ثقافة وفن

لهذه الأسباب يحتاج الأدب إلى علم النفس

بقلم: جنيفر برنستين

ترجمة: ريوف المطوع

بدلًا من محاربة كُتاب الرواية العصبية لتبنيهم العلم الرديء في كتاباتهم، يجدر بنا أن نثني عليهم لإثرائهم الكتابة الأدبية وتوسيع نطاقها، لإضافتهم المعارف والآراء المستقاة من التخصصات الأخرى.

يُعمينا الوقوع في الحب عن الكون بأسره، ويبهت ويبرد كل شيء خارج فلك الحب المتوهج، وهنا تكمن خطورة الحب العاطفي، سواء أكان المحبوب شخصًا أو عقارًا أو فكرة. وسأتجرأ لأضيف كذلك أنه قد يكون شكلًا فنيًّا، بحيث يمكن أن تتقمص القارئة عاطفة المُحب وشغفه في الحفاظ على سلامة المحبوب، وتنعكس المشاعر هنا على الكُتب. لا نعني بهذا الكُتب عمومًا، ولكن الكُتب والأنواع الأدبية القليلة التي أحبتها القارئة واعتادتها كالأثاث القديم، مثل كُتب الخيال الأدبي غير المعروفة أو الشائعة أو السير التاريخية والمذكرات. إنها تقرأ ما تعرف أنها ستحبه، إلى أن تستيقظ ذات يومٍ لتجد أن ما تحبه لم يعد يلبي احتياجاتها.

بدأت الدراسة في الجامعة في الثامنة عشرة من عمري، وأُصبت بالاكتئاب كحال المراهقين الآخرين المليون في سني نفسها. وبكل سذاجة، دُهشت من تأثير الاكتئاب على قراءاتي وما أحتاج إليه من الكُتب، إذ صنع مني أفضل قصة واقعية. حينذاك، كنت أشعر بأن سعادتي تكمن في مكان قصي وبعيد عني، كبُعد الأحداث التي تحدث للشخصيات الروائية التي تعيش في عالم على بعد أقدام قليلة إلى يساري. لم تعد تستهويني أحداث وقصص التحضيرات والزواجات والمكايد والاختلافات. رغبت بالقراءة للكُتاب الذين لم يقللوا من قدر الاستيقاظ من الفراش كل صباح أو ارتداء الملابس أو الخروج من المنزل.

شرعت في مشروع شخصي يرقى إلى أن يكون “دراسة بحثية”، وحُطت بهدف دراسة حالتي العاطفية. بدأت بمذكرات آندرو سولومن ” شيطان الظهيرة: أطلس للاكتئاب”، و”ظلام مرئي: مذكرات الجنون” لوليام ستايرون، و”عقل غير هادئ: سيرة ذاتية عن الهوس والاكتئاب والجنون” لكاي ردفيلد جاميسون. جميعها مذكرات ودراسات في مظاهر الأمراض النفسية وخفاياها. عندها، تمكنت من استيعاب الملامح الأساسية لمواضيع اضطرابات المزاج، وانتقلت بعدها لقراءة أعمال وكتابات واقعية ذات بنية غير سردية، مثل كتاب پيتر د. كارمر “في مواجهة الاكتئاب”، الذي يطلب منا أن نغير نظرتنا للاكتئاب باعتباره مرضًا ذا طبيعة بيولوجية عوضًا عن ابتلاءات غيبية. دفعني الفضول لمواضيع أشمل من الاكتئاب، فشرعت في قراءة كلاسيكيات علم النفس الأكثر شيوعًا، مثل كتاب أوليڤر ساكس “الرجل الذي حسب زوجته قبعة”، وهو عبارة عن مجموعة من نماذج وحالات دراسية في علم النفس المرضي، وكذلك كتاب “نظرية عامة للحب” لمجموعة من المؤلفين (لويس وأميني ولانون). صور الكتاب البنى والهياكل العصبية ليظهر ضرر حاجتنا المستمرة في تأسيس وإنهاء العلاقات العاطفية “أو ما يعرف بالمواعدة” على الدماغ. رغم مرور عشر سنوات على تلك القراءات ما زلت أعتبرها كُتبًا تأسيسية. مع أن هوسي بالقراءة بدأ كحاجة إلى البحث عن شعور الأمان، عن الإحساس الذي يغمرنا بالمواساة عند قراءة كتابات تفهمنا، إلا أن هذه الحاجة تغيرت وتوسعت عند عثوري بالمصادفة على صنف كامل من الأدب يستحق مني الإشادة والاستكشاف. يمكنك استشعار الصنف الأدبي في كتابات هؤلاء المؤلفين، وأن تسمع نغمات نصوصهم النثرية وإتقانهم لغة المجاز والبلاغة. كانوا يرْوُون حكاياتٍ عن الوحدة والتواصل بأسلوب يختلف عن قراءاتي السابقة المستندة إلى المعايير الأساسية لتعليم اللغة الإنجليزية، وكانت اهتماماتهم أدبية، أي إنهم انشغلوا بذات الأسئلة الجوهرية حول الإنسان والوجود التي طرحها الفلاسفة والقصاصون منذ آلاف السنين.

بمعنى آخر، أيقنت من التطابق الخفي بين هذين الصنفين من الكتابة، وأقصد بذلك الأدب الذي لطالما عرفته، والكتابة عن الصحة النفسية التي كنت في خضم التعرف إليها. الاختلاف بين كُتاب الصنفين لا يكمن فيما يروونه من قصص، بل في طريقة وأسلوب سردهم لتلك القصص، فكل منهم يكتب حسب المعايير الفكرية والمرجعية لتخصصاته. على الرغم من تباين تلك المعايير، فكلاهما انبثق من واقع التجربة الإنسانية، التي استدعت الفن والفلسفة إلى الوجود: الألم، تعارض مساعي الإنسان.

تتمثل إحدى المهام الأساسية للكتابة الأدبية والنفسية في بناء تصنيف للألم، وذلك كمحاولة لفهم معنى الألم أو المغزى من وجوده، لأنه إذا كان الألم لا يعني شيئًا فلن نقوى على مقاومته. يُبرز علم النفس أهمية هذه المهمة ويشدد عليها، في حين أن الأدب يشير إليها ضمنيا، وهذا أحد أسباب تأخر استكشافي لكتابات علم النفس. أجبرني اكتئابي على مواجهة مرارة ألمي، الألم الناجم عن أحاسيس وترسبات دفينة من الصدمات والمخاوف النفسية التي ما زالت كامنة في أعماق نفسي. ولكني الآن تجرأت لمجابهة الكوامن الكئيبة في نفسي، وجهتُ له اهتمامي لأرى خبايا ظلمتي. مع تعمقي في البحث، تقدمت قراءاتي من الكتب الأكثر شيوعًا إلى الكتب الأكاديمية: نظريات تنمية الطفولة، والتواصل شبه اللفظي، والدمج والتكامل الاجتماعي، والتعلق. دفعتني تلك الأعمال والكتابات إلى إعادة تشكيل وصياغة عالمي وفقًا لصورتها.

شعرتُ بالبهجة وبتجدد النشاط لما توصلت إلى معرفته بنفسي، وفي ذات الوقت وخزني شعور الامتعاض، فكان من الممكن أن أكتسب كل هذه المعارف والقراءات قبل فترة طويلة لو أنني تعلمت على يد موجهين أذكى مني. حتى في تلك السنوات، لم يذكر أحد من أساتذتي في الإنسانيات وأصحابي القراء العلوم النفسية، رغم أنهم سارعوا في تبني كتابات ونصوص مختلفة من العلوم الاجتماعية الأخرى، كالتاريخ والاقتصاد البيئي والكتابات النسوية، ودمجها في تحليلاتهم الخاصة للحياة والأدب. فكرت وقتها في تبني إطار “علم نفسي” وطرحه ضمن تلك التحليلات، لكني أُحبطت وشعرت بالتقييد، فقد توجست شعورًا أكيدًا بالرفض. والأسوأ من ذلك، ارتسمت على وجوههم نظرات خاوية ولم يفهموا.

لا أعتقد أنها مخاوف واهية، فدراسات اليوم ما زالت تنفر من ذكر سيرة “علم النفس”، إذ وجدوا أنفسهم في ڤيينا في عام 1890 عند مهد التحليل النفسي ونشأة المدرسة الفرويدية، عقدة أوديب ونظرية حسد عضو الذكر عند المرأة وغيرها من النظريات. سرعان ما تعدلت ممارسات التحليل النفسي وتجاوزت عقدة فرويد أو تحليلات فرويد المتطرفة، ابتداء بيونغ ولاكان وانتهاء بالأعمال الحالية المجسدة لأفكارهم كاليقظة البوذية وعلاج الغشتلت بالإضافة إلى التحليلات النسوية. حتى أفكار فرويد نفسه لم تقتصر على مخاوف الفرد واضطراباته العصبية، فقد سبق وبدأ عندها بكتابة النظرية الاجتماعية على نطاق أوسع.

ولكن، لم يكن التحيز السبب وراء إقصاء مفكري علم النفس مقارنة بما أعتقده الجذر الحقيقي لمشكلة النفي، ألا وهي الحرب اللعينة المستمرة بين “الثقافتين”، وهو مصطلح ابتكره الروائي والعالم سي پي سنو في عام 1959 لوصف عقبة الحياة الفكرية في المجتمع الغربي، وهي فصل العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية. صُنفت الفنون الأدبية ضمن العلوم الإنسانية، أما علم النفس فغالبًا ما يُصنف من ضمن العلوم، مع ما يُسمى بالعلوم الاجتماعية. (وهذا، بكل تأكيد، يثير استياء رواد العلوم الطبيعية).

على الرغم من ملاحظة البعض للانتشار الحديث للدراسات متعددة التخصصات، التي أعلنت الهلاك الحتمي لهذه الحرب الثقافية، فنحن محاطون من كل أوب وصوب بمظاهر ودلالات تثبت وجودها. خذ على سبيل المثال، مقالة ماركو روث المنشورة في مجلة n+1 في عام 2009 “صعود الرواية العصبية”. ابتكر روث مصطلح “الرواية العصبية” لنقد انتشار الصنف الأدبي المتبنى في الروايات التي تعرض أبطالا يعانون من اضطرابات نفسية (مثل متلازمة توريت والفصام وغيرها)، بحيث يزعم روث أن هذه القصص تخلت عن أساسها، أي عن النظرية الاجتماعية‭\‬البيئية للعقل وتبنت دراسات البيولوجيا العصبية للدماغ. ينتقد روث المبالغة في الاستناد إلى علم الأمراض في هذه الروايات ويعتقد أنه شأن ذو طبيعة تخصصية ويستغرب تعميمها في الأدب، بالطريقة التي من المفترض أن لا يسمح بها الأدب.

كما لو كان علم الأمراض علمًا غير شمولي، وكما لو كان هناك فرق بين الدماغ والعقل، وكما لو كانت المعرفة البشرية مقيدة بمصدر محدود، بحيث تُقسم المعرفة وتُوزع بين التخصصات مثل حصص الإعاشة في الحروب.

بدلًا من محاربة كُتاب الرواية العصبية لتبنيهم العلم الرديء في كتاباتهم، يجدر بنا أن نثني عليهم لإثرائهم الكتابة الأدبية وتوسيع نطاقها، لإضافتهم المعارف والآراء المستقاة من التخصصات الأخرى. فإذا أردنا أن يعكس الأدب كامل التجربة الإنسانية، فمن الأحرى أن يتوسع ويتبنى الأساليب الجديدة لمعرفة العالم. وإذا رغبنا في أن نفهم ولو لمحات من الحقائق التي تحكم الثقافة والسلوك البشري، فعلينا أن ننفتح على حكمة الغرباء من أوساط مختلفة، مهما كانت حكمتهم غريبة أو غير متوقعة.

تُعد أعمال الدكتور إرڤين يالوم من أنجح الكتابات المتداخلة بين الأدب وعلم النفس، وهو طبيب نفسي تدرب في هوپكنز وكاتب ومتخصص في علم النفس السريري. كتب الدكتور يالوم مقالات علمية وقصصًا قصيرة وروايات، ويتبنى العلاج النفسي الوجودي وهو نهج علمي مخصب بمعرفة أدبية عميقة، وبالمثل، استوحى يالوم كتاباته الأدبية من سنوات دراسته وممارسته علم النفس، فهو مهتم، في المقام الأول، بكيفية التعامل مع اللا معنى وعزلة الوجود، ولذلك حازت كتاباته استحسان شريحة متنوعة من القراء، من مختلف التخصصات والاهتمامات.

إن كتابي المفضل من أعمال الدكتور يالوم هو كتابه الأول، وهو عبارة عن شبه مذكرات كتبها بالمشاركة مع مريضته جيني، التي عولجت عنده لفترة طويلة من الزمن، بعنوان Every Day Gets a Little Closer. معًا وثقا كل سجلات الجلسات العلاجية وجُمعت وفقًا لترتيب زمني، ورغم اختلاف أسلوب ومحتوى السرد عند الدكتور ومريضته، فإن من الممكن تتبع مراحل تطور العلاقة العلاجية بينهما وملاحظة الحرقة البطيئة.. بين لحظات الاشتعال والاحتراق. ينبهنا الكتاب لأهمية رواية القصة وما يمكن أن تقدمه لنا. 

ويذكرنا الكتاب كذلك بطبيعة علم النفس القائم على كل من الكتابة والممارسة، بحيث لا يمكن فصل إحداهما عن الآخر، فالنظرية نفسها تتواجد في الممارسة العملية وتقوم على أساسها، والتي تسعى بدورها إلى بلوغ الصحة والعافية من خلال جلسات الاستشارة النفسية والأدوية وغيرها من العلاجات المتنوعة. وهذا يعني أن علم النفس قائم على “الممارسة العملية”، وحتى البحوث العلمية البحتة في علم النفس، والتي تسعى، مثلها مثل البحوث العلمية الأخرى، إلى اكتساب المعرفة من أجل المعرفة، إلا أن بحوث علم النفس تضم إلى ذلك هدف توظيف تلك المعرفة وتُشدد انتباهها إلى التطبيقات العملية لنتائجها. فمن الممكن للأدب -كفن- أن يكتب عنها، ولكن لا ينبغي أن يحتضن هذه الغاية العملية أو يسعى لتوظيفها. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الاثنين. علم النفس موجه لاكتساب الصحة النفسية حيث تحاول مختصة علم النفس الإكلينيكي سبر ألم مريضها بالمقدار الضروري لتجاوز المحنة. وفي المقابل، يعيش الفنان على المرض والكفاح ويجوب في أعماق معاناته ليصنع منها شيئًا.

وهذا لا يحط من قدر القيمة العلاجية للقراءة، إذ تثير الكُتب الجيدة شعور التعاطف لدينا وتوسع مداركنا، وهي بمثابة مهرب من العالم وإليه، علاوة على شعور المتعة الخالصة للنص. لكن هل يمكن أن تسعدنا القراءة؟ هل تشفي جراح الطفولة التي ما زالت تطاردنا حتى الكبر؟ صحيح أن السعادة ليست كل شيء، ولكن قد يقربنا التشبث بأشباه السعادة كالرضا والمعنى والمنطقية من نيل شعور السعادة. إن معظم أو كل سعينا العاطفي في هذه الحياة يدور -على حد تعبير إدوارد سانت أوبين- حول “الاستعداد لأن نكون مستعدين لأن نكون بخير”، لنصل إلى مستوى من الصحة العاطفية تكون فيه السعادة ممكنة، مهما كانت صعبة وعابرة.

القراءة سعي انعزالي، والسعادة موجودة بين الناس، مثل الهبة أو اللغز. وهذا لا يعني أنه علينا أن نلتمس سعادتنا ورضانا عن ذواتنا من خلال الآخرين، لكننا لن نستطيع نيل السعادة بمعزل عنهم.

وهذه هي الفرضية التأسيسية للعلاج بالكلام أو بالتحدث، وهو حجر الأساس لممارسات العلاج النفسي. يتهكم المشككون في هذا العلاج ويرتابون في قدرة التحدث في علاج الاكتئاب، وهم محقون في ذلك. تتضاعف شكوكهم في حالات الاضطرابات العقلية الحادة، لكن ما غفل عنه المنكرون هو أن العلاج -بشكله الحديث- يتمحور حول “التواصل” وليس الشفاء في حد ذاته. من خلال تنمية علاقات ذات حدود موضوعة سلفًا، ومن ثم تجربة أنماط صحية من التواصل والاتصال ضمن الإطار الآمن لتلك العلاقة. إنه نهج تجريبي للإجابة عن سؤال “كيف نعيش حياتنا؟”. يمثل العلاج بالكلام الأسئلة الكبرى التي جسدها الأدب.

لجأت للعلاج النفسي بعد فترة وجيزة من تقهقر حالتي النفسية في سنوات الجامعة، واستمررت في ترك الجلسات العلاجية والعودة إليها منذ ذلك الحين. أحد أسباب عودتي المستمرة للعلاج النفسي هو شغفي بالقراءة، إذ تُنتج الجلسات العلاجية نصوصًا، مسقطة في البعد الثالث، معلقة بين المعالج والمريض. ومن ثم تتبدد، وتظل آثارها عالقة في الهواء مثل الروائح القديمة. تخلق كل جلسة فصلًا من كتاب. في حلقة لا متناهية، تعود بنا إلى ذكريات الماضي شبه المنسية. قد يحتوي هذا الكتاب -الذي لم يكتمل إطلاقا- على دروس وعبر لطلاب الأدب.

يصطف هذا الكتاب على الرف إلى جانب ذلك الكتاب الآخر، والذي يحتوي على كل قراءاتنا السابقة وكل ما أضافته إلينا من بصائر ورؤى جديدة للعالم وللوجود. وبذلك، عرفنا أنفسنا وذواتنا الحقيقية. ومهمتنا كما كتبها تي.اس. إليوت: “علينا أن لا نكف عن الاستكشاف، إلى أن ننتهي من حيث بدأنا ونعرف المكان لأول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق