سياسة

لا خيار سوى الاستمرار

وليد دبلوك

والبعض يتحدثون عما نكتب، واصفين كتاباتنا بانها تصب في خانة النقد المستمر والمباشر والصرف المجرد، ويرون ان كتاباتنا مجرد نقد معيب او ناقص لأنه لا يقترح الحلول لما ننتقده في أداء الحكومة الحالية ..

  ونرد على منتقدينا باننا نضع الحلول في كل ما نكتب بشكل صريح وواضح إيمانا منا باننا ككتاب ينبغي ان يكون دورنا الاساسي والصحيح هو تسليط الضوء على مكامن القصور وكشف الاخطاء حتى يلتفت المسؤولون لما نكشفه لهم ويتداركون الامور حلا وعلاجا، هذا هو مبدأي وغاية مقاصدي في عالم الكتابة والقلم …

وكأمثلة على ما سبق وكتبناه بنسق النقد المبرح – كما يقول ناقدوا كتاباتنا – انتقدنا من قبل كفاءة الطاقم الوزاري وأدائهم الضعيف، وطرحنا الحلول بانها تكمن في إحسان الاختيار بعيدا عن المحاصصات الحزبية، والارتهان للكفاءة والخبرة كمعيار للاختيار 

   وأثبطنا الهمة والعزيمة عندما اشرنا بان السودان لن يتقدم ولو امطرت السماء ذهبا وكان نقدنا عندئذ منصب على الشخصية السودانية التي تضع مصالحها كأولوية قبل مصالح الوطن ، ووجهنا نقدنا تجاه القبلية بشكل مباشر باعتبارها احدى معوقات التقدم ، ثم طرحنا الحلول ايضا بضرورة إخلاص النية تجاه الوطن ووضعه قبل الذات ، ونادينا بضرورة التخلص من القبلية التي تقف حجر عثرة في طريق التطور ، واقترحنا ان يتم تغذية العقول منذ الصغر بان القومية السودانية هي الجنسية التي يجب ان يحملها كل سوداني وعند السؤال عن الجنسية تكون الاجابة هي (انا سوداني) فحسب ، وساعتها سيكون الجميع في الهم شرق ، ويكون نماء وتطور الوطن هو الغاية والمبتغى ..

وانتقدنا ايضا تدخل الدولة ممثلة في شخص رئيس الوزراء في امر المناهج مرتكزين على ضرورة تغيرها شكلا ومضمونا لان المناهج الموروثة من النظام السابق مناهج موضوعة بفكر وهدف سياسي قبل ان يكون تعليمي وتربوي واكاديمي في المقام الاول، وطرحنا الحلول بضرورة عودة السلم التعليمي القديم وتغير المناهج بما يتوافق والمرحلة العلمية والاجتماعية كمعيار عام يراعي ابعاد التطور العلمي والتقني الذي قطع فيه العالم شوطا طويلا .. ونادينا ان يكون وضع المناهج عبر اهل الاختصاص والخبرة وبعيدا عن الاستلاب الفكري والاستقطاب السياسي ..

وليس كل كتاباتنا نقد صرف بل اشدنا من قبل بمجهودات السيد حمدوك على المستوى الخارجي وما اسفره ذلك من إزالة لاسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والتي كبلتنا لا أكثر من عشرون عاما ونشرنا الامل والاماني بما سيحدثه ذلك من انفراجات على اصعدة كثيرة داعين الجميع الى التحلي بالصبر لان ثمار تلك الخطوة لا تتأتى بين يوم وليلة ، واشدنا ايضا بطاقم التفاوض المقتدر الذي ادار تلك العملية ببراعة وباقل خسائر ممكنة وقد كان ، وزادوا فوق ذلك بالحصول على تشريع الحصانة السيادية الذي سيجنبنا المطالبات التعويضية مستقبلا ..

كل ذلك كتبناه ويمكن الرجوع الى مواقع الويب والبحث هناك ..

ولكن الوضع الان أصبح اشبه بلعبة (الدافوري) التي تتسم بالعشوائية وعدم التنظيم والتخطيط، ودخول الجبهة الثورية كلاعبين في ميادين السياسة اصبح غير مفهوم اين يصوبون الاهداف! فتارة هنا وتارة هناك  ..

وبين كل هذا وذاك تتمدد المعاناة للمواطن يوما تلو الاخر وقد بلغ الامر مبلغا غير محتمل، ووزارة المالية تسعى للحصول على الايرادات من المواطن في نهاية المطاف لان اي ضريبة او رسم يضاف لاي سلعة او خدمة سيتحملها المستهلك في الختام  ..

الموازنة المعلنة تتناقض والاجراءات المتبعة، بل زادت نسبة الصرف في الموازنة الحالية للأجهزة الامنية ولمجلس الوزراء اضعاف ما كان في الموازنات السابقة، وبدلا عن توجه الصرف على قطاعات التعليم والصحة وغيرها من الضروريات التي تساعد في النهوض ببلد منكوب كالسودان يتم زيادة الصرف على المسؤولين!! وطفقت وزارة المالية تروج للموازنة باعتبارها الافضل منذ سنوات بيننا تزداد نسبة الضرائب على كثير من القطاعات وفي نهاية المطاف يكون المورد الرئيسي للموازنة هو المواطن …

ان كل الاجسام السياسية الحالية من مجلس سيادة او مجلس وزراء او اعضاء الجبهة الثورية او اي مكون اخر، لم نر منهم اي تبشير بمشروع وطني خالص لوجه السودان، ولم نشاهد اي ملامح مشروع او خطط متكاملة البرامج وفق التقديرات الزمنية من خطط قصيرة او متوسطة او بعيدة المدى، لا احد طرح علينا رؤية تصب في وعاء الوطن ليمتلئ قمحا وخيرا للجميع ..

ما نراه اليوم هو تهافت وتشاكس للظفر بمنصب فحسب، تناطح غريب يؤلم النفس عندما ننظر الى من جاءت بهم الثورة ليقودوها للأفضل ولكنهم بكل أسى قيدوها في الاسفل..

الوضع للأمانة غير محتمل ولا بشريات تلوح في الافق وكل القرارات تزيد بلة الطين بلة فوق بلة ..

   واستدراكا منا تجاه من يقرؤن مقالنا ويبصمون بانه انتقادي صرف، فإننا نقول ان الوضع الحالي هو نتيجة جلسات ماراثونية بين المدنيين والعسكر افرزت هذا الهجين والخليط الغريب، وارتضيناه لأجل عيون الوطن وحقنا لدماء قد تسيل مرة اخرى..

  واؤكد انه لم يكن هنالك خيارات غير القبول بهذه التوليفة، فهذه الحرية كان مهرها دماء وارواح طاهرة ذكية لها دين علينا ان نحافظ على ما قدموه لنا، ولكن ليس بالصمت والقبول والتسليم بالأمر الواقع، بل بالشد على آذان المسؤولين والضغط عليهم نصحا ونقدا لكي يستقيم الاداء وتسير العربة في الاتجاه الصحيح. ان الحصان امام العربة، ولكن السير بطيء..

ليس في ذهاب حمدوك الحل، بل هو غاية امال المتربصين بالثورة   وانما يجب علينا المحافظة على حمدوك، وتبصيره بالحلول والتأكيد له باننا خلفه مؤازرين ومساندين، ولكن عليه ان يتحلى ببعض القوة والشجاعة وان يمضي فيما يراه هو الاصوب وليس ما يملى عليه وان ينسى امر الكيد والمكائد والكائدون فلا مجال لانقلاب او استيلاء على السلطة لان العالم بالمرصاد ومن قبله الشارع .. لا خوف منهم فكل مسعاهم هو ان يخرج الناس لخلع حمدوك ولن ينجح الامر لان من ذاق البطش والعنف والتنكيل لن يسمح بان يعود مرة أخرى، وننصح السيد حمدوك بان يحرك ملفات القضايا ولتصدر الاحكام وتنفذ العدالة لان كثير من النفوس مشتعل دواخلها غبنا وألما ولن تبرى الاحشاء وتهدأ النفوس إلا بتنفيذ العدالة ..

استثمر الفرص المتاحة خارجيا واعكسها للداخل مشروعات وتنمية وبنى تحتية .. ارفع الرهق عن كاهل الشعب وتصدى لتسعيرة الكهرباء الخيالية التي ستظهر نتائجها الكارثية قريبا والصيف على الاعتاب ولن يحتمل الناس نار السوق وحر البيوت معا .. وسترفع تلك التسعيرة المجنونة اسعار كل شيء، كل شيء..

امض دكتور حمدوك، واختر طاقمك بنفسك، بانتهاج نهج الكفاءة والخبرة ولا يهم من هو ولأي حزب يتبع، ولو تطلب الامر اختر من خارج القوائم المقدمة لك طالما كان الاكفأ والاجدر خارج القوائم .. لا اعلم لماذا ينتظر حمدوك تقديم القوائم له ليختار، اليس لديه الحق في اختيار من يراه هو الانسب! اليس هو رئيس الوزراء والذي سيتحمل مسؤولية الاداء الكلي من طاقم الجهاز التنفيذي!

نحن نريد بناء وطن ورفاهية امة وحياة سهلة يسيرة اخذا وعطاء … لا اكثر من ذلك، ولأجل هذا نؤكد انه لا خيار سوى الاستمرار بكل ما هو مائل ومعطوب ومعيب .. لا خيار متاح الان… مسك العسكر لزمام الامور مرفوض بتاتا من الشعب .. فلا خيار سوى الاستمرار بنفس الوضع وان نسعى لعدل المائل وتغيير المعطوب وتصحيح الخطأ ..

التركة ثقيلة، والموروث مرهق والتحديات كثيرة ، والمتربصين كثر .. يجتهدون ليل نهار لتضييق الخناق على الشعب بحبال الوقود والرغيف والدواء .. وكل شيء ….

ولكن سيخيب مسعاهم، لان القناعة الراسخة للجميع هي انه لا خيار سوى الاستمرار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق