سلايدرسياسة

الصادق المهدى: رحلة في العقل العرفاني الجريح (5)

خالد موسى دفع الله

يقول لايش واهرون في كتابهما عن التشريعات الاسلامية في السودان، إن مفهوم الدولة الدينية عبر المقاومة السياسية راسخ في جينات المهدية. لكن يرى الصادق المهدى في مؤلفاته أن الإسلام يملك الإجابة على أسئلة الحداثة والدولة وتوفير التوجهات والمعايير الروحية والأخلاقية. وأنه لا يهم أن تكون الدولة الإسلامية تقليدية أو ثورية أو حديثة لكنها يجب أن تتقيد بالمباديء الدستورية التي تحض على الكرامة الانسانية والعدل والحقوق. وينتقد المهدى ثلاثة عوامل اسهمت في سوء فهم الاسلام لدى الغربيين وهي الحروب الصليبية والامبراطورية العثمانية والاستشراق. وان الاسلام قادر على شحذ الطاقة الحضارية للمسلمين لإحداث التغيير، وان الاسلام يقدم اجابات مقنعة على قضايا العالم واوضاع الانسان عبر مختلف الازمنة التاريخية والنظم الاجتماعية والثقافية. ويرى المهدى ان ضمور الاجتهاد نسبة لتوظيف العلماء بواسطة السلطة كرس للتقليد الذي جمد العقل الإسلامي. وانه لا بد من توفير الشروط والمعايير اللازمة في المجتمع قبل تطبيق القوانيين الاسلامية. ويستشهد بان هناك ٢٤٥ آية في القرآن عن قضايا المجتمع. ٧٠ منها عن الاحكام الشخصية و٣٠ آية عن الجرائم و١٠ آيات عن الاقتصاد والتجارة و١٠ آيات عن الأوضاع الدستورية و٢٥ عن القضايا الدولية. واستخلص من هذه النسب في القرآن على تميز الإسلام بمبدأ (المرونة) العالية في استيعاب المتغيرات الاجتماعية. وان الحدود تدرأ بالشبهات والبينات والسياقات الظرفية.

وفي الإطار الاقتصادي يري الصادق ان الإسلام يعترف بالملكية الخاصة

وتكوين الثروات لكن شريطة دفع الزكاة والإنفاق على الفقراء والمساكين وأعمال الخير. لذا لا يوجد تناقض بين الإسلام والاقتصاد الحديث. اما في العلاقات الدولية فأن تصنيف الفقهاء لدار الحرب ودار الاسلام ودار العهد تعتبر تصنيفات كلاسيكية قديمة، لأن الاسلام الحق يدعو للتعايش السلمى. وان الجهاد هو فقط للدفاع عن النفس وليس لفرض الاسلام بحد السيف. وان العلاقات الدولية في الإسلام تقوم على مفهوم التعايش على رابطة الاخوة الانسانية، وقيم العدل واحترام العهود والمواثيق، وإقرار مبدأ التعامل بالمثل.

يستشهد لايش واهرون رغم اعترافها أن نموذج الدولة المهدية يمثل بؤرة الالهام لمقاربات الاسلام السياسي في مراحل لاحقة أن الصادق المهدى يقدم رؤية مغايرة وهي أن تيار الانصار هو صناعة سودانية أصيلة نشأ في التربة السودانية على عكس حركة الاسلاميين التي نشأت وتطورت في الخارج واستزرعت من بعد في البيئة السودانية.

يستخلص لايش واهرون أن معارضة الصادق المهدى للتشريعات الاسلامية خاصة الحدود التي فرضها نميري انطلقت ليس من مجرد المعارضة السياسية حيث كان الصادق يرى أنها هدفت لقمع المعارضين، لكن عارضها اكثر من منطلقات فكرية واقعية حيث كشفت خطب الإمام في تلك الفترة أن تطبيق الشريعة يتطلب توفير شروطا أساسية منها برلمان منتخب يعبر عن إرادة الأمة وتوفر العدل والحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية. وكما قال فإن قطع يد السارق في ظروف اقتصادية قاهرة كمن القاه مكتوفا في اليم وقال له اياك أن تبتل بالماء.

تتفق رؤية الاستاذ محمود محمد طه والصادق المهدى في معارضة قوانين نميري الاسلامية في ان القصد منها هو التنكيل بالخصوم والمعارضين وان تطبيق الشريعة يتطلب اجتهادات في ظل مناخ ديمقراطي. وينسب البعض للصادق المهدى المنشور المشهور الذي لم يحمل اسم كاتبه بعنوان (النظام السوداني والتجربة الإسلامية) في الفترة من ٢٩٨٣-١٩٨٥. رغم اتفاق المهدى ومحمود محمد طه على معارضة قوانين نميري الإسلامية ربما من منطلقات مختلفة، الا ان تلاميذ محمود وضعوا الصادق في مرمى الخصومة السياسية وانبرى الدكتور القراي لنشر كتاب خصصه ليس للنقد الفكري، بل للتقريع السياسي بغير هدى أو كتاب منير.

على عكس الصادق المهدى ومحمود محمد طه عمد الترابي إلى تأييد القوانيين الاسلامية بدعوى ان ما لا يدرك كله لا يترك جله وان ما فعله نميري خطوة في الاتجاه الصحيح وان شابتها كثيرا من الاختلالات لكن تستكمل نواقصها ولا تلغى عوائدها ضربة لازب.

عاب الغربيون على الصادق المهدى أنه رغم نقده الجهير لتجربة نميري الإسلامية الا انه لم يجرؤ على إلغاء القوانين عندما تقلد السلطة رئيسا للوزراء. وهو القائل انها لا تساوى ثمن الحبر الذي كتبت به.

وان تردده حسب زعمهم هو ما مكن للتيار الراديكالي من الاسلاميين من السلطة مع أبعاد العلمانيين عن التأثير والقرار، كما قال كولنز في كتابه عن تاريخ السودان الحديث.

لكن كما كشف منصور خالد في برنامج (الذاكرة السياسية) الذي بثته قناة العربية

ان نميري قرر تطبيق قوانين الشريعة ليسحب بساط الشرعية الدينية وحجج المعارضة السياسية من تحت اقدام خصومه لإطالة أمد حكمه.

ربما هذا يفسر أيضا موقف الصادق المهدى في آخر فترات حياته عندما تحفظ على تعديل القوانين ذات الطابع الإسلامي التي أقرتها حكومة عبد الله حمدوك رئيس وزراء الفترة الانتقالية، مؤكدا ان هذه التعديلات هي من مهام حكومة منتخبة تملك التفويض الشعبي وليس قرار حكومة انتقالية.

يشتجر حول منهج الإمام السياسي والفكري ثلاث طوائف، حيث يراه التيار اليساري العلماني في السودان أنه يمثل امتدادا للإسلام السياسي بل هو داعية للأسلمة والتعريب ضد الاقليات الثقافية وإنفاذ القوانين الإسلامية. بينما يراه الناشطون في تيار الاسلاميين انه أقرب لليبرالية وقيمها العلمانية من قوى اليمين الراديكالية، وانه بهذا الموقف يعتبر داعما ومساندا للمشروع الليبرالي العلماني.

اما الغربيون فيرون أنه ترياق مضاد للإسلام السياسي من باب المدافعة الديمقراطية وبسط الحريات واتباع نهجا وسطا معتدلا والتمسك بالحداثة وقيمها الليبرالية. ولعل تعدد وجهات النظر حول كسبه من مختلف تيارات الفكر وتوجهات السياسة تعكس قدرته الديناميكية على صياغة المواقف والمرونة العالية للتعامل مع تحديات الواقع، دون أن يفقد أصالة موقفه. وهو ما يعتبره البعض ترددا ومراوغة، لكنها ديناميكية كامنة تغذيتها المعرفة والحكمة للتعامل مع اقضية الواقع المتغيرة.

سقف المساومات ليس أبعد من توقعات القاعدة الشعبية:

يصدق على مواقف الصادق المهدى السياسية والفكرية ما قاله صديقه غراهام توماس البريطاني صاحب كتاب (موت حلم) ان الإمام الصادق المهدى لا يستطيع أن يحلق بعيدا في مساومات السياسة أكثر مما يتوقعه الانصار لأنه زعيم وفي لزعامته وناسه.

ربما شفرة هذا الموقف هو ما عبر عنه الشاعر عبد القادر الكتيابى في قصيدته عن الصادق المهدى التي كتبها في العام ١٩٨٦.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق