سياسة

قراءات

مناظرة تاريخية (8)

محمدالمنتصر حديد السراج

انتهينا في الجزء السابع من هذه المناظرة الى قول المؤرخ الفيلسوف توينبي: أن الوطن القومي لليهود كان يمكن أن يأخذ صورة دولة فلسطينية تضم اليهود والعرب على قدم المساواة… وأنه في اللحظة التي فتحت فيها أبواب الهجرة لليهود لم تكن صادرة عن سكان البلاد أنفسهم (الفلسطينيين).. ولكن صادرة عن الحكومة البريطانية، فقد لابد للأمور أن تخرج عن الطريق المرسوم لها.

ويواصل توينبي: ولا شك في أن جميع الأنظمة والشعوب التي عاشت في فلسطين منذ 135 بعد الميلاد قد سمحت لليهود بالعيش في فلسطين واعترفت لهم بحقوقهم. وقد كان يعيش في القدس دائما جماعة من أتقياء اليهود يدرسون الشريعة. وكان النظام التركي يسمح بهذا. وأشك في أن الصليبيين كانوا يسمحون به. ولعل الدولة الوحيدة التي أنكرت على اليهود هذا الحق هي دولة الصليبيين.

وفكرة الوطن القومي هي توسيع لهذا الوضع. لقيام 50.000 ألف يهودي بدراسة الشريعة في القدس و12.000ألف يهودي يعملون في المزارع كما كان الحال سنة 1917. كانت هذه هي الصبغة القديمة للوطن القومي اليهودي، وقد استهدفت الحركة الصهيونية التي كان يتزعمها دكتور وايزمان والحكومة البريطانية التي كان يرأسها مستر بلفور، توسيع قاعدة هذا الوطن اليهودي القومي وإسباغ مظهر حديث عليه وذلك بالسماح بهجرة أوسع وأن يخول اليهود الحق وتيسر لهم السبل للاستقرار، في أعداد محدودة، في فلسطين…أعداد محدودة بالنظر لالتزام بريطانيا بعدم الإضرار بمصالح سكان فلسطين إذذاك.

إني أوجه اللوم لوعد بلفور في هذا المعنى، وأعتقد أن محاميا يستطيع أن يثبت تناقض الالتزامين اللذين يتضمنهما. وعلى كل حال فقد يبدو هذا حكمة متأخرة. ولعلنا لا نستطيع أن نوجه كثيرا من اللوم الى الحكومة البريطانية ذاك الحين لأنها لم تتوقع إذاك أن المجتمعين.. العرب واليهود. سيفسران التصريح بصور متناقضة. ولقد وضعت فلسطين في مرتبة أ بقصد إعدادها للحكم الذاتي والاستقلال التام. وقد فسر العرب باعتبارهم يكونون 90 في المائة من سكان البلاد بأن استقلال فلسطين معناه أن تصبح دولة عربية تضم أقلية يهودية. وفسر بعض اليهود الوطن القومي باعتباره منتصف الطريق نحو الدولة اليهودية، وأخشى أن أقول إن بعضهم كان يردد (حتى لو أن هذا لم يرده البريطانيون، فسنستخدمه كذريعة للحصول على دولة يهودية في النهاية). وهذا أمر بشري ولا أستطيع أن أكثر من اللوم في هذا الصدد. وأعتقد شخصيا أن وعد بلفور كان على حق حينما أقام هذه الحدود. وقد تشبهونها برطل اللحم ونقطة الدم في رواية تاجر البندقية! فما دام التصريح قد نص على عدم المساس بمصالح السكان غير اليهود البالغ عددهم 90 في المائة بمعنى هذا أنه لا يمكن قطعا أن يقوم وطن قومي في المعنى السياسي بل على أن يقام هذا على الأكثر في المعنى الثقافي. أعتقد أن هذه هي الشروط التي قبلتها المنظمة الصهيونية ذاك الحين والتي وضعتها الحكومة البريطانية والتي منحت بها اليهود أمرا قريبا الى نفوسهم. ولقد ضمن التصريح كتابة حقوق سكان البلاد إذاك وهو أمر كانت تلزم به جميع مقتضيات القانون والأخلاقيات.  السفير الإسرائيلي هرتزوج: بالنسبة لقانون سقوط الحق بالتقادم وهو أمر له. .بجانب إطاره القانوني.. إطار تاريخي أحب أن أتلو عبارة وردت في كتابكم (دراسة في التاريخ) تقولون فيها: (يعيش اليهود، بينما اندثر الفينيقيون وفقد الفلسطينيون شخصيتهم، شأنهم شأن جميع الأمم. لقد انصهر الجيران السوريون القدامى في البوتقة وأعيدت صياغتهم من جديد في ملء الزمن في صور جديدة بينما أثبتت إسرائيل أنها أقوى من قوانين الكيمياء التي يفرضها التاريخ).

وهذا وصف بليغ إذا جاز لي القول للبقاء اليهودي.

إن التاريخ لم يعترف بقانون سقوط الحق بالتقادم، فنحن الشعب الوحيد في الشرق الأوسط الذي يتكلم نفس اللغة ويدين بنفس العقيدة ويحيا في ظل نفس الآمال والاتصال الروحي كما كان أجدادنا من آلاف السنين وأولئك الذين نفوا من هناك.

ولا يوجد شعب آخر منذ سنة 132 ميلادية له صفة هذا الاتصال التاريخي.

توينبي:

نعم يا سيدي السفير لقد اعترف بها التاريخ في هذا المفهوم العملي…

هرتزوج:

تصريح بلفور

توينبي:

لا، بل أن 90 في المائة من سكان فلسطين سنة 1917 كانوا من غير اليهود. هذا هو صنع التاريخ (من ناحية الواقع).

هرتزوج:

ولكنكم تعترفون أن الإقامة اليهودية في إسرائيل كانت متصلة الأطراف خلال جميع عصور التاريخ.

توينبي:

أقلية.

هرتزوج:

نعم، ولكنهم ظلوا هناك. إنكم تقرون بالأمل الذي كان يعترم في صدورهم بأن العودة كانت هدف حياتهم القومية خلال العصور. و من ناحية أخرى لم يكن للعرب في فلسطين قط وجود سياسي منفصل. بل كانت تحكم فلسطين من دول بعيدة لعدد من القرون. وكانت تنتقل من يد الى يد. وخضعت لثلاث عشرة غزوة خلال العصور وعندما عاد الشرق الأوسط للحياة في نطاق قيام أمم جديدة، وهو ذلك التطور الذي بدأ بعد الحرب العالمية الأولى، والذي استمر حتى عصرنا هذا، وبلغ قمته في سنين الأربعين والخمسين، اعترف الضمير العالمي بحق الشعوب العربية في الاستقلال، وهكذا ظهرت الدول العربية وأظلت مساحة من الأرض تقرب من مليوني ميل مربع. لقد حقق العرب الكيان المستقل، الذي لم يسبق لهم أن حققوه حتى في عصرهم الذهبي أيام الخلفاء. وفي نطاق هذا الشرق الأوسط اعترف كذلك بأن الشعب اليهودي، وقد تطلع طويلا الى العودة، يجب أن يعود ثانية. وهو يتمتع اليوم بالاستقلال والحرية في أرض إسرائيل.

والآن يا سيدي لقد أوردتم تفسيرات لتصريح بلفور ترتكز الى ما كان لكم من صلة في ذلك الوقت بالحكومة البريطانية. ولا شك أنكم تقرون أن لورد بلفور نفسه ولويد جورج الذي كان رئيس الوزارة آنذاك، وونستون تشرشل كانوا على علم بمعنى التصريح. ولقد أوضحوا هذا على مر السنين. بل أن الأمير فيصل، الذي قابلتموه في مؤتمر الصلح، اعترف ضمنا بهذه المعالجة في مجموعها.

توينبي:

ليس بالدولة اليهودية.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق