ثقافة وفن

قيصر موسى الزين … السودان يفقد عالما لم يستضئ بنوره

عماد البليك

برحيل البروفيسور قيصر موسى الزين تنطوي صفحة واحدة من علماء السودان الذين لم يلتفت لهم كثيرا، باحث مكد وعالم في متاهات الهوية السودانية ومفكك في الثقافة والأنثروبولوجيا. ولأن السودان بلد تغيب فيه دقة المعلومات لا أعرف كم عمره بالضبط وهو يودعنا، بيد أني أتخيل انه في منتصف الستينات لا أكثر. إذ ترجع بي الذاكرة إلى منتصف التسعينات من القرن العشرين ونحن طلبة بجامعة الخرطوم، وقتها كان الزين أستاذا بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في مطلع الأربعين، يقع مكتبه هناك في ركن من أركان المعهد، ينسج في خفاء علاقات مع طلبة الجامعات الذين يثق في قدراتهم الفكرية وأنه بالإمكان أن يتحاور معهم باستفاضة حول الفكر والهوية والدين بكل انفتاح، دون أن يتبلور له مشروع محدد.

أول ما عرفته كان ذلك عبر مجلة حروف التي كانت تصدرها دار جامعة الخرطوم للنشر، وهي مجلة باذخة ورائعة لم يكتب لها الاستمرار، كان الزين قد سطر دراسة لا تزال تترك آثارها الفكرية عندي إلى اليوم عن أنسقة الأبعاد الدينية في كتابات الطيب صالح وعالم عباس، حدث ذلك في بداية التسعينات، بعدها قدر لي أن أتعرف على قيصر موسى الزين وكانت بيننا حوارات سواء في نادي الأساتذة بجامعة الخرطوم أو كافتيريا المتحف التي تجاور معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية أو في أحد الكافتيريات على شاطئ النيل بمواجهة الهيلتون وقاعة الصداقة.

يتكلم الزين بهدوء غير عادي وصوت خفيض لا تكاد تسمعه، وهو يحرك يديه بشكل إيحائي مفكرا أثناء الكلام، يحاول أن يربط بين تاريخ السودان القديم جدا والحديث، عن المغفل من هذا التاريخ الغامض بنظره، عن جدلية الإسلام والزنجية في البلاد، وغيرها من القصص المربكة التي لا خلاصة لها.

يصوغ مشروعا حول أن الدين مؤسس أساسي ومركزي في الثقافة السودانية، إذ لا يغيب أثره حتى عن الشعراء والأدباء فمشروع الطيب صالح له بعد ورموز دينية واضحة لا تحتاج كثير حفر، كما أشار في ذلك المقال، والطيب هو مشروع رجل دين أو “شيخ حولية” لم يخض هذه المغامرة كما خاضها محمود محمد طه مثلا، بل حدث العكس أن أخذته الحياة للرواية والقصص والخيال، بديلا عن مواجهة الواقع. كذا عالم عباس له أساطيره عن الخلق وبداية العالم في وادي أزوم بغرب البلاد وغيرها من الأبعاد التي يكتنزها شعره الذي يحمل متخيالاته الخاصة عن الوجود ورؤية العالم.

كان من عاداته أن يحمل معه دائما التسالي السوداني “يقزقزه” في كل موقع، سواء أن كان أُثناء الحديث وفي المحاضرات الجامعية أو في المواصلات العامة التي يتخذها كموقع من خلاله يتعلم أن يسمع لأحاديث الناس البسطاء فهم تراث متحرك وسِفر عن الحياة في المكان، بهذه الفلسفة كان ينطلق وهو يقيم وقتها في سكن الأساتذة بنهاية شارع الستين في العمارات. ألتقيه مرات على عجل هناك، ساعة كنت أٌقيم بالمنطقة ذاتها بعد التخرج، ويحرك فيه بعض الأفكار بقليل من الكلام، لتتفكر فيه باستفاضة فيما بعد، ومرات نلتقي مع زملاء به في أحد بيوت الأصدقاء ليحلمنا إلى أفكار غريبة مثل حديثه عن “سودان الترابي” وقتذاك كما يشير إليه في أحاديثه.

منذ تركت السودان وقد انقطعت علاقتي به لظروف الحياة، وبقي في ذاكرتي وقبل أيام كنت استحضره من خلال تذكر معهد الدراسات الأفريقية والاسيوية، كان لدي مشروع بحثي قلت أنه اكثر من سيفهمه أذا قدر لي ان اقابله في الخرطوم في أول رحلة لهناك، لكن شاءت الأقدار أن يرحل قيصر موسى الزين ويترك أثره علما ومعرفة، فهل سيجد من يهتم بما خلد ويعمل على دراسته وتخليده؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق