ثقافة وفن

حدث في الذاكرة … الشاعر والروائي الموريتاني الشيخ نوح وكوارث الحروب وملهمته الأولى

عارف حمزة – هامبورغ

في هذه الزاوية تفتح الجزيرة نت مساحة لكاتبات وكتّاب لكي يتحدثوا عن الحدث أو الحادث الذي غيّر حياتهم، وجعل منهم شعراء أو روائيين أو قصاصا وأيضا مسرحيين ومترجمين أو حتى ناشرين، بخلاف توقعات الأهل أو الأصدقاء.

في الوقت ذاته، تعتبر هذه الزاوية نافذة للقارئ والمتابع، لكي يتعرّف على جزء حميميّ وربما سرّي لمبدعين مختلفين في طرق وأساليب التفكير والحياة والكتابة.

ضيفنا اليوم الشاعر والروائي والمترجم الموريتاني الشيخ نوح، الذي وُلد في مدينة باركيول الموريتانية في عام 1982، وبسبب الأوضاع الدولية درس في مدارس متعددة لحين حصوله على شهادة الدروس العامة في التاريخ من جامعة نواكشوط. وخلال دراسته تلك أتقن اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والبرتغالية.

قبل أن يصدر الشيخ نوح مجموعته الشعرية الأولى “أرغفة السماء” في عام 2018، كان قد نال جائزة اتحاد الأدباء والكُتّاب الموريتانيين في عام 2012. ثم جائزة مهرجان المدن القديمة بمدينة تيشيت. وفي العام الذي صدرت مجموعته الشعرية الأولى تلك نال جائزة أفضل قصيدة مكتوبة باللغة العربية من مؤسسة متحف أمير الشعراء أحمد شوقي في مصر.

في عام 2019، صدر للشيخ نوح مجموعته الشعرية الثانية “عراجين القلق”، وكذلك روايته الأولى “أدباي”. وفي هذا العام 2021 صدرت مجموعته الشعرية الثالثة بعنوان “على سجادة مني”.

الشيخ نوح يقيم حاليا في العاصمة نواكشوط، ويترأس نادي دهشة الأدبي، وهنا شهادته عن الأسئلة التي طرحتها عليها الجزيرة نت:

“المُسفّر” الصغير

“لا شيء أجمل من الأدب الجيد سوى كتابة الأدب الجيد”، قد تصح مثل هذه المقولة الماركيزية كعتبة للدخول في غواية الكلام عن الذكريات، ذلك أنه لا يوجد ما هو أمتع من الذكريات سوى إعادتها حية على شكل نصوص مختومة بالنوستالجيا (الحنين إلى الماضي).

ليس في جعبتي الكثير من المعجزات في الواقع. ترعرعت ككل الأطفال المنحدرين من الطبقات الفقيرة في بلد فقير، تحكمه تراتبية اجتماعية تقليدية صارمة مثل موريتانيا، وإن كنت لا أتذكر بشكل تفصيلي السنوات الست الأولى من حياتي، لذا سأبدأ من اللحظة التي كانت فاصلة في مساري حتى ذلك الوقت، حينما وصلنا نواكشوط قادمين من السنغال (أنا وأمي وأخويّ الطيب ومحمد فال) صيف 1989 “مُسفّرين” كما كان يطلق علينا، إثر التوتر الذي جرى بين الحكومتين الموريتانية والسنغالية، والذي دفع ثمنه الشعبان باهظا كالعادة.

غلاف رواية الشيخ نوح “أدباي” تتناول التغييرات الاجتماعية التي عرفتها موريتانيا خلال 30 عاما (مواقع التواصل الإجتماعي)

عندما اصطحبتني أمي من المخيم المخصص للعائدين من السنغال لأول مرة إلى المدرسة، كنت طفلا خجولا وصموتا. مندهشا من هذه العيون الكثيرة المصوّبة إليّ، والتي يجلس أصحابها على الأرض في حجرة دراسية مرتجلة ومخلوعة النوافذ، تسمح للريح بممارسة لذتها في العبور الحر.

ولأن حجرة السنة الأولى كانت مكتظة، فقد دفعوا بي مباشرة إلى السنة الثانية الأقل اكتظاظا. كان انتصارا كبيرا في تلك الفترة، “أنا في السنة الثانية”.

ثم نقلتنا السلطات في السنة التالية إلى قرى بعيدة (قرية القاهرة، ثم غرْلي) على ضفة النهر في الحدود البرية الموريتانية السنغالية، على خطوط النار التي خبرناها أطفالا، حتى أصبحنا نميز خفيف الأسلحة وثقيلها وكذلك الأعيرة النارية. ماذا يُنتظر من طفل ومُسفّر صغير خارجٍ من هذه الكوارث غير أن يحتمي بالجريمة أو بالفن؟

مُلهمتي الأولى

بعدها بسنوات، وأنا في سنتي الثانية من المرحلة الإعدادية، سأكتب أول نصوصي الشعرية، في مدينة كيهيدي على مسافة 430 كيلومترا شرق العاصمة نواكشوط، كان ذلك في بداية النصف الثاني من التسعينيات.

ولا شك أن تلقين “إسلم بوها بنت لمرابط” لي، وهي أمي وملهمتي الأولى، عشرات النصوص الشعرية الشعبية، والتي تحكي جزءا من التاريخ الذي عاصرته. وكذلك ما حفظته من مساجلات بالعامية في شبابها في بلدة “عين إمنجيجه” أو مقاطعة باركيول اليوم، إضافة إلى ما حفظته من إرث أبيها من الشعر الشعبي، كان له دور ما في ميلي إلى الإيقاع والقوافي، ولا سيما أنها كانت تغني لي وهي تنظف لي أسناني بطحين الفحم في سن مبكرة.

غير أن الحدث الحاسم، والذي أدركه تمام الوعي وأعتبره فاصلا، هو ذاك المرتبط بالمرحلة الثانوية، عندما قال لي أستاذ الأدب العربي “أنت لستَ بعيدا من هدفك يا ولد نوح، ينقصك فقط بعض الاهتمام وستصل إلى مرادك”، كان هذا الكلام في ثانوية كيهيدي عام 1998، على إثر سؤال طرحه الأستاذ على كل طالب “ما أحلامك وطموحاتك للمستقبل؟”. توزعت الأجوبة بين من يقول إنه يطمح إلى الرئاسة، وآخرون إلى وزارة أو إلى إدارة، لكنني وحدي أجبت: “طموحي أن أصبح أحد رواد الأدب العربي!”، لقد كنت أحتسي اللغة العربية ولم أكن أسمعها فقط أو أتحدثها.

شرح عدم الخذلان

أنا الوحيد الذي علق الأستاذ على طموحه وأجابه بتلك الإجابة المختصرة، ولكنها كانت وقودا لي، إذ اتخذت قرارا نهائيا، منذ تلك اللحظة، بأن أصل إلى طموحي، أولاً لأنه طموحي، وثانيا لأن الأستاذ وضع فيّ وحدي ثقته بقدرتي على الوصول للهدف، وبالتالي فلن أخذله. ولم أتحدث مع أي كان بهذا الأمر قبل الآن.

ولعل إشارة الأستاذ بقوله “ينقصك بعض الاهتمام” تمثل بؤرة كلامه والضوء الذي لمس الزاوية المظلمة في روحي وغيّر مساري جذريا. فقد كنت حينها فوضويا إلى أبعد الحدود، رغم نهمي للمعرفة وحبي الجارف للقراءة، وشغفي باللغات، فإني كنت أضيق ذرعا بالدروس الروتينية، وكنت أقتني بعض الكتب المقررة من مكتبة المؤسسة وأقرؤها، وهكذا لا يكون كلام الأستاذ خلال الدرس سوى تكرار ممل وبيزنطي لما مررت به، فاقدا لعنصر الدهشة.

لاحقا وبعد تجربة سنتين و3 أشهر خارج البلاد، حيث تعلمت البرتغالية، فكرتُ في مباشرة مشروع لطالما راودتني فكرته “الكتابة الروائية”. وهكذا جاءت فكرة روايتي الأولى “أدباي”، وكنت أعمل نهارا وأكتب ليلا. الآن في جعبتي روايتان جاهزتان للنشر هذا العام 2021، ومسودة رواية أخرى قد أؤجل نشرها حتى العام المقبل، فرغم كل التغاضي الرسمي والإهمال والعواصف وجيوش النمل فليس أمامي سوى الكتابة بهمّ!

الأستاذ الذي جرحني

تحية كبيرة إلى ذلك الأستاذ الذي لم ألتقِ به منذ أكثر من 20 عاما. اسم هذا الأستاذ، إن لم تخني الذاكرة، كان “محمدن ولد إبراهيم”، وكان أول من عرضت عليه أول مقالين كتبتهما وكان عمري 15 عاما. جرحني حينها بسؤال طنّ في رأسي كوقع ضربة منجل. نعم، ورب ضارة نافعة كما يقولون، وذلك عندما احتفظ بالمقالين المذكورين في حجرة الدرس، وطلب مني نهاية الدوام اصطحابه إلى محل إقامته، وفي الطريق طرح عليّ سؤاله الفظيع:

“أصدِقني. هل أنت من كتب هذا أم؟”. قالها بالعربية الفصحى، وتوقف عن الكلام.

الدوار الذي أصابني يومها، وجملة الأحاسيس المتناقضة لمراهق صادق يصدمه من يعتبره أقرب الناس إليه وأطهرهم وأبعدهم عن الشبهات، جعلني أنسى حتى الآن إجابتي له بدقة. لا بد أنها كانت نفيا، وربما نفيا لا يخلو من خشونة مراهق بجرح نرجسي نازف. ثم لاحقا أدركت أن الرجل كان مندهشا من مستوى المقالين الذين وصفهما بقمة النضج، غير أنني حينها لم أكن أرى الأمور من هذه الزاوية.

(المصدر : الجزيرة نت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق