سياسة

قراءات

عوامل تكوين إسرائيل (2)

محمدالمنتصر حديد السراج

في معرض حديث ثيودور هرتزل عن الثورة القومية اليهودية وتأييد جميع طبقات الشعب اليهودي لها كما يقول، أشار الى الطبقات الموسرة ورغبتها في الهجرة الى فلسطين، واستدرك بقوله: (لكن أفقر طبقاتنا تكفي لإقامة دولة).

إلا أن اليهود الفقراء والبسطاء يحتاجون، على الرغم من كونهم أول مؤيدي الحركة (الصهيونية)، الى التنوير. صحيح أن هؤلاء (لم يفقدوا أبدا أمل الرجوع الى أرض الميعاد) لكنهم قد يظهرون ترددا إزاء مغادرتهم لبيوتهم وأوطانهم. ويعترف هرتزل بأن (السجناء القدامى لا يبارحون زنزاناتهم عن طيبة خاطر). لذلك نجده يصر بأن (الفكرة سوف تشق طريقها الى أقصى الزوايا وأشقاها حيث يقيم شعبنا. سوف يستفيقون من كبوتهم المكفهرة، لأن معنى جديدا سوف يدخل الى حياتهم. و إذا فكر كل إنسان بنفسه فقط، فكم تكون النسب الهائلة التي تتخذها الحركة في عدادها؟).

غير أن النداء موجه الى جميع اليهود:

(إ نها هنا، يا إخواني اليهود! ليست خرافة ولا خدعة! كل إنسان يستطيع التأكد من حقيقتها بنفسه، لأن كل إنسان سوف يحمل معه قطعة من أرض الميعاد …قطعة منها في رأسه وأخرى في ذراعيه وأخرى في ممتلكاته المكتسبة.)

ويدعم هرتزل هذا التصريح المذكور بواسطة المصالح الخصوصية التي يتم تحقيقها عن طريق المقاييس اليهودية المختلفة، بينما تمضي الحركة القومية اليهودية في شق طريق تطورها. وكمثال على ذلك يذكر:

* يشعر اليهود الموسرون بارتياح نسبي بينما تهاجر البروليتاريا اليهودية لإقامة الدولة. و قد برهنت التجارب على أن الضغط السكاني اليهودي ينعكس على ردود الفعل ضد يهود الطبقة الوسطى. لذلك تعمل إزاحة القطاعات اليهودية الفقيرة على إتاحة فرص أكثر أمام الأغنياء لكي يعيشوا حياة هادئة مطمئنة. فيما لو وقع اختيارهم على البقاء في بلدانهم الأصلية.

و تؤدي هجرة اليهود (الفائضين) أيضا الى تخفيض نوعين من التنافس الذي يواجهه الأغنياء : التنافس الكامن الذي قد يبرز من جراء قيام قطاع في البروليتاريا اليهودية بترفيع نفسه الى مستوى الطبقة الوسطى ، و التنافس المسيحي . فالنوع الأول سوف يحد منه، إن لم يتم منعه، كنتيجة للهجرة، أما التنافس الثاني فسوف يتضاءل لأن المسيحيين يشعرون بالارتياح عندما يخف الضغط اليهودي في المجتمع. وبناء عليه سوف يشعرون أقل بوجود منافسيهم اليهود ويتوقعون في الوقت نفسه أن يتناقص عددهم طالما تتابع عملية الهجرة سيرها.

فلا عجب إذن، في نظر هرتزل، من العثور على جمعيات يهودية يدعمها اليهود الأغنياء بقصد تسهيل هجرة البروليتاريا اليهودية. إلا أنه يعتبر المشاريع الخيرية اليهودية بهذا الصدد على أنها تمثل ناحية من نواحي العداء للسامية. فهو يستنكر هذه المساعي الخيرية في كلامه التالي: (هذه المؤسسات الخيرية لا توجد لأجل اليهود المضطهدين بل ضدهم. لا بل هي توجد لترحيل هذه المخلوقات الفقيرة بأسرع ما يمكن و الى أبعد مكان ممكن، و هكذا ينقلب من كان صديق اليهود في الظاهر، عند الفحص الدقيق، الى مجرد إنسان يهودي الأصل و معاد للسامية، إنما يتستر برداء صانع الخير و الإحسان).

* المثقفون و المهنيون اليهود…يعد هرتزل هذه الطبقة بفرص جديدة في (الدولة اليهودية). (المحامون و الأطباء و العلماء من كل نوع و حقل ، و التجار و الشباب … و بالواقع جميع اليهود الباحثين عن الفرص و الذين يهربون الآن من العسف في بلدهم الأصلي سعيا وراء كسب الرزق في بلدان أجنبية …سوف يجتمعون في أرض ملأى بالوعد الحق ) .

ويرى هرتزل حسنتين تنشآن عن هجرة المثقفين بوجه خاص. هذه الجماعة تلتفت صوب الاشتراكية في أكثريتها داخل موطنها الحالي. ثم يعمل الرحيل على تخفيف حدة الصراع الطبقي والتقليل منه، مما يؤدي بدوره الى إراحة يهود الطبقة الوسطى من ثقل الضغوط التي توجه ضدها بسبب النشاطات الاشتراكية التي يقوم بها إخوانها اليهود. وسوف يجد المهاجرون الاشتراكيون منفذا جديدا لعقيدتهم الاشتراكية في الأرض الجديدة. ولسوف تقدم لهم الدولة الجديدة شعور الرضا والاكتفاء، وذلك عن طريق تشغيل طاقتهم العملية واستثمارها. وقد اعترف هرتزل بذلك حين قال: (لأننا سوف نسير الى أرض الميعاد حاملين شعار العمل).

* عامة الشعب …أما فيما يتعلق بهذه الفئة اليهودية فلا يمكنها أن تخسر شيئا ، بل على العكس سوف تكسب حياة جديدة. وهناك أيضا مسألة تحقيق أمانيها الدينية، أي في استعادة أرض الميعاد، فيما لو تم الحصول على فلسطين.

لقد صمم هرتزل (الدولة اليهودية) لأجل جماهير الشعب اليهودية. فاليهود من أصحاب الدخل المرتفع يمكنهم القدوم فيما بعد لو شاءوا ذلك. وتنص الخطة بأن (أفقر الفقراء سوف يجيئون في البدء لحراثة الأرض … وبناء الطرق والجسور والخطوط الحديدية والمواصلات البرقية، والتصرف في مياه الأنهار وتشييد مساكنهم الخاصة. وسوف يخلق عملهم تجارة، والتجارة توجد الأسواق بدورها، والأسواق سوف تجتذب المستوطنين الجدد). وسوف تأخذ على عاتقها كل من (جمعية اليهود) و (الشركة اليهودية) مهمة نقل الجماهير اليهودية الفقيرة وتوطينها.

أما توطين الفائض من اليهود فإنه يتضمن الأمن بالنسبة لهم وبالنسبة الى اليهود الذين يختارون البقاء في بلدانهم الأصلية. و يصبح هذا بشير سلام و تفاهم بين اليهود و العالم، سواء كان اليهودي فقيرا أو غنيا. لذلك تحمل هجرة عامة اليهود رسالة إنسانية في طياتها. و تستمد الجماهير اليهودية من رحيلها لإعادة بناء الدولة شعورا بالهدف و المغزى الإنساني، و يعمل بالتالي لصالح قضيتها القومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق