سياسة

من الثالث؟

وليد دبلوك

نظرتنا في امر المناهج بشكل عام هو أن تغيرها واجب بشكل جازم وعاجل، بسبب أنها وضعت من قبل النظام البائد بشكل يرسخ لخلق مجتمع بصفات معينة اهمها الخضوع لسلطانه، مستخدمين في ذلك كل السبل والطرق والادوات المختلفة مشروعة وغير مشروعة، وكان التعليم أحد هذه الادوات. فعمدوا إلى تغيير السلم التعليمي العريق برمته وبشكل متسرع، ثم دلفوا إلى داخل المناهج فعاثوا فيها تغييرا بشكل كلي، بما يتوافق والفكر والغايات التي تتماشى والأيدلوجية التي يعتنقونها، ولأنه عمل تم دونما دراسات جادة ومستفيضة ومتأنية كانت النتيجة هي الفشل المطلق، وكمية هائلة من الخريجين بلا حصيلة معرفية علمية حقيقية ينتظر منها الكثير، كما انهم ارتهنوا لاتباع منطق الكم دون الاخذ بالكيف، فكانت الكثرة بلا عبرة.

وعلى مستوى التقييم التحصيلي للتلاميذ والطلاب، أدت المناهج المستحدثة على عجل وبلا رؤية قومية ومن دون استصحاب عقليات متخصصة ومؤهلة في شأن وضع المناهج والتي كانت مليئة لحد كبير بكثير من الاخطاء الشكلية والموضوعية ودرست رغما عن ذلك، إلى تدني الحصيلة المعرفية للتلاميذ والطلاب، وضعف في المستوى الأكاديمي بشكل مريع.

ومن الطبيعي بعد الثورة ان تبرز الحاجة بشكل كبير إلى تغيير كبير للعملية التعليمية برمتها، شكلا من حيث العودة إلى السلم التعليمي القديم، ومضمونا من حيث تغيير المناهج لتفريغ التعليم من الاستلاب الفكري والنأي به عن الاستقطاعات السياسية، والسعي في ذات الوقت إلى رفع القدرة الاكاديمية للطالب من خلال مناهج تراعي التطور العام في كل مناحي الحياة.

وكنتيجة لهذا التوجه تم تعيين دكتور عمر القراي مديرا للمناهج والذي ما ان تولى منصبه حتى انطلقت سهام الانتقاد نحوه بشكل مكثف ومتتابع.

والقراي اختلفنا معه او اتفقنا هو موظف تم تعينه في وظيفة معينة، وقد بدأ يمارس وظيفته في حدود صلاحيات محددة.

وللذين يرهنون امر وضع المناهج ويختزلونه في شخص القراي وحده،  نقول ان وضع المناهج عملية كبيرة تستلزم تكوين لجان مختصة تضم في عضويتها مختصون واساتذة وخبراء وفنيون كل في مجاله وتخصصه،  لان وضع المناهج امر لا يمكن بل من الاستحالة بمكان ان ينفرد شخص واحد بوضع مناهج متعددة لمستويات تعليمية متعددة،  لأنها عملية بها تعقيدات وتتنوع فيها  التخصصات تنوعا فنيا واكاديميا  يستحيل معه ان يجمع فرد مهما اوتي من علم ما بين كل العلوم وكل التخصصات بلا استثناء،  وتأتي بعد ذاك مرحلة طرح المنهج على عدة اجهزة ومؤسسات واهل الاختصاص من المختصين والباحثين التربويين لإبداء الرأي قبل الخروج به في شكله الاخير،  ثم خضوعه لتدريس تجريبي لفترة معينة للتأكد من ملائمته وجاهزيته للدفع به كمنهج مكتمل،  وعلى ذلك كان من الممكن بمكان مطالبة دكتور القراي بمراجعة لجانه لإعادة النظر فيما نشب فيه الخلاف الاخير،  وفي سبيل ذلك الوسائل والطرق متاحة ومتعددة،  وقد سبق ان تم الاعتراض على بعض النقاط في مادة التربية الاسلامية وتم اعادة دراسة النقاط مثار الخلاف وتعديل ما ثبت انه يستحق التعديل،  فلا معصوم من الخطأ الذي هو من صفات البشر..

وفي خضم هذا الجدل الكثيف والضجيج الذي ثار غباره، والزخم الذي ملأ الاسافير، والانقسام بين مؤيد ومعارض، أتى قرار السيد حمدوك بتجميد العمل بالمناهج وتكوين لجنة لدراسة الامر.

وفي تقديري ان السيد حمدوك لم يكن موفقا لا في قراره من الناحية الادارية، ولا في الكيفية التي اتخذ بها قراره. إذ كان الاجدر به ان يعمد إلى الجلوس مع كافة الاطراف المعنية ذات الاختصاص من الاساتذة الذين لا شك في غزارة علمهم وخبرتهم وسماع وجهة نظرهم في الموضوع قبل اتخاذ اي قرار حتى يكون مبنيا على اساس سليم.  كما ان الكيفية التي اتخذ بها القرار كانت متنافية مع التدرج الوظيفي والاداري لان فيه تجاوز لوزارة التربية التي تندرج تحتها إدارة المناهج، فكان تجاوزا غير مقبول وان لم يخرج عن سلطات السيد رئيس الوزراء، فضلا عن ان المسألة تبدو قاسية بعض الشيء بالنسبة لشخص دكتور القراي، إذ كان الاوفق به ان يجتمع مع دكتور القراي وفي حضور وزير التربية والتعليم التي يتبع لها مدير المناهج والتفاكر، وإن استعصى التوافق قدم القراي استقالته بشكل يحفظ للرجل مكانته، بدلا عن قرار يظهر رئيس الوزراء قد نصر خصومه عليه.

قرار السيد حمدوك قرار يظهره بمظهر الراضخ للضغط، وسيجر عليه هذا القرار الكثير من الانتقاد إن لم يكن قد نال منه ما نال وسيظل، وعليه الاستعداد لسماع المزيد من الصراخ والضجيج لطالما نجح الامر معه لتنفيذ ما يطلبه الصارخون، وقد نجح الاسلوب من قبل مع دكتور أكرم وها هو اليوم ينجح مع القراي، ونصيحتي للثالث ان يهيئ نفسه لأنني اعتقد ان الثالث على رادار الصارخين لن يخرج من اضابير وزارة العدل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق