراده مباشراً لما تردد في تبيان ذلك وقد عرفته شخصياً من خلال مشاركته في تسعين القرن الماضي في تحرير صفحة المنبر الحر بأخبار اليوم بمقال اسبوعي كان ينتظره القراء ويرفع معدلات التوزيع، كنت مشرفاً ورقيباً ذاتياً داخلياً علي هذه الصفحة التي كان يحررها معارضو الإنقاذ من أمثاله من السياسيين والكتاب والصحفيين، يكتب الأستاذ على السيد مقالته صريحة قوية، نقرأها مرات ومرات ونقوم ونجلس قبل الطبع والنشر متوكلين على الله متيقنين بأننا سنتلقّى تقريعا في اليوم الآخر وحال استعار الغضبة يتطور لاستدعاء من قبل جهاز الأمن الوطني السابق الذي ظل على حاله وقد استدعاني شخصياً مرات والثورة تسد عليه الآفاق والطرقات فأيقنت لا فائدة تُرجي وذاتنا لن ننجو من التصنيف ولا أحد عليم بما وراء الكواليس، هي رسالتنا لا نمتنّ بها وسيرة وذكرى الرقم علي السيد حملتنا على ذلك مضطرين تدليلاً علي شجاعته التي قادتنا كناشرين للاستدعاءات وسخف تحقيقاتها التي يسند إجراؤها ذلاً غالباً لمن يصغروننا سناً وخبرةً.

قصّتنا

كنت لصدور أخبار اليوم يوم الاثنين منتظراً للمزيد من ردود الفعل الإتحادية لتناقض خبرين من قياديين تناقضاً ليس من مصلحة البلد والاتحادي حزب كبير دعمه حتى من غير الاتحاديين من ضرورات المرحلة والفترة الانتقالية وخاصة من أهم مكوناتها قوى إعلان الحرية والتغيير، ونظرة لتصريح الاستاذ على السيد المنشور في اخبار اليوم عدد الأحد، تجده بمثابة روشتة ميت لأهمية توحيد المواقف وإطلاق التصريحات بعد توافق وإلا فإن أحزابنا ستبقى محلك خلافات وانقسامات، تبدو وحدة الاتحاديين ملحّة وضرورة قصوى لفائدة السودانيين، لم يطل انتظاري والصغير على غير عادته يهاتفني صباحا باكراً وأنا في رحلة بحث عن الخبز ولا عيشة لا مدعومة لا تجارية، مهاتفة أيقنت أنها ليست خيراً، يحدثني الصغير بسماعه خبراً لم يجد غيرى ليؤكده أو ينفيه وقد كنت من جلب له خبر الأستاذ على السيد بعد  غياب،  الصغير من يخاطبني دواماً احتراما بالأستاذ رغم ما بيننا من صداقة، يسألني هل الأستاذ على السيد توفي؟ يا الصغير الأسافير تقتل الناس تقتيلا، تصريحه بأخبار اليوم لم يجف مداده بعد، لا يا استاذ الخبر وردنى من جهات أثق فيها، أغلقت السكة مع الصغير وهاتفت الأخت نجاة للنجيضة فكانت على الخط زبيدة شقيقتها تؤكد الفجيعة وتعتذر نجاة مصدومة، كلنا تصدمنا اخبار الرحيل ثم نفيق مستغفرين مترحمين. فقدنا رجلا قانونياً وسياسياً نادراً لم تشغله حياته الخاصة وتلهيه عن الإحساس بالآخرين وبالسودان الذى أحبه وخدمه بمهنته وسياسيته وانسانيته التي على ذكرها أروى قصة لا يمل روايتها الأخ أحمد البلال الذي كان يستضيف الفقيد عضواً دائماً بمنابره السياسية التي يشرف عليها بنفسه، يروي الأخ أحمد موقفاً إنسانياً نبيلاً للراحل الجليل علي السيد  لدي وقوع انقلاب الإنقاذ وتعطيله لصدور صحف الديمقراطية الثالثة ومن بينها صحيفة الأسبوع المستقلة من كبريات صحف تلك الحقبة وقد كان الاخ احمد شريكاً رئيساً فيها، الأستاذ على السيد كان من كتاب الأسبوع التي تبوأت فيها منصب سكرتير التحرير حتى تشردنا بعد انقلاب الإنقاذ، وتشرد بالطبع حتي الشركاء، يروي الاخ أحمد بزهوٍ وإعجابٍ عن نبل وكرم وشهامة الأستاذ الكبير الوفي  المرسى بسلوكه السياسي والمهني أدب الخلاف غير المفسد فضيلة الود، يقص علينا الاخ احمد لنتمثل بسلوك الرجل السيد أسماً ووصفاَ ورسماً علي السيد الذي أودع لهم دفتر شيكات على بياض لصرف رواتبهم  من مكتب محاماته  طوال فترة توقفهم قسراً عن العمل… هو الرجل على وسيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق