
عندما تحطّم الشعوب النصب التذكاريّة …!
الشرطة الألمانيّة تحت المجهر
كيف مات اللاجئ السوريّ أحمد بزنزانة انفراديّة …؟!
د. محمد بدوي مصطفى
يجب أن تتعلم الشرطة التعامل الإنسانيّ مع المواطنين
جاءتني رسالة عاجلة من صديقة مغربيّة عزيزة تسكن بمدينة مانهايم الألمانيّة سائلة: هل علمت بما حدث بالأمس في مدينة بريمن شمال ألمانيا؟ أجبتها بلا وأنه لم يتثنَ لي متابعة الأخبار. فما كان منها إلا أن أرسلت إليّ خبر مقتل شاب مغربيّ برصاص الشرطة الألمانيّة. حدث جلل سوف نعود إليه حتما بعد معرفة ملابسات الحادثة وسوف يسري في قنوات الإعلام الألماني دون أدنى شك.
مدهش حقا يا سادتي أنه وبعد مقتل جورج فلويد، يوما تلو الآخر، وبكل الميادين الكبيرة للمدن الألمانية لم تنضب نيران التظاهرات ولم تخمد اضطرامها، تلك النيران التي تتبناها – لحسن الحظ – أغلبية الفرق والجمعيات التي تحتوي على الشباب والشابات الألمان من أصول غير ألمانيّة، من بينهم أبناء وبنات أهالي الجاليات الشرقية، العربيّة والأفريقية وغيرها. كنت يوم السبت الماضي بصحبة بنتي وابني بوسط المدينة نشارك الجموع الكثيرة دأبها بساحة الموناستير بمدينة كونستانس بجنوب ألمانيا ووقفت على الكم الهائل من تجمعات هؤلاء الشباب والشابات ومدى عمق الكدمات النفسيّة المحسوسة والملموسة عن كثب والتي اسمعونا إيّاها مباشرة على الهواء بيد أنهم يحملونها في جعبتهم فضلا عن أرواحهم البضة التي عانتها السنين الطوال وليل نهار في ردهات المدارس والجامعات وفي حقول العمل الكثيرة وبين ترهات سبل العيش المرير! تحدث الكثيرون في تلك اللحظة عن قضايا الساعة بألمانيا وكانت في نهاية التظاهرة ساعة مفتوحة لإلقاء بعض الكلمات والآراء لمن أراد إلى ذلك سبيلا. حقيقة كانت تلك لحظة عجيبة أذ بدأت ببعض من بكاء صامت أو قل صمت باكي وبأحاديث الذّكر الأليمة والتي هي ليست بالغريبة عنّا إذ عاشها أغلبنا وسمعها بعضها عند الأصدقاء والأهل والأقارب. جاء إلى تلك الساحة الكل يحمل لافتات تندد بعبارات ضد التمييز العنصري وضد التفرقة البغيضة بين البشر ويشير بعضها إلى فتح بعض من ملفات قد أوصدت من قبل السلطات تعسفياً لا سيما حكايات أليمة لبعض من زهيرات الشباب من المهاجرين والتي راحت بالسنوات الماضيّة ضحية العنف الشُّرَطيّ وفتح أبوابها هؤلاء المتظاهرون علناً دون خوف أو اختفاء وراء الأستار، حتى ملف الدستور الألماني، تلك الوثيقة التي تحتفي بها ألمانيا أمام العالم قاطبة والتي تحمل في طياتها كلمة “سلالة” (RACE) والتي تتضمن بطبيعة الحال وجود سلالات عدّة من ألوان البشر وأنها ضمنا هي الفاصل بينهم لا الإنسان كما خلقه ربّ العباد! وينبغي علينا هاهنا أن نطرح السؤال الذي يتماشى حتما مع هذا المصطلح: ما هي السلالة العليا وما هي السلالة الدنيا بينها وهل من العقل أن ينطوي دستور ديموقراطيّ على هذه الكلمة التي تفرق بين البشر،وبين سحناتهم واختلافاتهم العرقيّة والإثنيّة؟ فمن بعض الأحزاب التي انبرت لمجابهة هذه القضية حزب الخضر الألماني، فهو يجاهر ولا يلوي على شيء إلا وأن يظهر للملأ خسران هذه المفردة السيميائية التي لا مكان لها من الإعراب ونحن في الألفيّة الثالثة من عمر البشريّة.
مقلت اللاجئ السوريّ أحمد، كيف كان
أظهرت بعض التحقيقات التي بثتها القناة الألمانيّة الأولى تطورات في قضية اللاجئ السوريّ أحمد والتي أثارت ضجة بالإعلام الألماني بعام ٢٠١٨. لقد حدثت وفاة الشاب أحمد نتيجة لحروق تعرض لها داخل زنزانة سجن من سجون هذا البلد، وكان ذلك في يوم ١٧ سبتمبر من عام ٢٠١٨. وطفقت حينئذ بعض الملابسات الغامضة إلى سطح الماء العكر إذ أنه وبعد مرور ثلاثة أسابيع من الاعتقال قام مكتب المدعي العام بمدينة براونشفايغ بإبلاغ شرطة المدينة المعنية بمنطقة (كليفه) بأنهم لم يعتقلوا الشخص الصحيح والمتهم بالقضية، أي المعني، بل أنهم قبضوا على شخص بالخطأ لا علاقة له بالأمر، فضلا على أن المكتب نفسه أكد للشرطة عبر مكالمات هاتفيّة بأن هناك اختلاف بالغ بين صورة اللاجئ (أحمد) الذي تم اعتقاله وصورة المتهم المطلوب من قبل العدالة.
تسرد القناة الألمانيّة الأولى قصة اللاجئ أحمد الذي جاء من سوريا طالبا الأمن والأمان هروبا من الحروب والتشرد وتحكي أن قصته بدأت في مدينة غيلدرن في أوائل شهر يوليو من عام ٢٠١٨. كان الشاب يجلس ذات يوم مع نفسه هانئا حالما على ضفة بحيرة المدينة. فجاءت الشرطة دون سابق إنذار وألقت القبض عليه بتهمة التحرش بأربع من النسوة واصطحب ساعتئذ إلى مديريّة الشرطة بنفس المنطقة دون أن يعلم أحمد نفسه ماذا جرى! وحسب روتين الشرطة الذي نعرفه، يتم أخذ بصمات وبيانات الشخصية المقبوض عليها وتقارن هذه مع بيانات أخرى لمتهمين في أرشيف الشرطة الوطني. لسوء حظ أحمد في هذا اليوم أن بياناته ربما تشابهت، بصورة أو بأخرى، وبيانات آخرين رفعت عليهم دعاوى ومذكرات قبض وهم من المطلوبين لدى العدالة. يطرأ على النفس تساؤلا هاما لحظئذ: هل كانت قصة القبض على أحمد حدثت بمحض الالتباس أو الصدفة؟ أم أن الشرطة لم تتخذ الإجراءات اللازمة للتحقق من بيانات المتهمين ومقارنتها مع بيانات أحمد. إن التقارير تشير إلى أن احتمالات الالتباس بين أحمد والأشخاص الآخرين مستبعدة تماما حسب البيانات التي بحوزة الشرطة. فالمشتبه الذي يبحثون عنه هو شاب أفريقيّ من مالي، ولد بمدينة تمبوكتو وملامحه الأفريقيّة بعيدة كل البعد عن ملامح أحمد ابن حلب الشرقيّة. إذن، كيف تجاهلت الشرطة هذه العناصر الهامة والعوامل المميزة للتفرقة بين الأشخاص ناهيك عن عامل اللغة الذي يعد الفيصل في التحقيقات التي ينبغي على الشرطة اتباعها. رغم كل ذلك فقد تم سجن أحمد وظهرت بعد ذلك لرجال الشرطة بيانات مشابهة لشاب سوريّ غير أحمد متهم بجرائم اعتداء جنسي. لذلك يمكن القول إن أحمد تواجد لسوء حظه في الساعة والمكان الغير مناسب في ذاك اليوم.
هل هنالك قضايا أخرى تعيب معاملات
الشرطة الألمانيّة
ليست قضية أحمد هي الأولى في تاريخ العنف الشُّرَطيّ بألمانيا إذ أن المظاهرات الأخيرة ذكّرت بجرائم وأحداث أخرى حدثت لشباب أُخر، من بينهم أناس تركوا بلدانهم لأجل العيش الكريم، مثال الشاب السيراليونيّ جالو. ففي حالة هذا الشاب، فقد أظهر تقرير طبييّ جديد أنه تعرض إلى التعذيب قبل وفاته. قضت المحكمة المعنية في هذه القضية بعدم فتح ملف التحقيقات في وفاة الشاب السيراليونيّ بعد ذلك بيد أن أسرته قدمت فيما بعد وبعد أن تأكدت أن هناك أسرار غامضة وملابسات لابد أن تظهرها العدالة، بطلب في أواخر شهر أكتوبر من العام المنصرم لدى المحكمة الإداريّة العليا بإعادة فتح التحقيق في القضية لمعرفة الأسباب الغامضة التي أدت إلى وفاة ابنهم الشاب. فكلما أمعنا يا سادتي النظر في تلك القضايا نجد الكثير الوفير من التناقضات وعلامات الاستفهام التي تنتظر الإجابة عليها. فهل تظهر الحقيقة يوما؟
تحطيم التماثيل يعيد الجدل حول شخصيات
تاريخية عربية
رأينا في الأيام السابقة في سياق التظاهرات الكبيرة “حياة السود مهمة” عمليات تحطيم التماثيل والنصب التذكاريّة للكثير من الرموز التاريخيّة التي لعبت دورا رئيسا في استعباد البشر وفي انتهاك حرمات الإنسانيّة. وكانت آخر تلك النصب هو تمثال المستكشف الإسباني كريستوفر كولومبس في الولايات المتحدة. لم تقف حملة التحطيم على حدود الولايات المتحدة الأمريكيّة فحسب بل اتسعت رقعتها إلى أوروبا ومن قبل رأيناها في حملات الربيع العربي في العراق عندما حُطم تمثال صدام حسين، وفي ليبيا وأماكن أخرى من الوطن العربيّ. أشعلت هذه الحملات جدلا عميقا في الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعيّ حول إزالة التماثيل المتعلقة بقادة الاستعمار وبتجار الرقّ والعبيد والشخصيات التاريخيّة المثيرة للجدل. طُرح في هذا السياق العديد من الأسئلة المتعلقة بدلالات استئصال هذه النصب الرمزيّة وإن كانت هذه الطريقة ناجعة لمحاربة العنصريّة؟!
الاحتفال بإزالة النصب
نجد أنفسنا هذه الألفيّة بصدد عصر نادر ومتميز ألا وهو عصر سقوط الرموز التاريخيّة قديما وحديثا والتي أثّرت بشكل فعّال على الحياة السياسية سلبا ذلك وبكل بلدان العالم وخصوصا تلك التاريخيّة منها والتي حطمت كل الأرقام القياسيّة في منظومة الاستغلال الإنسانيّ والظلم والجبروت الممنهج عبر آليات الاستعمار والاسترقاق وهضم ثروات الشعوب. يمكن أن نفسر عمليات التحطيم بأنها تتخطى بمدلولاتها تاريخ دثر الأيقونات وأن النصب التي تم ابادتها وتدنيسها تبشر ببداية حياة ربما يوتوبيّة فاضلة قد تمحي أثر الظلام القابع على الأنفس طيلة عقود طوال. هل هدف هذا التحطيم يتمخض فقط في أنها تذكرنا بلحظات خالدة في ذاكرتنا الجمعيّة وأن القيد قد تلاشى وانكسر وأن الأنظمة البغيضة قد راحت هباء الريح؟ أم الهدف والأساس منها أنها متنفس للغضب الجماعي العارم على القيادات السياسية التي حكمت بقبضة من حديد وإشارة لكل نفس تروم الحريّة أن موعد الاحتفال قد حان بزوال النصب ورائحة الطغيان إلى الأبد. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق يقول: ما الذي سيتغيّر مع تحطيم هذه الرموز من المشهد العام للأمة؟ أهو وعيها الجمعيّ؟ أم هناك آثار أخرى على الوعي الأمويّ قد يقودنا إلى متغيرات ومعادلات لا نحسب لها حساب؟
أين متحف النصب المحطمة في الشرق العربيّ؟
بينما نجد بالمجر في حديقة ميمينتو مكانا قد خصص لكل النصب التي حُطمت قبل أربعة عقود بعد زوال حقبة الحكم الشيوعيّ بالبلاد تفتقد الأمّة العربيّة لمتحف مماثل تشاهر به نصب الرؤساء العرب الذي تركوا بصماتهم ببلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رؤساء حطمت شعوبهم أنصبتهم قائلين لهم حينذاك فلتذهبوا إلى الجحيم!
للأسف لم تجد هذه العلامات التاريخية الهامة في تاريخ الشعوب العربيّة أي اهتمام، لكن لماذا، لأننا نعيش اللحظة وننسى ما حدث بالأمس، أم أننا نعود بعد انتكاسة أو أخرى إلى ماضي الطغاة وذكرى تعظيم شأنهم بعد فترة وجيزة لأن الحكام الجدد الذين أتوا بعدهم أثبتوا أنهم أسوء منهم. فإلى أين نسير وإلى أين المصير يا شعوبنا العربيّة؟!




