سياسة

عن الجوائح التي تفترس لبنان

علي شندب

باتت أعمال الكسر والخلع لأجل السرقة خبرا عاديا في لبنان. وباتت التقارير الأمنية والإعلامية اليومية تزخر بأخبار السرقات، كما تزخر بتحقيق أجهزة الأمن “سبق أمني” عبارة عن توقيف او اعتقال بعض اللصوص، كما وفي المنع الاستباقي لبعض عمليات السرقة، كما تتضمن بيانات الأمن الداخلي الكشف عن عدة عمليات قتل مشبوهة او بظروف غامضة (مثل اغتيال جو بجاني) او عمليات انتحار ضاعفت من ضخ أجواء الخوف بين اللبنانيين ومن حقيقة ما يرجح أن يشهده لبنان.

صحيح أن الانهيار الاقتصادي والمالي هزّ مرتكزات الأمن الاجتماعي وأشاع نوعا من التفلت الخطير لتفشي ظاهرة السرقة ما بات يهدد الأمن المجتمعي في لبنان. وترجع دراسات وتقارير عدة تنامي ظاهرة السرقات لمرحلة ما قبل غزوة كورونا التي سبقت انطلاق ثورة 17 تشرين 2019، التي شكلت بدورها الوقود الحيوي الذي فجّر مكبوتات اللبنانيين قبل نقمتهم على الطبقة السياسية اللبنانية بكلها وكلكلها، كما أطلقت صرخاتهم المعزّزة برجع الصدى العنان لمشهد وحدوي غير مألوف في الاجتماع اللبناني عبّرت عنه العبارة الاستراتيجية القاتلة “كلن يعني كلن”.

صحيح أن جائحة كورونا قد أرخت بظلالها على الواقع اللبناني بفعل قرارات التعبئة العامة المرتجلة، قبل قرار الاقفال العام الاخير، ما ضاعف بكثير عدد الاصابات وعدد الوفيات التي جعلت لبنان يتنافس مع قلة من الدول على موقع الصدارة في تفشي الوباء وليس في مكافحته. وما قرع القطاع الصحي جرس الانذار ما بعد الأخير لخروج كورونا عن السيطرة، إلا تعبيرا عن المأزق العميق الذي يهدد أمن اللبنانيين الاجتماعي انطلاقا من قرب انهيار القطاع الصحي وتداعيه في ظل التخبط بين أركان المنظومة حول نوعية اللقاح الأنجع وكيفية استجلابه. وهي الكيفية التي يقرؤها اللبنانيون نظرا لانعدام ثقتهم بالمسؤولين، توزيعا عادلا لنسب عمولة عقود اللقاح بين أطراف المنظومة.

لكن وبعيدا عن كورونا وتداعياتها غير المعلومة على وجه الدقة، لأن أعداد المصابين الحقيقية تتجاوز بأضعاف مضاعفة الأعداد المعلنة بحسب تصريحات المسؤولين في وزارة الصحة، فإن هذه الجائحة وبسبب اجراءات الاقفال للوقاية منها، وضعت شرائح لبنانية واسعة وجها لوجه أمام جائحة الجوع سيما في البيئات الفقيرة التي تعتاش من عملها اليومي، في حين أن الاعانات المتواضعة التي تقدمها الدولة لا تكفي فقراء لبنان حاجة ايام معدودة، خصوصا بعدما نال انهيار سعر الليرة امام الدولار المرشح لمزيد من الانيهار، على القيم الشرائية لكافة السلع الغذائية المحلية والمستوردة.

لكن هل فعلا يقف فقراء لبنان وراء تنامي ظاهرة السرقة بوتيرتها المرتفعة؟.

تكشف الوقائع الميدانية المساقة على ألسنة الناس، الكثير من القصص التعاضدية مثل توزيع الخبز وبعض الأغذية على بعض البيوت في الأرياف، كما في أزقة الفقر في شوراع طرابلس الداخلية على سبيل المثال، وبالقدر عينه تكشف عن بعض أعمال السرقة وتصنيفاتها، فبالحد الأدنى هناك نوعان من السرقة.

الأول، هو سرقة وجيهة ومبرّرة يتحدث عنها ما يمكن تسميته بالوجدان الجمعي للفقر والجوع. الوجدان الذي تمكن من رصد عدة حالات سرقة وستر على فاعليها، بنفس القدر الذي ستر فيه المسروق على السارق.

فعلى سبيل المثال دخل لصوص لأحد المنازل ولم يقتربوا من الخزائن او ما خفّ حمله وغلا ثمنه، وانما توجهوا مباشرة الى الثلاجة وأخذوا بعضا مما تحتويه من مآكل وخرجوا.

وفي مكان آخر دخل لص بيت مدجّج بالثريّات الفاخرة والتحف الغالية وحتى مصوغات الذهب وغيرها، لكن اللصّ يمّم يده باتجاه علبتي حليب أطفال كانتا على طاولة المطبخ، وغادر دون الالتفات لغيرهما.

وفي احدى قرى الضنية التي يلفّها الصقيع هذه الأيام، رصد صاحب أحد المنازل عند اذان الفجر لصاً يسرق المازوت من خزّان جرّاره الزراعي، وقد أصيب بالدهشة عندما وجد اللص يرفع يديه الى السماء وتردد شفاهه ببعض أدعية الاستغفار والمسامحة كما رصدها صاحب البيت، الذي عرف السارق فلم يفضحه بل ستر عليه، وفي الصباح طلب الى بائع مازوت تزويد اللص بالمادة باسم “فاعل خير”.

فاعل الخير هنا، هم أشخاص كثر لا يعرفون بعضهم، لكنهم ينتحلون اسما واحدا لهم جميعا هو فاعل خير. أشخاص ينصرفون في أعماق الليل للقيام بما يستطيعون تقديمه، خبزا او مازوتا او حطبا او دواء او سلة غذائية دون ضجيج ولا دعاية، دافعهم لذلك حافزهم لترسيخ التضامن الأهلي ومنع انهيار هذا الزقاق او تلك القرية، لأن في ذلك مسّا بكرامة الجميع.

الثاني، هو السرقة المنظمة، وهي مهنة قديمة سابقة لجائحة الفقر وكورونا والانهيار الاقتصادي، وسابقة لكل الجوائح والكوارث والصراعات والحروب. وهي سرقة متناسلة أو موازية للسرقة النظامية التي امتهنتها منظومة الفساد والمال والسلطة والسلاح في لبنان. وتجد عصابات السرقة المنظمة في أركان هذه المنظومة قدوة حسنة.

فعصابات السرقة المنظمة وجدت في الظروف الحالية سوقا رائجة لها، وهي لذلك طورت أعمالها مستفيدة من ثقل الانهيار الاقتصادي والكوروني كما ومن وسائل التواصل لتنظيم غزواتها وتأمين انسحابها وافتعال اشكالات موضعية تهدف الى التغطية على سرقاتهم البشعة.

واذا كان فاعل الخير هو من أبناء الزاروب او الشارع او القرية، فإن عصابات السرقة المنظمة غالبا ما تكون غزواتهم خارج مناطقهم وأحيائهم حتى لا يتم معرفتهم او الاشتباه بهم. لكن غزواتهم هذه باتت تنافس وتضر بصغار اللصوص سيما وأنها تضعهم في أجواء الشبهة قبل أن ينكشف السارقون المحترفون.

ما نحن بصدده ليس رصد هذه الظاهرة وتفكيكها، وانما القول من خلالها، أن الوضع اللبناني في مهب رياح وعواصف عاتية، فالحوادث التي تعصف به ومنها انفجار مرفأ بيروت الهيروشيمي، وحالة الانكار التي يعيشها أهل المنظومة، وإشاحتهم النظر عن سفينة التايتنيك وهي تغرق كما قال ناظر الخارجية الفرنسية، وانتظارهم تسلم بايدن مفاتيح بيت الابيض علّه يتراجع عن العقوبات التي فرضتها ادارة سلفه ترامب على بعض المسؤولين بسبب اقترابهم من حزب الله مثل الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، او بسبب الفساد وفق قانون ماغنيتسكي كحال جبران باسيل، حيث يجترح ساكن قصر بعبدا كل المعوقات التي تقصي صهره باسيل عن صدارة المشهد السياسي المثقل بالمهانة، كما وتمنع تشكيل حكومة اصلاحية تستنقذ لبنان من الجوائح التي تفترسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق