سلايدرسياسة

الصادق المهدى: رحلة في العقل العرفاني الجريح (2)

خالد موسى دفع الله

لعل في شخصيته ما يغنى عن الشرح إذ يعرفه المعجم التاريخي للسودان Historical Dictionary of Sudan الذي أنجزه الثنائي ريتشارد وكارولين لوبان بمشاركة روبرت كرامر.

اضافة لسيرته السياسية المعروفة قال المعجم إن اميز انجازاته هي حماسه وعمله لتحديث حزب الأمة وكيان الانصار، لكن أضعف حكومته في الديمقراطية الثالثة تردده في حسم مشروع الشريعة والأسلمة مما عوق التوصل لاتفاق مع الحركة الشعبية.

لا شك أن تعريف الصادق المهدى في معجم الشخصيات الذي حرره ثلاثة من الأكاديميين الغربيين من ذوي الاختصاص في الشأن السوداني تصلح نموذجا للحكم. حيث تم وصفه أنه كان متحمسا وعمل بجد لتحديث الكيان والحزب. لكنه أخفق في حسم الهوية و التوجهات الثقافية للشعب السوداني لميله لمشروع الأسلمة وتردده في إلغاء قوانيين سبتمبر اثناء فترة حكمه في الديمقراطية الثالثة، اضافة لعدم توصله الى اتفاق سلام مع زعيم الحركة الشعبية جون قرنق. وذلك ما وصفه الدكتور روبرت كولنز بأن قرنق والصادق بددا جهدهما في مواجهات غير منتجة. ولعل الرسائل المتبادلة بين قرنق والصادق التي نشرت لاحقا تكشف جانبا مهما من روح تلك المواجهة السياسوفكروية، اذ حمل قرنق تطاول ازمة الجنوب إلى ما اسماه ابتدار القوانيين الاسلامية بالتحالف مع الترابي منذ الستينات مما عمق من جراحات الأزمة الوطنية. هذا رغم أن أول كتب سلسلة التوثيق لسيرة الصادق المهدى التي حررتها بمهنية عالية الأستاذة رباح الصادق حمل اسم ( بينج ماريال) أي الرجل الكبير. وهو اللقب الذي أطلقه الجنوبيون على الصادق في زيارته الشهيرة إلى جنوب السودان في ستينيات القرن الماضي. وذهب في ذات الاتجاه الدكتور سلمان محمد احمد سلمان في كتابه عن دور القوى الشمالية في انفصال جنوب السودان حيث حمل كل القوى السياسية نصيبا من تراكمات الفشل في تحقيق الوحدة الوطنية ودعم توجهات الانفصال المبكر بفعل التمادي في نقض العهود والمواثيق حسب عبارة أبل إلىر، وفشل السياسات الوطنية في معالجة الأزمات المتراكمة وعلى رأسها حزب الأمة بقيادة الصادق المهدى.

يصنف ابو القاسم حاج حمد جيل الإمام الراحل الصادق المهدى أنه وجد نفسه في حالة فراغ بعد تجاوز الترتيبات الدستورية لجيل الاباء لعام ١٩٥٦ من المورث الجغرافي اي الحالة الجغرافية السياسية التي صنعتها مصر والموروث الاقتصادي الذي خلقته بريطانيا عبر ما أسماه (المجتمع المصغر) الذي تركه الاستعمار

و(القبضة الفوقية) التي شكلها الحكم مع زعيمي الختمية والانصار.

كان الصادق المهدى ممن وصفهم حاج حمد من النخبة الشمالية التي وجدت أن تحمل عبء السودان أكبر من قدراتها، لأن قاعدة النخبة الاجتماعية الحديثة لا تتجاوز ١٧% في المناطق الحضرية. وقال هم لم يصنعوا الوطن لكنهم ورثته.

وهو ذات ما عناه الراحل (على مزروعي) عندما قال ان أزمة السودان تكمن في أن القوة الاستعمارية وطنت (البرامج الصلبة) في الشمال أي مشروعات الإنتاج الزراعي والاقتصاد الحديث والتعليم والبنيات التحتية وأنشأت (البرامج الناعمة) في الجنوب وهي اللغة الانجليزية والثقافة العلمانية وتعليم الإرساليات الإنجيلية.

لعل في كتاب د. حيدر ابراهيم عن الديمقراطية السودانية إضاءات مفيدة في سياق تحليل فشل الديمقراطية وردها لأربعة أسباب هي: اختلاط الدين بالسياسة، وتدخل الجيش في السياسة، والوحدة الوطنية والفشل التنموي. وأشار إلى أزمة انعدام التنظير في مفاهيم الديمقراطية والاكتفاء بالممارسة العملية والطقوس الشكلانية.

في ذات السياق وصف الدكتور التيجاني عبد القادر الديمقراطية الثالثة بأنها عشائرية الطابع اذ تعبر عن أزمة مزدوجة ثقافية وبنيوية، وتقوم على اختزال العملية الديمقراطية في الطبقة والعشيرة والحزب ثم يتم اختزال كل ذلك في شخصية رئيس الوزراء. وهذا ما اشار إلىه السفير الامريكي الاسبق دونالد بترسون بان حزب الامة يزخر بالكفاءات لكن كاريزما الصادق المهدى ألقت بظلالها الكثيفة علىه، هذا رغم اعتزاز الإمام بعملية التحديث والديمقراطية في منظومة اتخاذ القرار.

الغربيون يزهدون فيه حاكما ويحبونه معارضا:

اثار فضولي الوجدان الغربي المنقسم ازاء الزعيم الراحل الصادق المهدى، اذ يزهدون فيه حاكما ويحبونه معارضا.

يقول هيرمان كوهين مساعد وزير الخارجية للشئون الافريقية في كتابه (التدخل في افريقيا):

” نبرة من الارتياح سرت وسط مسئولي افريقيا في الادارة الامريكية بسقوط حكومة الصادق المهدى الفاقدة للأمل والقدرة بواسطة الانقلاب”. لمزيد من الإيضاح كنت سألت الإمام الراحل في جلسة نقاش يسرها بلطفه المعهود الحبيب محمد زكى في القاهرة عن اسرار الاجتماع الذي تم بينه وفريق أمريكي خارج السودان قبل أن يتولى رئاسة الوزراء في ١٩٨٦. فقال إنه اجتمع مع وفد أمريكي مرتين قبل توليه منصب رئيس الوزراء في قبرص أو اليونان. وان شروط الوفد الأمريكي كانت واضحة وهي التماهي مع المصالح والتوجهات الامريكية في المنطقة. وكان رد الإمام حينها مليئا بالعزة والوطنية إذ أكد على استقلال القرار السوداني وأنه يدور حيثما دارت مصلحة السودان.

لم يعجب رد الإمام الوفد الأمريكي الذي تعززت قناعته على أن الإمام كما كشفت التقارير التي عكفوا عليها حول شخصيته وتاريخه أنه شديد الاعتزاز بنفسه وكرامة اهله.

قال دونالد بترسون السفير الأمريكي الأسبق في كتابه Inside Sudan إن الصادق المهدى أضرت به سياسته الخارجية خاصة التوجه نحو إيران وليبيا. وكتب الدكتور كولنز في كتابه Modern history of Sudan

ان الصادق المهدى: “وريث المهدية والذي رمز بتعليمه الغربي إلى الماضي التاريخي وإلى المستقبل. غير أن الصادق المهدى قد فشل في الارتفاع إلى مستوى التحديات، ومن المفارقة أن الحال وصلت به في النهاية إلى تقليد نميري في الرغبة في البقاء في السلطة على حساب اى شيء آخر وهو ما دعاه لعقد صفقات سياسية مع الحزب الاتحادي والجبهة الإسلامية والجيش، ولكنه افتقر إلى مهارات سلفه وقد أدت كل العوامل السابقة إلى تقويض العملية البرلمانية”.

ويمضي كولينز ليزعم أن تذبذب الصادق المهدى في حسم قوانين سبتمبر حيث قرب إليه الاسلاميين الأصوليين وهمش العلمانيين.

لا شك أن الشهادة القاسية التي ذكرها الأكاديمي الأمريكي روبرت كولنز عن الصادق المهدى تعبر أكثر عن عواطفه الداعمة لمشروع الحركة الشعبية والسودان الجديد بقيادة قرنق وتفتقد للنظر الموضوعي وأدوات الانصاف التاريخي. كولنز كان عضوا في لجنة تحديد حدود ابيي بعد اتفاقية السلام الشامل. كما عمل مستشارا لحكومة جنوب السودان في شأن النزاعات الحدودية مع السودان.

ولعل الباحث المدقق يلاحظ أن اتهامات الغربيين من السياسيين والأكاديميين للصادق المهدى تنحصر في أنه فوت فرصة تاريخية لتمزيق قوانين سبتمبر الإسلامية، وعجز عن تحقيق السلام مع قرنق. وهذا ما دعا الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص للترحيب بانقلاب الانقاذ على الوجه الذي ذكره كوهين سابقا ليس ضيقا بالنظام الديمقراطي لكن لاعتقادهم أن توجهات سياسته الخارجية اضرت بالمصالح الأمريكية في المنطقة. ويعكس ذلك كما أسلفنا في تعريف معجم السودان لشخصية الصادق في أنه فشل في إلغاء قوانين الشريعة.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق