سلايدرسياسة

“دغمسة” مريبة في منح الحصانة

د. النور حمد

هللت حكومتنا بقرار منح الحصانة الذي أصدره الكونغرس الأمريكي، رغم ما فيه من “دغمسة” مريبة. استثنى ضحايا 11 سبتمبر من الحصانة، ومنحهم، من ثم، حق تقديم شكاوى أمام المحاكم الأمريكية، ومطالبة حكومة السودان بتعويضهم. وكان محامو هذه الأسر جاهزون لرفع مظالم ضحايا سبتمبر 11. غير أنهم عرضوا في مقابل ألا يذهبوا إلى لقضاء لقاء أن تدفع حكومة السودان مليارات الدولارات، كتسوية خارج المحاكم، ويجري من ثم، اسقاط القضايا، لكن جرى رفض ذلك الطلب. ولكي ينقذ الرئيس ترمب خطته لجر السودان إلى إكمال التطبيع مع إسرائيل، عرض مبلغ 900 مليون دولارا لأسر الضحايا هؤلاء، بدلا عن مبلغ المليارات المطلوبة. لكن رفض عرضه. كان غرض ترمب، فيما أحسب، إرضاء اللوبي الصهيوني واليمين المسيحي لاسناده في مجريات الراهن المعقد الذي يحيط به، وفي خططه المستقبلية. فترمب، رغم أنه لم يعترف بفوز بايدن، حتى الآن، وأنه يعتقد، فيما يبدو، أنه لا يزال قادرا على قلب الطاولة على الجميع، إلا أن تقارير رشحت، من ناحية أخرى، تشير إلى أنه يخطط لخوض انتخابات 2024.

كان من الممكن أن يمنح السودان حصانة كاملة، لا استثناء فيها، لولا اعتراض كل من السيناتور شومر والسيناتور منيندز وإصرارهما على أن تحصل الأسر المتضررة من حادثة سبتمبر 11 على تعويض من حكومة السودان، مثلما حصل على ذلك متضررو تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام. وكذلك متضررو تفجير المدمرة الأمريكية كول على سواحل عدن. ويبدو أن استخدام جوازات سفر سودانية بواسطة بعض الأجانب الضالعين في تلك التفجيرات، جعلت حكومة السودان ترضخ للتسوية. خاصة أن المفاوضين السودانيين نجحوا في خفض المبلغ المطلوب من مليارات إلى بضع مئات من الملايين من الدولارات. يضاف إلى ذلك ما يترتب على الرضوخ من إعفاء للديون وادماج للبلاد في الاقتصاد العالمي. لكن يبدو أن هذا القبول بالمسؤولية عن تفجيرات السفارتين في شرق أفريقيا والمدمرة كول، فتح شهية أسر ضحايا سبتمبر 11 المحامين الذين يسيل لعابهم لما يدره عليهم هذا النوع من القضايا من أموال طائلة، للعمل من أجل الحصول على تعويضات مليارية من حكومة السودان. والذريعة هي أن السودان سبق أن آوى بن لادن في تسعينات القرن الماضي. ويمكن القول بكل ثقة أن هذه محض “سلبطة”. فأسامة بن لادن صناعة أمريكية سعودية مشتركة. كان الغرض منها مجابهة الغزو الروسي لافغانستان، عسكريا، بواسطة المتطرفين الإسلاميين. يضاف إلى ذلك أن تفجيرات الخبر في السعودية كانت من فعل تنظيم القاعدة. أما من قاموا بضرب برجي التجارة في سبتمبر 11 فأكثريتهم الغالبية سعوديون. ورغم ذلك. لم نر إلى الآن مطالبة أمريكية للسعودية بتعويضات. أكثر من ذلك عرضت حكومة البشير على الأمريكييين استلام بن لادن حين كان في الخرطوم، لكنهم تقاعسوا.

يرى محامو حكومة السودان أن فرصة إضعاف دعوى تعويض متضرري سبتمبر 11 أمام المحاكم الأمريكية مسألة ميسورة. فسبتمبر 11 قام بها أفراد غالبيتهم العظمى من حاملي الجنسية السعودية. ولم تثبت التحقيقات أن من بينهم سوداني واحد. لكن لا ينبغي أن نعول على مثل هذه النظرة المتفائلة. فلو حكمت المحاكم الأمريكية لصالح الضحايا، وهذا محتمل، فإن كل هذه الجولة الطويلة في محاولة فك القيد الأمريكي عن الأقدام السودانية غالبا، ما ستذهب أدراج الرياح. لقد أثبت مسلك النخب السياسية الأمريكية باستمرار أنها لا تحفل كثيرا بالتحول نحو الديموقراطية في العالم النامي. بل لقد دعمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الأنظمة الديكتاتورية مرات عديدة. يضاف إلى ذلك هناك اختلالا مريعا في ميزان القيم بدرجة تجعل بعض النخب السياسية الأمريكية تحفل بالكسب السياسي، عبر تعويض بضعة آلاف من الناخبين، مليارات الدولارات، وبطرق لا تخلو من التلفيق، على حساب أربعين مليون سوداني يعانون قسوة العيش ولا يجد أطفالهم الحليب والدواء، وهم الخارجون لتوهم من ظلمات ثلاثين عاما من القهر والكبت، وقد بدأوا يتطلعون إلى تحول ديموقراطي يرسي دعائم الاستقرار والنمو في بلادهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق