قبل سنوات كان صديقي ابن مدينة كوستي البروفسر مصطفى عبد الله محمد صالح وهو طبيب متخصص في شؤون المخ والأعصاب الخاصة بالأطفال قد شرع في حك فروة رأسه بعد ان انتبه فجأة الى السودان في ذيل قائمة الدول التي يعاني أهلها من الصرع: ما السر في ذلك؟ لا يستقيم عقلا أن السودانيين يحملون جينا يحصنهم ضد الصرع فهم مثل جميع الشعوب خليط إثني وعرقي وفوق ذلك فليس هناك ثمة دليل علمي على ان هناك جينا يوفر الوقاية من الصرع
طفق بروف مصطفى يفكر ويفكر ثم انتبه الى ان القاسم المشترك بين السودانيين ليس جينا بعينه بل صحن الفول (بالزيت) الذي يسميه السودانيون “الكل يوم معانا”، فقرر من ثم قطع الشك باليقين بإجراء بحوث وتجارب للتأكد من صدق حدسه، ومعظم الكشوفات العلمية جاءت نتيجة حدس gut feeling، أي إحساس داخلي قوي بأن الأمر كذا وكذا، وبعدها يشرع العالم في البحث والتجريب ليرى صدق أو كذب حدسه
قيض الله لبروف مصطفى عالما سودانيا فارع القوم العلمي هو بروفسر علي أحمد مصطفى أستاذ علم الأدوية فشرعا سويا في اجراء التجارب المختبرية على الفئران، والتي وعند حقنها بمادتي الستريكنين والبيكروتكسين اللتين تسببان تشنجات الصرع ثم حقنها بمستخلص الفول مع الفاليَوم كانت نسبة الوقاية من الصرع المفضي الى الموت 100%
ولما تحققا من نجاح عنصر في الفول في فرملة نوبات الصرع نشرا مقالا بذلك في “مجلة طب الأعصاب العالمية- الصرع والسلوك” التي تصدرها جامعة هارفارد الأمريكية في عام 2008 وهذه المجلة لا تنشر أي مادة تتعلق بكشف علمي ما لم تستوثق من دقتها وصحتها
ولأن هذين الباحثين يحتكمان الى ضوابط البحث الطبي المتعارف عليها دوليا فقد ظلا يجريان التجارب ويسافران شرقا وغربا للتأكد من صحة الافتراضات الأولية ثم تقصي دقة الاستنتاجات المختبرية، ثم انضم الى الفريق البروفسور معتصم ابراهيم خليل (كيمياء) وهو الذي تولى عزل واستخلاص المواد ذات النجاعة في درء تشنجات الصرع في الفول، وأرسلها الى مختبر أوربي متخصص فنال الإجازة، ومن طريف ما حدث هو أن بروف معتصم وفور نجاحه في استخلاص المادة المطلوبة زار بروف مصطفى في بيته وقدم له مسحوق المادة (بودرة) فتذوقها الأخير بطرف لسانه وأحس بدوار (لفة راس) وهتف: يوريكا (وجدناها)، وهي الكلمة التي نطق بها ارخميدس عندما كان في حوض سباحة وأدرك أنه عرف قانون الطفو وخرج – قليل الحياء- من الحمام عاريا وهي يهتف بتلك الكلمة أي أن بروف مصطفى استيقن ساعتها من نجاعة المادة المستخلصة
وفي 28/5/2019 توجت جهود هذا الفريق بالحصول على براءة اختراع أمريكية للعقار الذي توصلوا لتركيبته، وهكذا انفتحت بوابة أمل عريضة أمام من يعانون من الصرع تتمثل في دواء “طبيعي” يخلو من الآثار الجانبية التي تلازم معظم العقاقير كيميائية التركيب.
بقي أن أقول أن البروفسورات السودانيون الثلاثة يعملون في جامعة الملك سعود في السعودية، وهكذا تهاجر العقول وتبدع عندما تجد البيئة المناسبة، عندما يتحكم في الوطن العجول…




