(“لا يطفئ نار الكراهية إلا غيث المحبة”)

٭٭٭
ليلة أمس وقف إله الأرق إلى جانبي، فأبى ألا أغمض عينيّ، وكنت، يا سادتي، في وحدة ووحشة، إلا من كتاب. تألمت لما حدث في برلين، ولسماع الأخبار التي تحمل بين جنباتها أذى البشر. مرة أخرى، شاب من أصول عربية مسلمة يترك العنان لسيارته في محيط حديقة الحيوان البرلينية بألمانيا، قاصدا استهداف عدد من الأبرياء. وا أسفاه! لقد تكرر هذا المشهد في السنوات الماضية بوتيرة مزعجة تؤلم الفؤاد قبل العقل. إذ شهدت ألمانيا خلال الأعوام المنصرمة عدة حوادث دهس بالمركبات ارتكبها أشخاص من أصول عربية أو إسلامية، أو بدوافع إسلاموية متطرفة، كان أبرزها هجوم برلين عام 2016، وهجوم ميونيخ عام 2025، ثم الحادثة الأخيرة في برلين (يوليو 2026).
ولعل أكثر ما يؤلم في مثل هذه الحوادث أنها لا تزهق أرواح الأبرياء فحسب، بل تهدم أيضا جسور الثقة التي استغرق بناؤها سنوات طِوال. وهنا استحضر مأساة روميو وجولييت لشكسبير، حيث تظهر الكراهية الموروثة بين عائلتي مونتاجيو وكابوليت أقوى من الحب نفسه. تسأل جولييت: “ما الاسم؟ ذلك الذي نسميه وردا، لو سميناه باسم آخر، لظل يفيح بنفس العطر”. بيد أنّ الكراهية كانت أقوى من الحب، وموت العاشقين أصبح رمزا، إذ أن تضحيتهما هي التي أنهت الصراع الأشوس الذي دار بين الأسرتي؛ فهل مونتاجيو يمثّل الشرق وكابوليت الغرب؟!


ثم ماذا يا سادتي؟
لماذا يقف القلم على خديّ هذه الورقة ثم لا يكتب؟ ألعجز في التعبير يوثقه وثاقا؟ أم لأن ذكرى هذه الأحداث المتلاحقة تؤرقه، فتجعله، من فرط حاله سجين الفِكَر والذِّكَر والعِبَر؟
وأنا في رقدتي الليلية تلك، راودتني فكرة عجيبة! لعل البحث عن معنى وسط هذا الركام هو الذي قادني إلى اسم لم يخطر ببالي في تلك اللحظة: فريدرش روكرت (1788–1866)، ذلك الشاعر الألماني الفذ. قلت في نفسي: ولم لا أكتب مقالا يربط بين هذا الرجل وهذه الحادثة المؤلمة؟ إنه التحدي بعينه! وددتُ أن أسطّر بضع أفكار امتدادا لمقالي الذي كتبته عن المستشرق العظيم جوته وزملائه. فكانت نقطة التماس هي الحب للشرق، في مقابل كراهية للغرب.
نعم، فالحكمة العربية القائلة: “إن أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكته“ صادقة دون أدنى شك. وكأنها تناجي حكمة “شيروكي” المعروفة في الأدب العالمي: “في داخلي ذئبان يختصمان: أحدهما غاضب، مملوء حقدا وحسدا وجشعا، والآخر هادئ، يحمل حبّا ورحمة وأملا. أيهما سينتصر؟ ذلك الذي تطعمه”. فهل اليوم يُطْعَمُ الذئبُ الصحيح؟
تتوالى التصريحات السياسية في هذا الشأن، كاشفة عن معضلة عميقة: كيف يمكن لألمانيا، التي فتحت أبوابها يوما أمام الباحثين عن الأمان، أن توازن بين قيم الاحتضان والحماية من جهة، وحقها المشروع في حماية مجتمعها من أولئك الذين يسيئون إلى هذه الثقة، وينتهكون القانون والعرف والذوق السليم من جهة أخرى؟ ولعل هذا السؤال هو ذاته الذي يفرض حضوره اليوم في أروقة البوندستاغ، حيث تتصاعد الدعوات إلى مراجعة سياسات الهجرة، وتشديد إجراءات الحماية، وتجفيف منابع التطرف، واتخاذ موقف حازم تجاه كل من يَعُضُّ اليد التي امتدت إليه بالعون.

أي دين هذا الذي يبيح قتل الآخرين؟
وأي شريعة هذه؟
لا والله. (“ما جزاء الإحسان إلا الإحسان”)
فالإسلام براء من كل هذه الأفعال، وكلنا مسلمون نحترم الإنسان والاختلاف، مصداقا لقوله تعالى: (“من آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين”) (الروم: 22). وألمانيا مليئة بشباب عرب ومسلمين، والله، يبيّضون الوجوه بعلمهم واجتهادهم وأخلاقهم، إلا أن الفكر الداعشي يقف بالمرصاد لكل من سلك طريق الشك وسراط الحقد. ولسان حال من أراد الصلح يقول، كما جاء في العهد القديم: “الخطيئة رابضة عند بابك، وهي تشتهيك، لكنك يجب أن تتغلب عليها”.
ودعوني أعود بكم إلى ماهية الحب في الشعر والأدب عند الشاعر الألماني فريدرش روكرت؛ ذلك الحب الذي كان قادرا على أن يحرك الجبال، فما بالكم بالقلوب! انجذب روكرت على وجه الخصوص إلى أدب الشرق، ولا سيما أشعار المتصوفة، وفي مقدمتهم جلال الدين الرومي. وترجم العديد من الأعمال العربية والفارسية، وأسهم في تعريف القارئ الألماني بالشعر والأساطير العربية والفارسية. وكان هدفه أن ينقل الجمال الفني والأسلوبي للأدب الشرقي إلى اللغة الألمانية، فغدا واحدا من أبرز الجسور الثقافية بين الشرق وأوروبا.
وهكذا، يبقى السؤال معلقا في أفق العقول:
أي صورة نريد أن تبقى في ذاكرة الألمان عن العرب؟
أصورة من يجعل السيارة أداة للموت والكراهية؟ أم صورة روكرت الذي جعل اللغة العربية جسرا للمحبة والتفاهم؟
ولعل هذا هو ما يجعلني استذكر رواية “التحوّل” لفرانز كافكا، إذ يصور فيها كيف يمكن للخوف من المجهول أن يتحوّل إلى كراهية عمياء. فجريجور سامسا، بعد أن تحول إلى حشرة، رأى حتى أقرب الناس إليه تتبدّل نظرتهم نحوه؛ فبعد أن كان موضع محبة، أصبح في أعينهم كائن مثيرا للريبة والاشمئزاز. وإذا كان كافكا يبيّن كيف تُولَدُ الكراهية من الخوف، فإن روكرت يثبتُ، في المقابل، أن الحب والمعرفة قادران على بناء الجسور العتيدة بين الثقافات.
وسيبقى روكرت مثالا حيّا وصادقا على حبّ الشّرق بألوان القزح وسنا المودة. يُعلّمنُا من سيرته أن قصيدة صادقة تستطيع أن تبلغ حنايا الأفئدة، وأن تجد طريقها إلى أعمق مواضعها.
وفي نهاية المطاف يا سادتي، يبقى الدرس بيّن كنور الشمس: قد تهدم سيارة أواصر الثقة في لمح البصر، بينما يستطيع الشاعر بقصيدته أن يشيد جسورا بين الأمم، تعبر بها القلوب من ضفة إلى أخرى، ما بقي للإنسان نبض وحياة.





