سياسة

قراءات

مناظرة تاريخية (9)

محمدالمنتصر حديد السراج

في الجزء الثامن من هذه المناظرة، وقفنا عند قول السفير الإسرائيلي في كندا ياكوف هرتزوج… متداخلا مع المؤرخ البريطاني بروف أرنولد توينبي…: أوردتم تفسيرات لتصريح بلفور…ولا شك أنكم تقرون أن لورد بلفور نفسه، ولويد جورج الذي كان رئيس الوزارة آنذاك، وونستون تشرشل كانوا على علم بمعنى التصريح … بل أن الأمير فيصل، الذي قابلتموه في مؤتمر الصلح، اعترف ضمنا بهذه المعالجة في مجموعها.

وكان رد بروف توينبي: ليس بالدولة اليهودية.

هرتزوج: حسنا، إني لا أملك الميثاق معي، ولكن المعنى لا شك متضمن فيه. وعلى كل حال فإن أولئك المسؤولين عن تصريح بلفور قد أوضحوا الغاية منه. لقد تناول التصريح الحقوق الدينية والمدنية للسكان الآخرين، وهذا أمر لم يكن قط موضع مناقشة. والقضية الأساسية هي أن الشعب العربي وقد أحرز السيادة في ثمان دول وحقق الاستقلال في مساحة تتجاوز الملايين من الأميال المربعة، يجب ألا يحقد على الشعب اليهودي دولته والثمانية آلاف ميل مربع التي يمكن أن يحقق في نطاقها التعاون معه.

لقد كان الإنتداب أول الأمر ينطبق على فلسطين والأردن وفي سنة 1921 انتزع أربعة أخماسه حينما أعلن استقلال الأردن، فكانت هذه محاولة جديدة لإرضاء مطالب العرب. وعلى هذا تطور الموقف التطور الذي ترونه.

والآن إذا تأملتم الموقف فنحن لا نمتلك أرضا أو ماء أو أي مورد آخر يستلزمه بقاء جيراننا العرب وحياتهم وتقدمهم. والتعاون بيننا وبينهم لا يمكن أن يأتي بغير البركات، ليس لنا فحسب بل لهم كذلك. لقد أرسى التاريخ مبادئ معينة في معالجة المشكلة كلها القائمة في الشرق الأوسط. لقد ظللنا مدى العصور ونحن نضرع الى الله ونؤمن بأن عودتنا ستتم وأن استقلالنا سيتحقق وأننا سنستطيع في نطاق هذا الاستقلال أن نسهم في تقدم البشرية. ولقد تحقق هذا في زمننا هذا. ونحن نؤمن أن بين دوائر العرب من يعطف على هذا المطلب بصورة لا واعية. ولكن يجب أن تشجع هذه الدوائر. وكل محاولة لإثارة مطالب قديمة، دون أن يكون لها سند في الموقف الحالي، فيها إساءة.

توينبي:

إذا سمح لي بأن أعالج هذه النقطة الأخيرة. إن مقاطعات كندا تمتد لمساحات أكثر سعة من الدول العربية الثمان. بل إنها لتمتد من المحيط الى المحيط. وعلى هذا فيجب، استنادا الى حجة السيد السفير، ألا ترفض كندا إعادة مونتريال الى قبائل الجونكوين القديمة التعسة. والقول بأن العرب غير الفلسطينيين قد أحرزوا الاستقلال لا يجب أن ينهض مبدأ لإحالة السكان السابقين لما يسمى اليوم بإسرائيل الى لاجئين وأغراب عن ديارهم كما هو شأنهم اليوم. وبالنسبة لتصريح بلفور أحب أن أقرر بلا لبس ولا إبهام أني أعلم أنه كان مفهوما بصورة واضحة أن الوطن القومي لا يراد به الدولة القومية اليهودية. ولقد أبلغت الحكومة البريطانية هذا بصورة واضحة للمنظمة الصهيونية عند صدور التصريح، وقد قبلت المنظمة التصريح على هذا الأساس. وسلمت عصبة الأمم الانتداب على فلسطين لبريطانيا في نطاق هذا المفهوم وهذه الشروط. وإني أعتقد أن بريطانيا قد أساءت التصرف بصورة بالغة في ممارستها سلطات الانتداب. بل أعتقد أننا تولينا أمرا ليس في مقدور دولة أن تتولاه. ورغم ذلك فلا محل للقول بأن اليهود قد أخطأوا في ذلك الحين فهم التصريح وأنه يتضمن الوعد بإنشاء دولة يهودية.

هرتزوج:

ولكنها حقيقة ثابتة أيها الأستاذ أن التفسيرات التي أدلى بها المسؤولون عن التصريح وإجماع الرأي العالمي ذاك الحين وما تكشفت عنه السنون بعد ذلك يفيد معنى الدولة. ولا شك أنكم توافقون على أن الأمم المتحدة قد اتخذت قرارا في نوفمبر 1947 بإنشاء دولة يهودية في فلسطين.

توينبي:

لقد اتخذت الأمم المتحدة بعد ذلك قرارا بعودة اللاجئين الى ديارهم.

هرتزوج:

كلا لم تتخذ قرارا بهذا المعنى. كلا لم تتخذ قرارا بعودة اللاجئين الى إسرائيل. . ونستطيع أن نناقش هذا الآن إذا أردت أوأن نتحول الى مسألة الحضارات المتحجرة.

توينبي:

بل أود مناقشتها الآن.

هرتزوج:

حسنا جدا، إن الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1948 أسست لجنة التوفيق الفلسطينية لمعالجة مجموعة المشاكل المعقدة التي نشأت بين إسرائيل والدول العربية. وكانت وظيفة اللجنة، الوساطة. وقد طلب الى الجانبين في هذا القرار إذا أرادا أن تكون الصلة بينهما مباشرة بغية إيجاد حل نهائي لجميع هذه المشاكل. وفي نطاق هذا القرار أشير الى مشكلة اللاجئين. وكان على اللجنة أن تدرس إمكانيات، إما إعادة اللاجئين الى ديارهم أو إقرارهم حيث هم أو تعويضهم، وذلك كجزء من تسوية سلمية شاملة. إن القرار يشير الى عودة اللاجئين في أقرب وقت ممكن عمليا كما يشير الى أولئك اللاجئين الذين يرغبون في العيش في سلام. ولقد قضى هذا القرار ومات منذ سنة 1948. لقد مات، نعم، لقد مات لأن العرب لم يعلنوا قط أنهم يرغبون في العيش بسلام مع إسرائيل. لقد رفضوا المفاوضة مباشرة وأضحت لجنة التوفيق جهازا فاقد الحياة هذه السنين الطوال. فما هو موقفنا في هذا الصدد؟

إن مشكلة اللاجئين العرب أيها الأستاذ هي واحدة من عديد مشاكل اللاجئين المعقدة. وأعتقد أنه منذ عام 1940 بلغ عدد اللاجئين 35 مليون نسمة في جميع أنحاء العالم، من كوريا وفيتنام وألمانيا وفنلندا، وهي مشاكل إما حلت أو قاربت الحل ليس عن طريق العودة الى ديارهم بل عن طريق استيعابهم في البلاد التي لجأوا إليها.

وماذا قلنا نحن؟ لقد قلنا إننا على استعداد لأن ندفع تعويضا كاملا. وقلنا إننا على استعداد للنظر في إعادة عدد محدود في نطاق توحيد الأسر وجمع شملها، ولكن المشكلة ستظل قائمة طالما أن الحكومات العربية ليست على استعداد للتعاون في سبيل تخفيف مشاق اللاجئين.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق