آراء

غوايات

الحاجة إلى الجنون

عماد البليك

درج الناس في بيئاتنا المحلية على إطلاق صفة “المجنون” على كل من يأتي بأفكار أو تصرفات خارقة للعادة أو مفارقة للمألوف، فيقال هذا “مجنون”، و”شوف الشافع دا مجنون”، في الوقت نفسه فإن من أدعية الغضب التي يطلقها الناس على الشخص “المتمرد” أو غير المرضي عنه، ومن هؤلاء الأمهات في لحظات زفرهن من أبنائهن قول الواحدة منهن لولدها وهي غاضبة منه “جن يركبك”.

معروف أن كلمة الجنون مأخوذة من جنّ وفي اللغة تعني هذه الكلمة غطي الشيء، ويقال جنّ أو أجنّ الليل إذا أظلم. كما في قصيدة “الأم” الشهيرة للشاعر السوداني الهادي آدم:

فإذا أجن الليل مهدي من تري

يمسي يهدهده ولا يتبرم

وهكذا فالجنون هو عبارة عن تغطية للعقل أو الوعي في مجمل مدركه الاجتماعي والسائد، فالناس لديها في العادة مألوفات معينة تستند عليها وتسير بها، وتراها هي المعتاد والعقل، وما سواها سوف يصبح جنوناً.

وهناك كلمة جنْ التي تشير إلى الجن وهي مخلوقات من نار تعيش معنا في ذات عالمنا كما جاء في التراث الديني، ويمكن لبعض البشر الاتصال بها والتعامل معها، وبهذا فالجن خارقون لمألوفنا نحن الأنس، وبالتالي فالمجنون يفارق المألوف إلى الاقتراب من خوارق الجن، الذين في مخيال المجتمع لهم قدرات غير عادية، كما في الإشارة التاريخية المعروفة في التراث الأدبي العربي إلى وادي عبقر الذي جاءت منه كلمة “عبقرية” ويقال بأن الجن تسكنه، وارتبط هذا الوادي بالشعر والإجادة فيه.

إن عملية الإلهام والتلقي غير العادي الذي يشكل مفارقة للمعتاد والمدرك عند العامة، سواء كان خيالا باذخا أو تصورا غير معروف من قبل، أو اختراع الخ.. يعني أن ثمة نوعاً من التفكير الذي يختلف عن المدرك، وهذا لدى العامة قد يكون مخيفا لأنه يخترق النواميس، وبهذا فإن الإبداع قد يكون لدى البعض أمرا مرفوضا قد يصل إلى حد وصف صاحبه بالجنون.

عادة الشعوب أو الإنسان في تجربته عبر التاريخ أنه ميّال إلى المألوف، لكنه بعد أن يدخل حيز الجديد ويتعرف عليه يكون قد أصبح أسيرا له، ليكون هذا الجديد أو المستحدث قد أصبح في حد ذاته بمرور الزمن قديما وباهتا، ولم يعد له ما يشبعه كحالة اختلاف أو قيمة ذات أثر “جنوني”. إن الحاجة إلى الجنون بهذا المنطق هي أمر مطلوب في مجتمعاتنا، ونعني بها تحرير الخيال بحيث يكون هناك تحفيزا للقدرات الإنسانية نحو الإبداعية والابتكار والأتيان بالجديد في سبيل دفع الحياة نحو الأفضل، فعبر التاريخ لم تتقدم الحياة إلا بالخيال الذي يشتغل على فضاءات عديدة في الفنون والآداب والعلوم والفلسفات المختلفة، إنها الحاجة إلى الفكر الخلاق والأنا المتحررة من الالتصاق بالمعايير والقيم المألوفة، والأشواق المستعادة والمتكررة والمكرورة.

وإذا ما عدنا إلى البدايات، فالجنون سيصبح غواية تقود إلى سبيل التقدم، بيد أنه ذلك التفكير المنطقي والمنظم وليس القفز غير المرتب، حتى هذه النقطة قد تكون مصدر تشكيك خارج إطار الذهاب بالخطط إلى التنفيذ، لأن مرحلة الاستكشاف والعصف الذهني، تتطلب جنونا يقفز على كل شيء، تفكير غير منطقي، كما في المدارس الفنية ذات الغرابة مثل السيريالية مثلا، حيث يكون لعناصر غير متجاورة في الاعتياد أن تصبح شيئا واحدا. هكذا فإن النظرة إلى العالم لدى الإنسان وهو يسعى إلى التطور، يجب أن تتخلص من القوالب الجامدة والروتين في الرؤية، وأغلب التخلف في المجتمعات مصدره هو التمسك بالقيم الثابتة والتقاليد ذاتها في تفهم الأشياء من حولنا دون إخضاع التراث والموروث إلى التمحيص والمساءلة في الحاضر، لهذا يكون الجمود والتحجر، وينتهي بنا ذلك إلى مفاهيم لا تغيّر الواقع ولا تصنع البدائل الأفضل. وهذه هي دعوة إلى تعميق الخيال وتحفيز الجنون الفاعل، بالعمل عليه كغواية حقيقية عبرها يكون الانطلاق والمضي إلى المستقبل.

وإلى غواية جديدة في الأسبوع المقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق