سلايدرسياسة

بين السودان وإثيوبيا… عداء مستحيل

جمال محمد إبراهيم

(1)

تتملّكني حيرةُ لا أملك أنْ أردّها، وأنا أرى هذه العلائق بينَ السودان وإثيوبيا تتردّى في كلِّ يومٍ بأكثر ممّا قبله من أيام. أريد لقلمي أن يكتب مقالاً في الموضوع، لا يفارق التحليل الموضوعي ولا الرؤية السياسية، فلا يطاوعني قلمي من فرط طغيان العاطفة على قلمي، وقد مارس الدبلوماسية، وشـبَّ وهو يرى حميم التواصل بين بلادي السّودان والجارة الشقيقة إثيوبيا، عميقاً راسخا. أنا من جيلٍ تفتّح على بروزِ الزّعماءِ الكبارِ في قارّة أفريقيا وقد تنادوا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يتداولون في شأن الوحدة التي تجمع شعوب تلك القارّة، بعد أنْ نالت معظم البلدان فيها استقلالها. كانت القيادات العظيمة تلك، ومنها جمال عبد الناصر ومحمد الخامس وكوامي نكروما وسيكوتوري وموديبو كيتا وسواهم من كبار القارّة، قد التقوا في ضيافة “أسد يهوذا”: الإمبراطور هيلاسلاسي. العاهل الإثيوبي هو عرّاب ذلك اللقاء التاريخي الذي ولدت بعده منظمة الوحدة الأفريقية في 25 مايو/ أيار عام 1963. توافقتْ تلك القيادات على ميثاقٍ جامع، وكان عددها إذّاك فوقَ الثلاثين دولة، والآن هو فوق الخمسين دولة. حين بلغتْ تلك المنظمة عام 2002، صار اسمها الاتحاد الأفريقي، ولكن بقي ميثاقها يحظى بالقداسة نفسها والاحترام نفسه، بل والالتزام نفسه. .. ولا أظن أن زعيما في إثيوبيا، مثل رئيس وزرائها أبي أحمد، يجهل ذلك التاريخ، وإنْ نعلم أنه من مواليد سبعينات القرن الماضي.

(2)

من انشغالات تلك المنظمة الأفريقية، ومنذ لحظات إنشائها الأولى، أن تعمل على توطيد اللّحمة بين شعوب القارّة الأفريقية، وأن يتعزَّز استقلال دولها، وأن تجاهد لفكِّ أسر بقية شعوبها التي ما زالت ترزح تحت نير الاستعمار البغيض. ولعلّ أهم ما نادت به تلك المنظمة، ونصّ عليه ميثاقها، أنْ تنأى تلك البلدان الشقيقة عن التدخل في الشؤون الداخلية في بلدان أعضائها، وألا تبرز ما يُهدّد وحدتها، بابتدار منازعاتٍ أو ملاحقة مطامع ممّن هو أقوى على من هو أضعف. لذا كان النصُّ واضحاً في ميثاقها أنْ يظلّ الاحترام باقياً على تلك الحدود التي رسختْ بعد رحيل الاستعمار.

لمّا استشعرتْ المملكة المغربية أن تجاوزاً قد وقع في ما يتعلق بحدودها التاريخية، وأنّ معظم عضوية المنظمة الأفريقية أقرّتْ الإعتراف بجمهورية جبهة البوليساريو دولة في الصحراء الغربية، جنحتْ للخروج من تلك المنظمة، إذ رأت أن الميثاق (كما التاريخ) لا يوافقان ما مالت إليه المنظمة بذلك الاعتراف. ولم تبلغ الصحراء أن تكون دولة كاملة المعالم.

(3)

إنْ جئنا على ذكر العلاقات السودانية الإثيوبية، فإن بينهما من العلاقات ما هو ضارب في عمق التاريخ، فما دولة “كـوش” التي قامت قبل آلاف السنين في الإقليم الممتـد من جنوب مصر وإلى العمق الأفريقي الشرقي الحالي إلّا السّودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي. ذلك تاريخ قديم لن نسرف في تبيانه هنا. ولكن الأكثر حداثة هو دور السودان، والذي كان تحت سيطرة بريطانيا في النصف الأول من القرن العشرين. شارك السودانيون ضمن حراك الحلفاء في صد العدوان على إثيوبيا خلال الحرب العالمية الثانية. يحفظ الإمبراطور “أسد يهوذا” كيف خرج من بلاده طريداً، وآوته لندن في سنوات الحرب تلك. عاد إلى السودان من لندن، وانتظر في صيافة الشريف الهندي، وهو زعيم طائفة سودانية له شأن وعظيم مكانة في السودان. حين انهزم جيش موسوليني في الحبشة، عاد الامبراطور هيلاسيلاسي إلى عرشه المكين في أديس أبابا. ظلّ الإمبراطور يلهج لسانه بهذا الفضل حتى أيامه الأخيرة. ذلك مثلٌ واحد ممّا رسخ بين البلدين من صميم العلائق وحميمها، لا تبلى ولا تغيّب.

(4)

وللسياسة في البلدين تقلّبات وانقلابات، ولكن تبقى الوشائج على متانتها في السراء كما هيَ في الضرّاء. يلوذ المعارضون السودانيون، حين تضيق بهم الخرطوم، ليقيموا في أديس أبابا، ويلوذ معارضو إثيوبيا بالخرطوم إن طوّحت بهم السياسة.

قادة إثيوبيا غادروا من الخرطوم إلى أديس أبابا، أعزة أقوياء ليقودوا بلادهم بعد سقوط الطاغية منغستو هايلي مريام. أما قادة إريتريا، فقد احتفلوا باستقلال بلادهم في الخرطوم عام 1990، قبل أن يصلوا إلى عاصمتهم أسمرا. لا يكاد يتصوّر سودانيّ أن ينشأ نزاع حول حدود بلاده المشتركة مع إثيوبيا أو مع إريتريا. حكمتْ حدود السودان مع الحبشة (كما كانت تعرف أول القرن العشرين)، اتفاقية وقعها الحكامُ البريطانيون باسم السودان مع السلطات الإثيوبية، وأقرّت عبر كلّ هذه السنوات، ثم روجعتْ في الخمسينات في القرن الماضي، بغرض إكمال ضبط الحدود. وتمّ في 1972 توقيع إكمال تحديد الحدود وفق خرائط وعمل ميداني أنجز بتراضٍ كامل بين البلدين.

(5)

منطقة “الفشـقة” التي بدتْ نُذر نزاعٍ مسلّحٍ تتصاعد حولها هي أراض سودانية خصبة ضمن حدود السودان. ولكن من أفضال السودانيين هناك أن شارك مزارعون وعمّال زراعيون من إثيوبيا في أخصب أراضيهم. ما تصوّر السودانيون أنْ يأتي بعد سنوات من اقتسام العيش من يدّعي أن تلك الأرض مِلك له بوضع اليد، لا بنصوص اتفاقيات مرعية. بما أنّ الوالغين في أوّل ذلك النزاع هم أفرادٌ من مليشيات إثيوبية سلحوا أنفسهم، لكان الأوْلى أنْ تتفق السلطتان في الخرطوم وفي أديس أبابا لاحتواءِ النزاع، ولكن أنْ يجنح الجيش الإثيوبي للدفاع عن المعتدين من رعاياه، فتلك قاعدة “أنا وابن عمي على الغريب”، وهي قاعدةٌ لا مكان لها قولاً أو فعلاً، لما بين البلدين والشعبين من قواسم لا تعدّ ولا تحصى، وجذورها ضاربةٌ في تاريخ يبلغ مداه آلاف السنوات.

(6)

حينَ جاء أبي أحمد ليساعد في تهدئة النفوس في الخرطوم، وليقترح حلولا وصياغات تحكم الفترة الانتقالية بعد إسقاط نظام عمر البشير وأزلامه في الخرطوم، لم تكن مبادرته خبط عشواء، أو فعلا منبتا لا أساس له في التاريخ البعيد أو القريب.

قدّر السودان مساعي الرجل، ولم يردّه بأنّ مبادرته تدخل في شؤون البلاد الداخلية، مثلما رُدتْ مبادرة السودان في الصراع الدائر بين الحكومة الإثيوبية والتيغراي. جاءته جائزة نوبل للسلام، لأنهُ أثبت مصداقيةً عاليةً حين أنهى، بشجاعة فائقة، عداء عشرين سنة بين إثيوبيا وإريتريا، ولكن أيضاً، وكما أشار مانحو الجائزة، أنه أثبت قدرة عالية لإقرار استقرار وسلام في كامل المنطقة. لم يردّدوا بالحرف أن الرجل ساعد في استقرار السودان وثورته البطولية، لكن بذكر تلك الفقرة في حيثيات منحه الجائزة فقد ألمحوا إلى دوره في ثورة السودان. يحفظ السودانيون للرّجل فضل إسهامه، كما يظل تقديرهم للشعب الإثيوبي الشقيق عظيما راسخا مستداما.

(7)

لنا ثقة في السودان بأن يستشعر الزعيم الإثيوبي روح الوحدة الأفريقية التي رعى بذرتها كبار القارّة الأفريقية في أديس أبابا، قبل أن يولد هو بنحو عشرة أعوام، ونثق في أن يراجع ما في ميثاق تلك المنظمة الأفريقية ما يعيننا (السودان وإثيوبيا) على التفاهم بالحسنى، والسعي إلى استعادة صفاء النفوس من غلواء نظرٍ ضيق، فيما يواجه البلدان واقعاً أكثر تعقيداً وتحدّيات، أقلها هجمة جائحة لا تفرق بين “خرطوم” أو “أديس” أو “فشقة”.

في خاتمة المطاف، لنا ثقة بأن ابن القارة الأفريقية، أبي أحمد، سيحافظ على مصداقية تلك المساعي التي بذلها وقدّرها المجتمع الدولي، وقلّده عبرها أرفع وسامٍ للسلام، فينظر باحترام مطلوب لما توافقت حوله القيادات الأفريقية التاريخية لاحترام تلك الاتفاقيات التي تحكم السيادة والحدود والمياه.

(نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق