ثقافة وفن

تفاهة الشر … حنة أرندت في القدس (3)

كريم محمد

اشتغلت أرندت منذ أعمالها الأولى على القرون الوسطى وقد سجّلت أطروحتها حول الحبّ عند القديس أوغسطين. وكانت التلميذة النجيبة لمارتن هيدغر، أستاذها وعشيقها، وهي التي نشأت في جوّ من أوج الفلسفة الألمانيّة، إضافة إلى رفقاء دربها من الفلاسفة تلاميذ هيدغر، ومنهم من عاش معها بأمريكا مثل هانس جوناس، الفيلسوف المهتم بالإيكولوجيا والإيتيقا. ومن الاعتقادات المعرفيّة التي كانت تتبنّاها حنة في حقبتها الألمانيّة الأولى حتى وصولها إلى عام 1961م اعتقادها بـ”الشرّ الجذري”، تلك المقولة المسيحيّة والتي اشتغل عليها كانط بشكل هامّ في كتابه الذي تُرجم إلى العربيّة، في وقت متأخر، تحت عنوان “الدين في حدود مجرّد العقل[7]”.

“الشرّ الجذريّ” مقولة أصيلة في المعرفة الدينيّة والفلسفيّة الغربيّة، تعني الخطيئة الأصلية التي ارتكبها الإنسان في البدء، مما يستلزم أن الشرّ جزء رئيس وداخلي لدى الإنسان، لا يمكن أن ينفكّ عنه، لأنّه ابتدأ مسيرته في الحياة بالخطيئة. بيد أنّ كانط قد جعل من واقعة الشرّ الجذري واقعة فلسفيّة، فهو لا يعني بالشر الجذري أن الإنسان كائن شرّير بالمعنى السيّئ للاستعمال، أو أن الإنسان خيّر بالمعنى الحسن؛ إن الإنسان، حسب كانط، هو القادر بفضل “الحريّة” أن يسير في السبيلين. إن الشرّ بقدر ما هو اختيار بفعل الحريّة، فإنّ له أساساً كامناً في الإنسان. وهنا نفهم من بول ريكور، أنّ اللاهوت والفلسفة في الغرب متشابكان بشكل مثير، وليس مقولة الشرّ الجذري إلا تجلياً لهذا الاشتباك الفلسفي اللاهوتي.

إذاً، كانت مقولة “الشرّ الجذري” بمثابة شيء ناجز وسابق في الإنسان، ومن ثمّ فإن النازية يمكن أن تكون تحقّقاً لهذا الشرّ الجذري في الإنسان. والوقائع التاريخيّة عموماً عند وقوعها، وخاصّة التوتاليتاريّة، لا تأخذ حيّزاً نظريّاً كبيراً من التفكّر فيها إلّا بعد وقوعها وليس في لحظة وقوعها. وعلينا هنا أن نسجّل ملاحظة هامّة تتعلّق بكون الغرب يحوّل وقائعه السياسيّة الكبرى إلى مُشكل فلسفيّ ومعرفيّ بل وشِعريّ كذلك، في حين أنّنا عربيّاً لم ننخرط بعد في استشكالات فلسفيّة لما وقع في ماضينا من وقائع تاريخيّة وما يقع لنا وسيقع، فيما أظنّ.

هل الشرّ الجذري الذي مسّ منظّرة الفلسفة السياسيّة حنة أرندت قد وجد تحقّقه في النازيّة؟ وهل اليهود -وهي منهم- راحوا ضحيّة تنظير فلسفيّ قد شُرعن له لاهوتيّاً ثمّ نُظّر له فلسفيّاً فيما بعد؟ أو لماذا انقلبت حنة أرندت على التقليد الفلسفي القائل بـ”الشر الجذري” لتدشّن مفهومها الذي نشأ من واقعة سياسيّة/ أخلاقيّة، والذي أسمته بطرافة “تفاهة الشر” (Banality of evils)؟

– 3 –

في عام 1961م، كُلّفت حنة أرندت بالذهاب إلى القُدس لحضور محاكمة أحد العاملين النازيين، أدولف إيخمان، وهو الشخص المسؤول عن ترحيل اليهود. كان ذلك التكليف من قبل مجلّة “نيويوركر”، وقد كتبت حنة أرندت عدّة تقارير حول المحاكمة التي عُقدت في القدس لمحاكمة إيخمان، ونُشرت فيما بعد في كتاب تحت عنوان: “إيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشرّ).

أهمّ ما يُلاحظه المتبصّر لتقرير أرندت حول محاكمة إيخمان هو انهماكها في الشخص المُجرم نفسه وليس في الدعاوى التاريخيّة والقانونيّة التي تُلقيها المحكمة على إيخمان. إنّ إيخمان وإنْ كان مجرماً نازيّاً، إلّا أنه مجرّد فرد إدراي وموظّف بيروقراطي في نظام توتاليتاري ينفّذ أوامر ذلك النظام دون تفكير. إن المحاكمة ليست عادلة، حسب أرندت، لأنّها لم تُحاكم إيخمان كفرد، وإنما حاكمته على تاريخ لم يكن سوى موظّف فيه. تقول أرندت إنّه منذ الحقبة اليونانيّة والإنسان تُحدد ماهيته غربيّاً بكونه القادر على التفكير بينه وبين نفسه. إيخمان لم يكن يفكّر، إيخمان موظّف عتيق، وهو لا يفهم سوى لغة الإدارة، كما قال هو في مرافعته عن نفسه بالمحاكمة، وذلك بعد إلقاء القبض عليه في الأرجنتين متخفياً.

لا تهمّنى محاكمة إيخمان كحدث عينيّ، أريد أن أركّز على إشكاليين هامّين من تلك المحاكمة، كي نرى كيف حوّلت أرندت المشكل السياسي الظرفي إلى أسئلة فلسفيّة وسياسيّة. السؤال الأول يتعلّق بمحاكمة الفرد الواحد المتهم داخل نظام توتاليتاري قد ارتكب أبشع الجرائم كالنازية، والسؤال الثاني متعلّق بـ”تفاهة الشّر[8]”.

هل يمكن محاكمة إيخمان كمسؤول عن جرائم النازيّة؟ أي هل إيخمان فرد تاريخيّ أم هو مجرّد شخص، موظّف إدراي؟ -حسب أرندت، فإن هذه المحاكمات للأفراد هي محاكمات فرديّة وليست تاريخيّة، ومن ثمّ فإن إيخمان لا يمكن تحميله جرائم النازية كلّها، ويمكن محاكمته عما ارتكبه فقط، وليس عن جرائم التاريخ.

نحن هنا بحاجة لأن نستدخل بول ريكور بتقسيمه حول “المسؤوليّة الإجراميّة” و”المسؤوليّة السياسيّة”. إن ريكور يقيم تقسيماً طريفاً بين ذينك النوعين[9]، فبحسبه؛ “المسؤوليّة الإجراميّة” تكون تلك المسؤولية التي يُشار فيها بإصبع الاتهام إلى شخص بعينه، في حين أنّ “المسؤوليّة السياسيّة” هي التي تُلقى على نسق سياسيّ بأكمله وعلى رجال جميعهم كانوا في ذلك النظام الإجرامي، حتى ولو لم يتورّط كلّ فرد منهم بتلك الأعمال الإجرامية. ما قصدته، أن حنة أرندت أرادت أن تقول بلسان ريكور إن إيخمان مسؤول إجرامي وليس مسؤولاً سياسيّاً، هو يمثّل نفسه وجرائمه وليس جرائم النظام النازي التوتاليتاري كلّه. وإذا تمّ الفصل بين المسؤوليتين فإنّ موقف أرندت سيُفهم من المحاكمة، خاصّة أنها اتهمت بمعاداة السامية من قبل أبناء جنسها واليهود عموماً.

أمّا فيما يخصّ تفاهة الشرّ، فقد استوحت أرندت هذا المفهوم من المحاكمة. ربّ محاكمة كانت فاعلاً في إبداع فلسفيّ للفيلسوفة الألمانيّة الأمريكيّة. فما لاحظته أرندت في محاكمة إيخمان، أن إيخمان ليس إنساناً مدبّراً أو إنساناً رتّب لتلك الجرائم التي قام بها. إنّه شخص، تافه، وعاديّ، وشرّه أتفه منه. ليس الشرّ جذريّاً أبداً، بل هو سطحي. أي إن الشرّ متطرّف وليس جذريّاً في الإنسان، وتطرّفه غير راديكاليته؛ فكونه متطرفاً يجعله مرتبطاً بالسطح والقشرة، وليس راديكاليّاً أبداً في الإنسان. إن الراديكالي في الإنسان هو الخير. إن إيخمان قد قام بما قام وهو على غير وعي بما يفعل، هو مجرّد منفّذ ليس إلّا، وهذا يجعل شرّه مجرّد حادث دون تدبيرات أيديولوجيّة مسبقة، أو بناءً على مكر معرفيّ. إنّه تافه.

عندما كانت أرندت في المحاكمة، كنت تنظرُ إلى إيخمان وكلامه وتنتبه لتصرفّاته. علّقت أرندت بأن إيخمان لا يجيد الكلام، وهو شخص لم يكن يفكّر إلا في وظيفته. إيخمان لا يجسد الشر الجذري أو المطلق كما تصفه المحكمة، نعم هو تخلّى عن شرطه الإنساني من حيث التفكير والتدبر، لكنّه تافه وسطحي ولا يتحمّل كلّ ذلك التاريخ. قلبت أرندت مفهوم الشرّ على ظهره، ليغدو سطحيّاً جدّاً، وليس عميقاً كما تقول الحضارة الغربية منذ أمد.

تعلّمنا أرندت أنّ التافه خطير، وخطورته تتأتّى من كونه تافهاً.

الهوامش:

[1] – ههنا مقال طويل لي بمثابة قراءة مطولة في تلك المقالة المهمة، منشورة على معهد العالم: انظر الرابط.

[2] – أشعيا برلين، جذور الرومانتيكيّة، دار جداول.

[3] – را: حنّة أرندت، أسس التوتاليتاريّة، دار الساقي.

[4] – زيجمونت باومن، الحداثة والهولوكوست، ت. حجّاج أبو جبر رفقة دينا رمضان، مدارات للأبحاث والنشر.

[5] – جيل دولوز وفيليكس غتاري، ما هي الفلسفة؟ ت. مطاع صفدي، مركز الإنماء القوميّ.

[6] – انظر، حنة أرندت، نحن اللاجئين، ت. فتحي المسكيني: انظر الرابط.

[7] – ترجمه الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني، عن دار جداول.

[8] – كتاب أرندت الأساسيّ في ذلك هو: إيخمان في القدس.

[9] – انظر: بول ريكور، الانتقاد والاعتقاد، دار توبقال.

ترجمة: كريم محمد

باحث ومترجم مصري. مهتم بأسئلة الدين والعلمانيّة والسوسيولوجيا والفلسفة المعاصرة. وصدرت له في ذلك مقالات وأبحاث منشورة إلكترونيّاً. بالإضافة إلى أنه صدرت له ترجمة كتاب “الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ” عن مركز نماء للأبحاث والدراسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق