سلايدر

السودان: عيد ثورة ديسمبر الثاني … بأيّة حالٍ عُدت يا عيد؟

بين تآمر العسكر وضعف الحكومة المدنية ...!

د. محمد بدوي مصطفى

شعلة الثورة وتآمر المتآمرين:

انطفأت بالأمس الشمعة الثانية لثورة ديسمبر التاسع عشر متزامنة بعض الشيء مع اطلالة عيد الاستقلال الخامس والستين ويتساءل الجميع حينئذ: هل أتت أكلها أو بعضه كما كان يرجى؟ تتبدى المخاوف داخل فئات الشعب التي يحركها ما ينبثق يوما تلو الآخر عن مشاكل عميقة وعويصة من داخل دهاليز الحكومة الانتقالية عبر السياسات والتصريحات العديدة والمتضاربة لسياسيي وعسكرييّ هذه الفترة الانتقالية على حد سواء، بينما تزداد من منطلق آخر هواجس عديدة ومشروعة مجددًا من قبل الشعب والثوار أن يُلتفّ حول ثورتهم التي ما زالت جذوتها متقدة وهي في عامها الثاني، وتحرص هذه الفئة على تكملة المسيرة حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. إن اللعبة التي يلعبها المجلس العسكري صارت واضحة وجلية وللأسف مبتذلة ذلك في كل مساعيه المؤامراتية داخليًا وخارجيًا والتي تتبع أهدافًا يرجو الكل أن تكون يائسة، ألا وهي كتم أنفاس هذه الثورة أو تحجيمها على نسق هبوط ناعم كما حدث في ابتداع تكوين مجلس الشركاء، وهل تدأب هذه المساعي وترمي لإعادة نظام الإنقاذ بكل مواصفاته ومعاييره التي قضت على الأخضر واليابس طوال ثلاثة عقود وكأنها حقيقة يا سادتي ثلاثة قرون من عمر السودان؟!  هل يسعى أمراء المجلس السيادي من العسكريين لإعادة تجارب مريرة ومهترئة عرفها السودان مثال اتفاقيات السلام الوطني والإقليمي العديدة والتي احتوت بعض من قوى المعارضة فيما مضى ولم تخدم إلا أجندة الإنقاذ والعسكر، بيد أنها كانت بمثابة مخدرا أو لنقل طعما لاحتواء كل معارض وضمه إلى الصفوف بالمال والجاه والسلطة حتى يخمد صوته وهلم جرّ. لماذا يقف العسكر بكامله خلف البرهان وأعوانه؟ ألإعادة نظام البشير وسياساته الفاشلة، اقتصادية كانت أم سياسية، ولترسيخ جهاز أمنه القمعيّ الوضيع مجددًا؟ لماذا يرون ضرورة ماسة وملحة في ربط السودان بقوى عسكرية خارجية كما حدث في المناورات الثنائية مع مصر أو في الاتفاقات السريّة مع إسرائيل بدلًا عن الاهتمام بقضايا المواطن الآنية بجدية ونكران ذات؟ أيريدون إعادة انتاج القمع والحرب؟ حقيقة هم ومن اتبعهم بطغيان إلى يوم الدين لم يتوانوا لحظة في أن يشعلوا نيران الفتنة القبلية في مناطق الشرق والغرب، وكم من مرّة قاموا بدأبهم ينظمون لمواكب زحف أخضر نراه سرابا بقعية يحسبه الظمآن ماء – إن جاز التعبير – لإسقاط الفترة الانتقالية، وإعادة النظام البائد. بذلك ينشدون تهديد وحدة البلاد حتى وبعد الانقسام ومرارته التي عاشها السودان عند انفصال الجنوب بدلًا من أن يقدموا الحلول الشاملة التي تتصدى لجذور المشكلة الوطنية والاقتصادية ومعالجتها؟ يكتنزون قناطير الذهب والفضة والأموال الطائلة وكبار الشركات المدرارة وأين شعبهم الممتهن الكرامة من كل ذلك؟ وحسب بيانات لجان المقاومة ما خفي أعظم، فلقد حصرت هذه الأخيرة تجاوزات عديدة للحكومة المشتركة في كل المجالات والحقول والتي صارت تخرج في وضح النهار يومًا بعد يوم عارية للملأ وبعضنا يعلمها تمامًا وحدث ولا حرج. ولن تغمد عين للثوار حتى يفضحوا أيّ سادن أو سارق أو مندس، والبقية تأتي!

ضعف المجلس السيادي والحاجز الذي بينه وبين الشعب:

عند متابعة المشهد العام الآن للسودان خلال عامين من انطلاق ثورة التاسع عشر من ديسمبر نجد الشقّ العسكري في صلب المجلس السيادي قد ارتكب أخطاءً فادحة، كفض الاعتصام أو على الأقل عدم حماية الثوار أو من لاذ بحمايتهم من المواطنين والمواطنات حينما أوصدت القيادة أبوابها دونهم ودون اكتراث، وحدث ما حدث … من شقاء وقتل وسلب ونهب وتقطيع للأحياء. فضلًا عن المحافظة على النظام القديم مما خلق حاجزًا بينه وبين جماهير الثورة بصورة عامة، المعني هنا أولئك الذين قاموا بهذا التغيير وفي ذلك شيء من الاستفزاز تجاههم ويمتد هذا الحاجز حتى بينهم وبين الشعب المتمثل في طبقاته المتباينة بألوان أطيافها العديدة وباعتقاداتها المختلفة. وكل هذه العوامل كان لها دورا رئيسا في تعطيل عجلة التغيير الذي وضع الشعب قاطبة آمالًا واسعة عليها، راجيًا اليوم قبل الغد الخروج من المحنة التي لازمته طوال العقود الثلاثة الماضية. أما فيما يتعلق بالشقّ المدني في المجلس السيادي كذلك الأمر، فهو دون تدليس أو تهميش له، يتسم بالضعف والهوان وعدم الفاعلية وجلّ اهتمامه يتركز في كيونية تواجده في صحن المجلس السيادي، لا غير دون أن يحرك أعضاؤه هنا أو هناك ساكنا وربما نجد المثل السوداني البدويّ يلخص هذا المشهد البائس بدقة عندما يقول: سماحة جمل الطين (أي جمال بعير خُلق من الطين … منظر ليس إلا). وللأسف فقد صاروا في خلال هاتين السنتين مجرد زينة أو ديكورا للمجلس العسكري الذي امتلك مقالد الحكم ومفاتح السلطة وانفرد بهما دون خوف أو تلكؤ وكأنه امتداد طبيعيّ لسلطة كانت وما زالت، ويمكن أن نلخص ذلك بكل بساطة على حد قول المثل “زيتنا في بيتنا”!

كلنا يعلم أن الحكومة المدنية قد انتُخبت من قبل قوى الحرية والتغيير التي لم يبق منها إلى القليل جدًا بغض النظر عن أسماء الأحزاب. إن الحكومة التي اختارتها وانتخبتها قوى الحرية والتغيير لم يكن فيها للأسف معايير الاختيار المتعارف بها في ردهات السلطة، نرجئ ذلك إلى نتيجة ما آل إليه حال البلد الآن من جهة وما أفصحت عنه كوادر معنية بالمجالات المختلفة التي تم الاختيار لها، ذلك يعني أنه ليس فيها أيّة مرجعية أو محاسبية أو شفافية. من جهة أخرى تصيبنا الدهشة أنه لم يتم تكوين المجلس التشريعي إلى الآن، ونجد أن كل وزير أو مسؤول يتصرف بحرية وأريحية وكأنه هو من يمتلك قرار الشعب حينما يعمل جاهدًا وينفذ أجندته وأفكاره الخاصة به، كما ونجدهم أيضا بعيدين كل البعد عن قبول النقد البناء أو غيره، ولم تثبت هذه الفترة والتي نجدها كافية، خبرة رئيس الوزراء في تخطي الصعاب وحل المعضلات وكبح جماح الأزمات الطاحنة التي ما زال الشعب يعانيها كل يوم، حتى في أبجديات الحياة المعيشية.

انهيار الجهاز المصرفي والاقتصاد العام … من المسؤول؟

والسؤال الذي يطرح نفسه والمتعلق برئيس الوزراء حمدوك، بما أنه عُرف كخبير اقتصادي من الدرجة الأولى في صميم الأمم المتحدة وأنه ساعد في حل معضلات لدول أفريقية عديدة نامية، لماذا لم يتصدَ للجهاز المصرفيّ ولماذا لم يبدأ أولًا بإصلاحه؟! تعلمنا ذلك في تاريخ العديد من  الثورات وبعد الحروب على نطاق العالم الواسع، والجدير بالذكر أن حمدوك يعتبر من أهل المصلحة ويعلم كل العلم أن هذه الخطوات هي الألف والياء في تعافي اقتصاد السودان وحل إشكاليات التضخم ومعالجة سوء الأحوال الاقتصادية المتفشية في كل انحاء السودان؟ لماذا ترك عصابات الإتجار بالعملة يرتعون في البلد وكأنها لم تخلق إلا لهم، يعوسون فيه فسادًا، ولمَاذا لم يغير العملة القديمة علمًا بأن قضية تزويرها صارت حاسمة في تعافي الاقتصاد وعرف عن تفشيها لدى أهل الإنقاذ وحتى لدى عصاباتهم خارج البلاد والكل يعلم بذلك.  لو أنه فعل ذلك لتمكن من أول وهلة أن يسيطر على الموارد الاقتصادية في كافة أنحاء السودان، وهي ليست بالقليلة إن صحّ استعمالها واستثمارها.  لعمري لقد تهاونت هذه الحكومة من الوهلة الأولى في القضاء على آثار النظام السابق فيما يسمى بتفكيك التمكين، وتركت الرأسماليين من مهربيّ العملات والسلع والمضاربة في العملات الصعبة يرتعون بدون رقيب مما أدى إلى ارتفاع جنوني في سعر الدولار مقابل العملة المحلية وارتفاع جنوني آخر للأسعار عامة دون مثيل في سيرة الاقتصاد السوداني منذ نشأته.

لكان استطاع أن يرسي شفافية ومحاسبية في المشتريات الحكومية

ولكان استطاع رئيس الوزراء أن يضع معايير موضوعية للتعيينات الجديدة وتصفية المظاهر السالبة للنظام البائد لكنه للأسف ورث النظام القديم وأصبح إن جاز التعبير رئيسه ذلك دون أن يدري أو يريد، وواصل العمل مع كل أسف بنفس الشروط القديمة، ونجد ذلك في وزارة الخارجية التي تظل إلى الآن تحت وطأة المسؤولين القدامى ومن تمّ فصلهم فهم حفنة بسيطة تقديرًا بالجموع المتواجدة بها من أهل الإنقاذ، يعني حفنة تعد على الأيدي. ونجد أنه لم يلغ السفارات التي وعد بإلغائها لتخفيف الضغط على الميزانية ونعلم كل العلم أنها عبء على الميزانية العامة. والبعض يتساءل هل رئيس الوزراء الحالي مجرد ديكور للنظام القديم؟ وبعض النقاد يتهمونه بمواصلة نسق وسياسة النظام القديم، يقدمون هنا مثالًا في احتفاظه بلجان برمتها من لجان الإنقاذ القديمة مثال لجنة البشير الفنية الخاصة بوزارة الري على سبيل المثال لا الحصر. ورغم كل هذه العيوب والشطحات والإخفاقات التي أثبتتها حكومة رئيس الوزراء الحالي فليس من المقدور ابداله برئيس وزراء جديد لعدم وجود مجلس تشريعي فضلًا عن المؤسسات السياسية التي كان يفترض أن تكتمل، وهي في الحقيقة وإلى الآن لم تكتمل بعد وهانحن ذا ندور في حلقات مفرغة.

من أين جاءت الأزمة … ورؤى لجان المقاومة:

إن كل هذه الإشكالات المذكورة أعلاه باختصار هي التي شكلت بدورها الأزمة الطاحنة التي يعيشها السودان حاليًا بالإضافة إلى عدم الثقة مع جماهير الثورة والذين انقسموا إلى شقين: لجان المقاومة التي تطالب بالإسقاط الكامل للحكومة المدينة والعسكرية والقسم الآخر يطالب بالضغط على الحكومة المدينة وامهالها حتى نهاية العام وبالتالي رئيس الوزراء لتحقيق كل المطالب المقدمة أمامه. ومن هذه المطالب قيام المجلس التشريعي الذي يتكون من لجان المقاومة فقط بالإضافة إلى إلغاء ما يسمى بمجلس شراكة الحكم الانتقالي وهم يعتبروه كجسم غريب وأن ليس له علاقة بالوثيقة الدستورية بالإضافة إلى الشرط الثالث وهو تقديم حلول للضائقة المعيشية وأعطي فترة وجيزة تدوم إلى نهاية العام وذلك من آخر المستحيلات. كما تطالب بوجود حلول ناجعة لكافة الإشكالات وتفاصيل هذه المذكرة طويلة ولن يتسنى لنا عرض كل محتوياتها في سياق هذا المقال ولكن هناك طلب منهم أن يقدم رئيس الوزراء طلب إلى الأمم المتحدة لتقوم بدورها في إنشاء لجان تحقيق دولية في قضية فض الاعتصام وكل الجرائم التي ارتكبت من قبل العسكر وأتباعهم وكذلك الأمر المتعلق بمحاكمة رموز النظام المخلوع. وهل يستطيع إلى نهاية ديسمبر أن يلبي لهذا الشق من الثوار كل هذه الطلبات؟

أمّا المجموعة الثانية من لجان المقاومة فهي تطالب بالإسقاط الكامل للحكومة وأنهم هم من يجب عليهم أن يحكم في الفترة المقبلة ولن يقبلوا أي شخص خارج إطارهم بأن يحكم باسمهم. لكنهم لم يحددوا الخبرات التي تمكنهم من الاستيلاء على مقاليد الحكم وتسييره. قدموا خطابًا وقد كان من ناحية الشكل والمضمون غير متناسق أو مهيكل وهذه المجموعة تركز بشدة على قضية الزملاء الذين سقطوا إثناء فترة فض الاعتصام. لم تقدم أي إجابات فيما يخص كيفية حكم السودان وكيفية حل مشاكله الكثيرة، اقتصادية، اجتماعية أو غيرها ومن سيحكم باسمهم، هذا الأمر يظل مبهما ومجهولا، والعناصر التي قُدمت ليس لها أي دراية أو مشاركات ومساهمات سابقة في مجال السياسة فضلًا عن الحكم. فالمشهد العام، سواء من جانب الحكومة أو من جانب من يمثل المعارضة مشهد بائس يحث على الشفقة والحزن.

ما هو البديل:

بعد كل هذه التضحيات التي بذلها الشعب في ظل خلع نظام البشير فلابد من مشاركة كل أطياف السياسة ولابد من الالتزام بالثورة وبرنامجها في إطار شامل وأن تُنتقى الكفاءات التي يشهد لها بالخبرة العملية والحرفية والتمكن التام في مجالها، وأن تكون لهذه الفئة مواقف سياسية واضحة وجليّة وخبرات سياسية في مجالات مختلفة وفي الأول والآخر أن يكونوا مقبولين لدى الجميع. تحيا ثورة ديسمبر المجيدة والنصر للسودان ولأبنائه الكرام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق