ثقافة وفن

خَلْقُ آدَم …!

عالم عباس (شاعر وناقد)

ضيف على الروزنامة

الإثنين

من أهم الكتب التي تناولت تاريخ دارفور «تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان» لمحمد بن عمر التونسي، وهو كتاب يصعب أن يتجاوزه باحث يتصدى لتاريخ المنطقة. في مواضع كثيرة منه عرض التونسي للمرأة في السلطنة، ولخص ذلك في قوله: «الرجال في دارفور لا يستقلّون بأمرٍ البتَّة، إلاّ الحرب، أما فيما عداها فهم والنساء سواء، بل تقع أشقُّ الأشغال على النساء».

عكَسَ التونسي صورة المرأة كما رآها في البلاط السلطاني، وأورد نماذج من أدوارها في القصر، كوظائفها، ونفوذها القوي، والطقوس التي تمارسها عند تتويج السلطان، وتغلغلها في صراعات ومؤامرات السلطة، ووضعها المميز، وجيشها الخاص، وأتباعها، ومالها، واقطاعياتها. كما استعرض مكانتها في المجتمع الدارفوري، وهو مجتمع مختلط، ينشأ فيه الولد والبنت معاً، يرعيان البهم، ويمارسان الزراعة، والاحتطاب، إلى أوان البلوغ. ويتأمل التونسي استقلال المرأة الاقتصادي، وما تتمتع به من مزايا. ويسهب في موضوع حريتها، ورأيه في ذلك، بإسقاط من خلفيته الثقافية، وأحكامه ما بين الاستهجان والإعجاب. ويتحدث عن علاقتها بالبيئة، وبالمطبخ، وبفنون المائدة، تارة ينتقد أنواع الطعام، ويَسِمُ المائدة بالفقيرة، وتارة أخرى يناقض نفسه، فيصف الطعام بالفاخر، ويعدد المآدب، والمناسبات، حيث لكل مناسبة مائدة مخصوصة، ولكل طبقة، في المناسبة الواحدة، طعاماً مختلفاً. ويرصد مهارات المرأة، من حيث تواؤمها مع البيئة، وتطويعها للطبيعة، وقدراتها على الطبابة والتمريض، وفي معرفة الخصائص العلاجية للنباتات والأعشاب. ويتحدث عن زينتها، فيورد أنواع الأزياء، والعطور، والمجوهرات، وأسماءها، وكيفية نظمها، والتزين بها.

لكن ما يُستغرب له قلة حديث التونسي عن التعليم في دارفور، والذي جاء مبتسراً وعاماً، وإن لم يفته، مع ذلك، ملاحظة إسهام المرأة في هذا الحقل، حيث حظها في التعليم، كما قال، مثل حظ الرجل. وهكذا نستطيع أن نخمن أن البنات، وبخاصة الميارم، وبنات الفقهاء، والعلماء، يتلقين التعليم كالأولاد، بل لقد أسهب في الحديث عن المرأة في حلقات العلم والذكر، فأورد صورة لمجلس ذكرٍ مختلط، لمن سماهم «المستعربين»، تقود الإنشاد فيه النساء، وصورة أخرى لـ «أعجام الفور»، كما سماهم، وهو أيضاً مجلس مختلط، الريادة فيه للنساء. والمعروف أن الإنشاد، والذكر، والترتيل، نصوص تتطلب التعلم.

وإذن فالمرأة، حسب التونسي، كانت صنواً للرجل في كل شيء، ولعله انبهر بتغلغلها في مناحي الحياة كافة، مما لم يألفه في مجتمعه، بل وفي المجتمعات الإسلامية الأخرى، إذ المرأة فيها دون ذلك بكثير! لكنها في مجتمع دارفور تتمتع بحرية واضحة، وبنفوذ بلغ بها أعلى المراتب، من حيث المنصب المميز والمكفول في تراتبية الحكم، والطموح المميت حد التآمر في صراع السلطة، والاستقلال الاقتصادي بما تملك من مال، وإقطاع، وتجارة، ومن حيث المهارات المتعددة، فهي صانعة، وزارعة، وراعية، وطبيبة، وعالمة، ومعلمة، ومتعلمة، وكادحة متصالحة مع بيئتها.

ومما يجدر ذكره من القمم التي بلغتها المرأة في مجال العلم أن حفيدة الإمام مالك، كما روى التونسي، الحاجة كلثوم إبراهيم، شقيقة الإمام عبد الماجد إبراهيم، إمام السلطان علي دينار، كان يتحلق حولها علماء الفاشر، تناقشهم في الموطأ، وتحاضرهم في الفقه والتوحيد، فلولا أن الذكورة من شروط الإمامة عند مالك، لما أمّ النّاسَ غيرُها، ففي عصرها ومصرها، لم يكن ثمة من هو أكثر علماً منها!

الثلاثاء

مساء الثلاثاء 6 مارس2005، في عقابيل اتفاق نيفاشا، كانت الفضائية السودانية تنقل، من دار المؤتمر الوطني، يعني من بيت الحكومة شخصياً، والتي هي الطرف الأصيل في حرب دارفور، حفلاً ساهراً باسم «سلام دارفور!»، وكان على رأس شهود الحفل أمين الحزب الحاكم إبراهيم أحمد عمر!

كانت تجربة فريدة أن أتابع الحدث، لأرى، على المحك، براجماتية إسلاميي المؤتمر الوطني، وفي الذهن تاريخهم، ليس فقط مع الحرب والسلام، بل ومع الموسيقى، والغناء، والرقص المختلط، والزي الإسلامي، والقناة المتوضئة، وتحطيم التماثيل «الأصنام»، ومجزرة أشرطة الغناء، وتلفزيون الطيب مصطفى، وما إليه!

لم يكن هنالك أنسب من دار المؤتمر الوطني، ليطبّق أهل دارفور فيه، عملياً، مَثَلَهُمْ البليغ «الْبَرْقُصْ ولا بَغَطّي دقْنُو»! تأملت كم كان الصراع مرهقاً، عبر تجربة الإنقاذ المريرة، ليتيقن هؤلاء أن في الدين سعة، وفي التنوع رحابة، وفي الفن فهماً مغايراً لفهم أولئك الغلاة الباطشين ذوي التاريخ الدامي!

في ذات الدار، انطلقت حواء رمضان كالمهر الأرنّْ، تتقافز كأرشق غزال، وصوتها، يتهدج وهي تهبهب بـ «بَرْتالها» الملون، تغني، وترقص، بكامل أبهتها، حافية، إلا من رشاقتها، وسط رجال المؤتمر الوطني المحافظين على وضوئهم! بل وتشيل «الهاشمية» أكثرهم، فيشاركونها الرقص على رؤوس الأشهاد!، وأين؟ في دار قادة «الشريعة والتوجه الحضاري»! تسيَّدت حواء رمضان المكان، غنت، ورقصت، كأنها في حلقة «زار»! نفضت عنها أحزانها، وتساقطت مشاهد القتل والدمار من حياتها، وحياة أهلها، وتهاوت عبر الغناء والرقص «كيَّة» في المتزمتين! و«دارفور ما كدا»، كما غنى أحد المشاركين! وصدح، كذلك، علي الرهيد، فيما يشبه الصهيل، الصوت الذي يشق الفلوات، في أماسي دارفور الندية، يتماوج بين انثيال الناي ورزيم الطبل، ينساب كما الوزين في رهيد البردي، والبهم وهي ترعى بين وديان عد الغنم! وغنى المليح آدم في نصاعة جلبابه وتثني عصاه، كأجمل بقاري حدّاي، ممتلئ بالثقة، يحرك عصاه كما «الدمباري»! وغنى أحمد شارف، وغنى عبد الماجد، وعمر احساس، وغنت فاطمة محمد عثمان: «سلام عم السودان، دارفور تعود تاني»! وردد أحد المغنين: «ما في أخير من شورى وراي/ لو من شيخ أو من شرتاي/ أو حتى مواطن ساي/ أهلنا دماهم راحت ساي»!

تأكدْتُ أن «أهلنا دماهم راحت ساي»! فأي خير تأتي به الحرب؟! وحين سمعته يقول «ما في أخير من شورى وراي»، تلفت لأرى أهل الرأي أين هم في تلك الليلة؟! لم أر أحداً من أهل أبوجا هناك! مني أركو، أو مجذوب الخليفة! لم أكن بالطبع أطمع أن أجد أحداً خارج منظومة المؤتمر الوطني، أو حتى الطرف الآخر من حكومة «الوحدة الوطنية»! لكن يبدو أن الأمر «مؤتمر وطني صَرْ!»، وهذا لا يعيب لولا أن موضوع دارفور يهم السودان كله. تصورت أيضاً أن أرى الوزير أحمد هارون هناك، وسلام دارفور يهمه؛ لكنني لم أسرف في الخيال لأرى هناك .. علي كوشيب!

تابعتُ بقلق، فالأغنيات كانت باللسان «العربي الدارفوري»، وخشيت، والحديث عن النسيج الاجتماعي (كرّهونا النسيج ذاتو!) ألا تكون هناك أغان باللغات الدارفورية، خصوصاً والناس يرددون «زغاوة وفور ومساليت وبرقو»، حتى اعتلى مغن شاب اسمه عبد الماجد كورينة، فغنى بـ «الرطانة»، فأراحني قليلاً، لله درّه! ثم ختم الحفل عمر احساس برائعته الراقصة «دارفور بلدنا»، وعندها انهار التابو تماماً، واختلط الحابل بالنابل، وضاق المسرح بالحضور، نساءً ورجالاً، كما يحدث بشكل طبيعي (قبل لوثة التوجه الحضاري)، فلا موضع للوقار هناك!

سألت، يوماً، المُغَنّي البصير سنين رزق، وكان في الثمانينات من عمره، هل كان سلاطين المساليت يرقصون، حين تدق الطبول ويعزف «الكُربي»؟! أجابني بضحكته المجلجلة: «والله وكت بُخُوجُلُوا تقولْ كَلادينْق»! و«الكلادينق» جمع كلْدنْق، وهو النسر الأصلع الضخم. و «بُخُوجُلُوا» أي يحركون ثيابهم الواسعة مثل الخيمة الخوجلية الكبيرة!

الأربعاء

«النَّمَطُ»، لغةً، يعني: الصِّنْف، أو النوع، أو الطِّراز من الشيء، و«النَّمَطُ»: الجماعة من الناس أمْرُهُم واحد. وثمة صورة «نَمَطِيَّة» في أذهاننا عن رجل الدين، شكلتها عناصر دينية، وثقافية، واجتماعية، وأخلاقية، عكست لنا إمّا مثالاً رفيعاً يُحتذى، أو نموذجاً متدنياً يُجتنب، وكلتا الصورتين تحت الضوء، وفي بؤرة الاهتمام. فرجل الدين ليس فرداً عادياً من غِمار الناس، بل مرجعية معرفية مرجوّة لأمر الدنيا والآخرة، فإما أن تسمو الصورة، فيتطلعون إليها، فيرتقون، أو تتهاوي، وتسفل، كعنوان للانحطاط والتردِّي.

صورة رجل الدين في أذهاننا لا تبدو زاهية إلا لقليلين، لا بسبب معاييرنا المثالية، ولكن بسبب عوامل تشكلت من تعليمنا، وخبرتنا السياسية، والثقافية، والاجتماعية، فشعّبت مقاييس صورته في مخيلتنا. نرى بعضهم واسع المعرفة في مذهب بعينه، ولكنه زِمِّيتٌ «شديد التَّزمُّت»، يفتقر إلى رحابة قبول المختلف عنه مذهبياً، بله صاحب المعتقد الآخر، وهنالك المنغلق على نفسه لايتجاوز نطاق مسجده ومعهده، ومنهم الزاهد في الحياة بالكلية، الذي استغرقه التصوف، فنسي نفسه، وخرج من الدنيا كلها، ودعا الناس لذلك. ومنهم من آثر سلامته الشخصية، فلا يجاهر حين يستوجب الأمر الجهر بالقول، ومنهم سيء الظن بالمجتمع، المتعالي عليه، فلا يرى الناس إلا في ضلال مبين. وفي أذهاننا صورة علماء لا تطابق أقوالهم أفعالهم، ومنهم علماء السلطان، يزينون هواه، ويسوّغون أفعاله وأقواله، ويجتهدون في استرضائه، يستعين بهم لتثبيت أركان عرشه، ويمنحونه صكوك البراءة والغطاء الديني، وهم كثر في كل عصر، فإذا انتقلنا إلى مطلع هذا القرن، فإن الصورة تبدو أشدَّ قتامةً، وبخاصة مع الانفتاح الكوني، والمتغيرات المتسارعة، والاضطراب الذي يسود سوحنا، ويزلزل مجتمعاتنا، ومع تقاعُسِ رجال الدين، وافتقارهم للشجاعة، ولاقتحام الفكر، والمعرفة، والعلم، ومواكبة العصر، والجرأة على مواجهة الظلم، والتسلط، والقهر، والانغماس، عميقاً، في حيوات الناس. لذا، فصورة رجل الدين لدى هذا الجيل، في غاية الاهتزاز والتشوُّه.

لكنّنا، أيضاً، عاصرنا، وشهدنا، نماذج تعيد التوازن، وتجمل الصورة في الأذهان. صورة، على ندرتها، جديرة بتأمل هذا الجيل الذي اعتاد مشاهدة صنوف بائسة، ونماذج منفّرة، وأسوة سيئة، أسهمت في الانحطاط والتردّي. تقاعسوا عن واجباتهم، وصار بين فعلهم وقولهم بونٌ شاسعٌ، وأمدٌ بعيد. فَهُمْ، كالذين قال عنهم د. منصور خالد في مفتتح المجلد الأول من الثلاثية الماجدية: «.. وما أكثر العلماء الذين دنسوا العلم بهوانهم على أنفسهم، وأي هوان أشد من الاستخذاء والمداهنة لأهل زمان يغالب فيه الباطل بعضه بعضاً». ابتعدوا عن معاناة الناس، فاعتزلهم الناس، وانزووا إلى ما اترفوا فيه.

لهذا الجيل، تحديداً، تأتي أهمية سيرة، كسيرة الشيخ إبراهيم أحمد ياجي، لتقدم إليهم نموذجاً طليعياُ نادراً لرجل دين، وسع الناس بأخلاقه قبل علمه، وبذل معرفته في خدمة مجتمعه ووطنه، أتبع القول بالعمل، فعاش بين الناس، يعلمهم، ويثقفهم، ويرشدهم، ويتفاعل معهم، في قاعات الدرس، ومنابر الفكر، والساحات الاجتماعية، والسياسية، والرياضية، مثالاً لما ينبغي أن يكون عليه المرشد المعلم، تاركاً أثره، وفوح عطره، حيث حلَ، رجل مثقف، عالم، ينطبق عليه وصف قرامشي للمثقف العضـوي بامتياز!

أول ما نلمح في صورة الشيخ سمته، ومظهره، واحتفائه بالجمال، في زمان كانت رثاثة الهيئة تعد من الزهد والصلاح! كان يتميز بأناقة الملبس، وجمال المظهر، فيصفه على شمو بأنه: «كان في (فرجيته) الأنيقة، وعمامته الجميلة، ووجهه المشرق، وابتسامته المضيئة، ومشيته الوئيدة، رمزاً للأستاذ المربي». ويقول عنه عبد الباسط عبد الماجد: «.. وإلى الآن اتذكر الانطباع القوي الذي خلفه في ذاكرتي منذ الخمسينات، فكان رجلا يهتم بمظهره، وهندامه، بشكل جميل، ومزين، بعكس الكثيرين عندنا في معاهد ذلك الزمان». ولا تقتصر أناقته على الزي، لكنها متكاملة، مظهراً وجوهراً، فكان طلق المحيا، وضئ الابتسامة، سلس العبارة، بليغها، يتخير ألفاظه بعناية ودقة، ويجمّل المنبر الذي يرتقيه، بقدرته الفائقة على جذب مستمعيه، ولذا كان المعهد يختاره للتحدث باسمه في المحافل. هذه الأناقة تشهد بها أوراقه والمسودات التي خلفها، فتبدو من فرط جمال خط الرقعة الذي يكتب به، لوحة تشكيلية باهرة.

كان معلِّماً فريد الطراز، رفض القضاء والسلك الإداري، وانقطع للتعليم، حيث برزت شخصيته، بشهادة تلاميذه الذين أشادوا بأسلوبه التربوي، وحزمه، ورفقه، ووقوفه معهم في اتحادهم، ومظاهراتهم ضد الاستعمار وترشيحهم للدراسات العليا في الجامعات المصرية، الأمر الذي أثار حنق الإنجليز.

لم يكن تقليدياً كأكثر أقرانه، بل عصرياً تقدمياً، فبجانب معرفته بعلوم الدين، فهو من القلائل الذين حذقوا العلوم الحديثة، فكان يدرِّس الجغرافيا، والتاريخ، والرياضيات، ومن أوائل من أدخلوا الأدب العربي في مناهج المعهد. تمتد علاقته بطلابه إلى استضافتهم، وإيوائهم في داره، وتأمين عيشهم، خصوصاً القادمين من أصقاع نائية.

كثيراً ما يعاب على المثقف تكلّس العلاقة بينه والمجتمع، فتراه يأخذ دور المُنَظِّر البعيد عن محيطه، وهنا تبرز عظمة الشيخ ياجي، فهو في مجتمعه مشارك فعّال على المستويات كافة، يطوف بأهل الحي، يزجي التحايا لجيرانه، ويزورهم، خصوصاً في الأعياد، ويكرم بهذه الزيارة حتى جارته المسيحية صاحبة الخمارة! فكان مثلاً في حسن الجيرة، ومحاضرة عملية في السلوك. كان يؤمن بحق المواطنة التي تسع الناس على اختلاف معتقداتهم، يزور غير المسلمين في مناسباتهم المختلفة، ويرأس إدارة مدرسة «ست فلة» القبطية بحي الموردة. كان بعيداً عن التعصب الديني، والغلو المذهبي، فهو، مثلاً، من سالكي الطريقة التجانية، وهو، في نفس الوقت، إمام مسجد الأدارسة، مع أن الأدارسة أتباع الطريقة الأحمدية الإدريسية. وهو مالكي، والشيخ الحسن، مؤسس مسجد الأدارسة، شافعي، ومع ذلك ظل الشيخ يؤم الناس لصلاة الجمعة طوال عشرين سنة، لا يزيدهم الاختلاف المذهبي إلا مودة واحتراما، ولعلنا، هنا أيضاً، نقف على بعض خصائصه، وخصاله، في الإنضباط، واحترام المواعيد، حيث يقول الشيخ عبد الوهاب التازي: «.. الشيخ ابراهيم كان ملتزماً بالزي الأزهري، الجبة والقفطان، لكنه كان يلبس العمة السودانية المحكمة، ويلبس الحزام، لكن يعقده من الأمام. وكان يحضر قبل الجمعة بحوالي ربع ساعة، ويجلس حتى يحين وقت الصلاة، وكان ملتزماً بموعدها، فيصعد المنبر في تمام الواحدة، ولم تكن خطبته تتجاوز نصف الساعة».

الخميس

كثير من مناطق السودان حباها الله بنعم لا مقطوعة ولا ممنوعة، من هذه المناطق جبال النوبا، مثلاً، ومنها، أيضاً، دارفور. ففي الطريق إلى الفاشر احتل جيش الغزو الإنجليزي مليط يوم 18 مايو1916م؛ عندها كتب المقدم كيلي إلى ونجت في 17 يونيو 1916م قائلاً: «لا أستطيع أن أصف لك مدى سعادتنا برؤية المصادر الكثيرة للمياه والبصل المنزلي! كل شخص يستطيع أن يشرب إلى أن يرتوي، ويأكل البصل، ويطبخ أي صنف يريد. إنني متعب من أكل البصل!» (راجع: ألان ثيوبولد؛ علي دينار ـ آخر سلاطين الفور، ترجمة فؤاد عكود، ص 146).

الجمعة

أثناء تقليبي أوراقاً قديمة وجدت بطاقة دعوة مستطيلة غاية في الأناقة والبساطة، تحتل الثلث الشمالي منها ستة أسطر من عشر كلمات فقط (ستسعدنا مشاركتكم لنا/ حفل عرسنا/ بالأحد 1980/12/28م/ بنادي الضباط/ فايزة/ كمال). أما ثلثا البطاقة فقد احتوت صورة لذراعين ممدودين متقابلين تكاد إبهاماهما تتلامسان! ملمح مجتزأ من لوحة مايكل انجلو الشهيرة «خلق آدم»، المرسومة على سقف كاتدرائية سيستين، والتي ما يزال الباحثون يسرفون في تأويلها، حيث سبابة القدير تمتد لسبابة آدم، بعضهم قال إنها تمتد بشرارة الحياة، وبعضهم قال إنها تمتد بشرارة المعرفة، والعقل، والفطنة، على قَدَر موزون، لا أقرب فيحترق، ولا أبعد فلا تصل إليه! لكن أطرف التأويلات ما رواه لي كمال حين حمل البطاقة إلى صديقه الترزي توتو بسوق الموردة، وكان منهمكاً على طاولة التفصيل، فأمسك بالبطاقة يتأملها، وسأل كمالاً عن مغزى هاتين السبابتين اللتين تكادا تتلامسان لكنهما لا تتلامسان! فجعل كمال يشرح له لوحة خلق آدم والشرارة، فإذا بتوتو يلخص الأمر، بكل بساطة، وعفوية، وعبقرية، قائلاً: «يعني مسافة مزبوطة زي بوليتين العربية»! وقال لي كمال إنه لمَّا روى الواقعة لصديقه عبد الله بولا، اتفقا على أن رجل الشارع «العادي» ليس «عادياً» على الإطلاق!

أخي العزيز كمال ورفيقة دربك العزيزة المناضلة فايزة حسين، وأنتما تحتفلان بمرور أربعين عاماً على قرانكما المبارك الميمون، ويحتفل معكما أُبَيّ وأَرْوَى، أرنباكما اللذان كبرا الآن، واللذان «لولاهما انسدت ثقوب الناي/ لولاهما عاد الزمان القهقرى/ وصوَّح المكان، في عيدانه العجاف، ظامئاً/ وأقفرا»! أسأل الله لكم الصحة والعافية، وأن يبارك لكم، ويمد في أيامكم، ويرضى عنكم، ويرضيكم. وسعيد أنني أهدي لكما كنزي الثمين هذا، بطاقة الدعوة التي ظللت احتفظ بها لأربعين عاما، وهي عزيزة عندي، وأثيرة «ومن يحرز ثميناً يبخل»، مردداً قول صلاح عبد الصبور: «معذرة يا صحبتي لم تثمر الأشجار هذا العام/ فجئتكم بأردأ الطعام/ ولست باخلا وإنما فقيرة خزائني/ مقفرة حقول حنطتني/ والشمعة الوحيدة التي وجدتها في جيب معطفي/ أوقدتها لكم»!

السبت

في العشرين من مايو 1916م، جلس السلطان علي دينار على كرسيه مهموماً، مترقباً أن تأتيه عيونه المنتشرة على الطريق بأنباء تقدم الإنجليز نحو «برنجية»، حيث يتمركز القائد رمضان بُرّة، أهم قواده وأكثرهم إخلاصاً، ويتذكر السلطان، في لحظة ندم، بقية قواده الذين نكل بهم، قتلاً أو نفياً، في نوبات غضب وشكوك، وكم هو محتاج، الآن، إلى حنكة تدبيرهم، ومهارتهم، وشجاعتهم. في هذه اللحظات الحرجة دخل إليه «الموقاي»، وحين أبصره في هذه الحالة العصيبة، قال قولته المشهورة التي صارت مثلاً: «سيدي الله ينصرك، قطعتو الجذول، وتَوََاً شتا جي»! أي: يا سيدي السلطان، قطعتم جذول الشجر التي كنتم ستستدفئون بها إذا جاء الشتاء، وها قد جاء الشتاء!

الأحد

عشنا عصر الإمام الصادق. ملأ الدنيا، وشغل الناس. كان، عليه رحمة الله ورضوانه، ملء السمع والبصر، أحبَّنا وأحْبَبْنَاه، ومات. ولما أردنا أن ننعيه، وجدنا، حتى الكلمات، قد ماتت! مات الإمام .. وماتت الكلمات .. إنا لله وإنا إليه راجعون!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق