سلايدرسياسة

الانقلاب الأمريكي.. هذا ما لا يمكن أن يحدث حتى في جمهوريات الموز!!

مصطفى يوسف

كنت سطرت مقالاً بصحيفة المدائن الغراء بالعدد (37)، بتاريخ 15/11/2020 بعنوان(ترامب البلياتشو..أسس للانهيار وبداية انتهاء سيادة العصر الأمريكي)،عن المشهد الأمريكي والفعل الذي يحدثه في أفقه الرئيس دونالد ترامب، بسلوكياته غير المنضبطه وتصرفاته التي تكشف عن الخلل النفسي الذي يعانيه، وتأثير ذلك ومآلاته على المستقبل السياسي لأمريكا، وتنبأت بان الرجل وضع اللبنة الأولى في انهيار العمارة الأمريكية، بما أشاعه من جراءة في التعدي على مؤسسات الحكم، وانتزاع هيبة السلطة، ومحاولة زعزعة الثقة في نزاهة القضاء، وهو المؤشر الأخطر الذي سيقوض كامل البناء.

هاهي خطوات الأحداث تتسارع ، وتكشف التطورات عما كان يحيك ويطرز ويدبر له الرجل ويزرع في الخفاء، لقلب المشهد والطاولة، نتيجة الشحن الزائد لمؤيديه ومناصريه واعتماده سياسة القطيع في توجيه محبيه، وتحريكهم بريموت كنترول رغبته ونزعته في التسلط والوقوف حجر عثرة أمام انسيابية العملية الديمقراطية ونقل السلطة سلمياً،ليقف العالم الخارجي قبل الداخلي مشدوهاً أمان مناظر مؤيديه وهم يقتحمون مبنى الكابيتول (السلطة التشريعية)، ليحدثوا هذا التخريب والدمار والتشويه بالتجربة الديمقراطية برمتها ويتسببوا في هذه الهزة التي لم تشهدها أمريكا في تاريخها، بتخطيط مسبق ومتعمد وممنهج،لا هدف أو غاية له إلا رؤية الذات والتعاطي مع الشأن العام من منظور شخصي، بلاضابط من قانون أو أخلاق ولكأن البلاد إحدى مؤسسات وشركات الرجل الخاصة والملايين التي تلاعب بها وأفسد بها الذمم والأخلاق.

تتبدى القصدية في جر الأحداث إلى الوجهة التي كان يريد لها ترامب، من تصريحه الذي استبق به هذه التطورات وقال فيه:” إن يوم 6 يناير سيشهد إعادة الأمور إلى نصابها، والحق إلى أصحابه، وهو حالة تعرف في القانون بإشاعة الحرب ضد الدولة، بل ذهب إلى أكثر من ذلك عندما مارس ضغوطاً على نائبه مايك بنس، الذي يترأس جلسة الكونغرس للتصديق على فوز جو بايدن،حتى لا تنغقد الجلسة، وهذا يدخل في خانة منع مؤسسات الدولة من القيام بواجبها، في خرق متعمد للصلاحيات الممنوحة له وفق الدستور والمنصوص عليها بقوانين وتشريعات.

ما حدث كان صدمة مدوية، لايقع حتى في جمهوريات الموز، لكنه نتاج طبيعي لممارسات ترامب طيلة الفترة التي قضاها في السلطة، وأظهر خلالها ممارسات كارثية، شوهت صورة أمريكا على المستويين، الخارجي والداخلي،انكفأًت بها على الداخل وليته أفلح في ذلك، وانسحب من الخارج وتخلى عن الدور الأمريكي في الأسرة الدولية، ومن ثم أعاد عقارب الزمن إلى الوراء، حتى وصل بها إلى هذه الفوضى، في سيناريو أشبه بأفلام الخيال العلمي،لا يمكن أبداً تصديقه، إلا بافتراضات وهمية، لا تمس الواقع في شيء.

نعم ..الفوضى تحدث في كل العالم، الذي يشهد انقلابات وتعديات على السلطة وتقويض النظام والدستور، لكنه لا يحدث بهذه الروح العالية من التحدي والشكل الفاضح من التهور وتعمد ركل القانون ومؤسسات الحكم بالقدم، دون وازع من ضمير أو أخلاق وارتكاب الفعل مع سبق الاصرار والترصد، بدرجة مقززة تثير الاشمئزاز،لأن هذا يعني وباختصار شديد الرغبة في التدمير وإعمال نظرية المرامر في التفسير، وامتطاء صهوات شهوة السلطة، إلى أبعد مدى ممكن.

مرت أمريكا بأحداث عاصفة وتطورات كادت أن تقصف بحالة الاستقرار فيها، وسلامة الدولة، وصلت لاغتيال الرؤساء، إبراهام لينكولن في أبريل 1865،جيمس غارفيلد 1881م، وليام مكينلي 1901م، جون كينيدي 1963، بولاية تكساس، أثناء مرور موكبه الرئاسي بساحة ديلي بلازا، ومحاولة اغتيال فرانكلين روزفلت 1933 ورونالد ريغان 1981، كل هذه الاغتيالات كانت نتاج تصرفات فردية،كما شهدت أمريكا احتجاجات واسعة لمجموعات مناهضة لسياسات التفرقة العنصرية ولأسباب مقبولة منطقياً، ولكنها لم تصدر عن قمة هرم السلطة، ومن ثم لم تمس سيادة القانون ولا أشاعت روح التنازع على السلطة، وهو المعطى الجديد الذي يبرز مع تعدي انصار ترامب واقتحامهم الكونغرس.

لا وصف دقيق لما جرى إلا انه محاولة انقلاب ، كظاهرة معلقة في التاريخ الأمريكي، لا صلة لها بالماضي  في كل منعطفاته وتعرجاته، لها ما بعدها، ستتبعها محاولات، وستستمر روح التمرد والتعدي والاستهزاء بالقانون والتجربة كاملة، وتراكمياً سيؤدي هذا إلى الحاق كامل الضرر بالديمقراطية، ومع الزمن ستعم الفوضى، ليكون المسؤول الأول والأخير ترامب، الذي قلت إنه أسس لبداية انتهاء عصر السيادة الأمريكي.

يتأسس الانهيار في الزمن من تصرف بسيط أو قرار خاطيء أو سلوك غير ذي بال،  لكنه يشكل الركن الأساسي في عملية التقويض التي تأخذ سنوات قبل أن تتمظهر في العلن، وتتسارع بشكل يصعب التحكم فيه او الوقوف أمامه مهما كانت القوة العسكرية والمادية، وهذا ما حدث للاتحاد السوفيتي، الذي نخره سوس النزعات القومية،مع وصول قيادة لسدة الحكم لم تقرأ حركية التاريخ.

كان وصول ترامب للسلطة إيذاناً بهذه البداية، وبمثابة كرة الجليد التي ستكبر مع مرور الأيام، وستجد بيئة مناسبة للتكور بسبب التهيئة والقدرة على احتضان الفعل الشائه الذي أوجده ترامب، ومن خلفه الحزب الجمهوري، الذي وإن شجب ودان تصرف الرئيس المنتهية ولايته، إلا أنه يتحمل المسؤولية الأخلاقية، لاختياره مرشحاً للرئاسة غير لائق، لاتهامه بالتحرش الجنسي، ولصمته الطويل بل ومساندته في كل الأخطاء التي ارتكبها في حق شعبه وبلاده، وهي المساندة التي تلقاها من رموز، مثل مايكل جوف، وبييرز مورغان، ونايجل فاراج ومؤسسات إعلامية، بل ورؤساء دول، ما يعني أن المشهد أكبر مما نشاهد ، أي أن مايفعله ترامب كان وظل وسيبقى، مقبولاً من الكثيرين، وهنا الطامة الكبرى التي لم ينتبه لها أحد، وهذا يفسر منطقياً كلمته التي ناشد فيها مؤيديه بالعودة إلى منازلهم، وقال فيها: (عودوا إلى منازلكم.. نحن نحبكم)،، وهؤلاء هم الذين وصفهم الرئيس الديمقراطي المنتخب جو بايدن، بالمتمردين، وبين التصريحين، ستقبع أمريكا، في توجس ، لتضع خطواتها على طريقإلى الخلف در” .

يبدو ان ميشيل فوكوياما كان محقاً عندما تراجع عن رؤيته التي ضمنها مؤلفه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) ، ومؤداها أن الديمقراطية اللييرالية بقيمها، المتمثلة في الحرية والمساواة والسيادة الشعبية، تمثل قمة تطور النظم السياسية، وصيغة نهائية للحكومة البشرية، لأنه أدرك أن هناك من لايستطيع أن يستوعب هذا بعد!!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق