سياسة

السودان: تغيير المناهج … الخطوة الأصح في الاتجاه السليم وإلا فمحلك سر!

مصطفى يوسف

الدين ليس سبباً في نهوض الأمة،لأنه أشمل من أن يكون مجرد عنصر ضمن منظومة للحياة،إذ هو وباختصار العمود الفقري لمنهج حياة الإنسان،والزج به في مثل هذه المتاهات،بجهل دون تمثل قيمه هو السبب الرئيسي في التخلف، والدليل على ذلك أن الغرب اللا مسلم تطور وتقدم وسما بتطبيق مباديء الإسلام التي يزعم البعض إدعاءً أنها وقف عليه، لا وصاية في الدين، فللبيت رب يحميه.

أسوق هذه المقدمة لانني أجدها ضرورية لتوضيح حقيقة مايجري في السودان، من استمرار تغول فئة، تلبس لكل حال لبوسها، تبدل جلدها كما تغير الحرباء لونها، حسب الوسط والبيئة، فئة تدعي كذباً وبهتاناً وزوراً أنها الوصية على الأمة والحريصة على الدين والإسلام، خفافيش الظلام وأصحاب مسرح العبث الذين تسيدوا المشهد طيلة 30 عاماً، تسلطوا فيها على العباد، وأذاقوا الوطن الذل والمهانة واوردوه موارد التهلكة، خدمة لأجندة الماسونية والصهيونية، التي لم تكن تحلم في يوم من الأيام بمن يقدم لها مثل هذه الخدمة  الجليلة.

وجدت هذه الطيور التي ظلت تغرد كل عمرها خارج السرب ضالتها في قضية تغيير المناهج، فاتخذتها مخلب قط لإثارة المشهد وقلب الطاولة، وجعلت الدين ستاراً، كما عهدها، لإثارة الغوغائية والديماغوغية، رغبة في تغبيش الوعي وذر الرماد في العيون، ليس دفاعاً عن الدين كما تزعم، إنما لتحقيق المصالح الذاتية الضيقة، وهي التي قتلت الأنفس البريئة دون أن يرف لها جفن، ولا أظن أن هناك أغلى من النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.

مررت هذه العصابة الشيطانية مخططها، مستندة على أن الدكتور عمر القراي، مدير المناهج والبحث التربوي بوزارة التربية يستهدف الدين بهذا التغيير، وهو قول جانبه الصواب،لأن الحقيقة غير ذلك تماماً، وما يثار هدفه في المقام الأول إحداث هذه البلبلة بتهييج الرأي العام ودغدغة عاطفته ومشاعره الدينية، والوقوف في وجه التطوير والتحديث ومن ثم فرملة عجلة العلم الحقيقي والمد الذي سيتنامى في الزمن.

لا أدافع عن القراي،ولاينبغي لي، فهو الأقدر على ذلك،الرجل أبان وكشف أبعاد المؤامرة وعرى من يقف خلف المشهد لتحريك الدمى وبيادق الشطرنج، لتشطير المجتمع ودق أسافين الفرقة والشتات، نعم القراي أخطأ وهناك أخطاءمست العقيدة، معالجتها تحتاج لحوار متزن، وهذه الكتابة لاتهدف إلى إطلاق الكلام على عواهنه،إنما ترمى لإضاءة قبس الحوار الهاديء، بمنهجية علمية، بعيداً عن التشجنات ورهانات المزايدات والنأي عن أحابيل القولبة وسلب حرية التفكير وإعمال لغة المنطق والأرقام.

إذاً لماذا هذه الضجة والجلبة والضوضاء التي أثارها هؤلاء القوم على خطوة القراي، لتغيير المنهج؟، وقبل الشروع في الإجابة يجب التأكيد على أن العلمية والخبرة العملية، هما جواز مرور القراي إلى موقعه، كعالم، وخبير مقتدر، تشهد له سيرته الذاتية، ومنصات الجامعات التي حاضر فيها،وأشعل منها شموع العلم الجاد، ولم يأتِ إلى المنصب من خلال التمكين ولا المحاباة، كما ديدن النظام المباد، الذي عبث بالعلم والعملية التعليمية،التي خرجت كوادر من الجهلة، وأنصاف المتعلمين، المتنطعين والمتبطلين، وكانت نتيجة هذا كل الكوارث التي ألمت بالوطن وأصابته في مقتل، لأن من برمج الأهداف، لم يكن يلم بألف باء التخطيط العلمي ليبث في شرايين العملية التعليمية القيم والمباديء التي تصون وتحمي الأخلاق وتمنع من الوقوع في براثن دائرة هذه العدمية.

كان هدف التغيير واضحاً وضوح الشمس في كبد السماء، وهو تحميل العملية التعليمية بالقيم والمثل والمباديء، وإفراغ المنهج من الحشو، وغربلة الزائد وغير اللازم منه، ومالايُسمن ولايُغني من جوع، وهذا يتناول كل المواد بلا استثناء، ولم يك الغرض أًبداً كما يدعون مجرد إضعاف منهج التربية الإسلامية، أو إلغاء تحفيظ بعص السور من القرآن الكريم في سني الروضة، لكن الموتورين أردوا غير ذلك، وانحرفوا بالقضية إلى الوجهة التي تخدم مآربهم،ليبقوا الحال على ما كان عليه، لشيء في نفس يعقوب!!.       

كان الغرض ضخ الدماء غير الملوثة في شرايين العملية التعليمية، وملاحقة التطور والعلم وبث القيم وتجذير الطلاب في تربة الوطن، وإعادة الروح إلى دور العلم، التي تحولت مع الانقاذ إلى كتائب للجهاد الطلابي، وثكنات حربية، ينخر فيها سوس الجهل، طلابها كوادر أمنية، لا هم لها غير تدبيج التهم وملاحقة مايعتقد أنهم من قبيلة الضد والآخر، الذي لا محل له من الإعراب في قاموس الانقاذ.

كان الهدف ولايزال تهيئة بيئة صالحة للتربية وللنهضة العلمية،وتقديم الخدمة التعليمية المجانية للجميع، تمهيداً لصياغة وجدان الأمة وبناء وطن معافىً، يسع الجميع، ترفرف فوق سمائه رايات المنافسة الشريفة، وتزدهر كما كانت مدارسه التي أغلقتها الانقاذ وجامعاته التي تزيلت قوائم التصنيف على المستوى، العربي، الإفريقي والعالمي، حتى جامعة الخرطوم التي كانت في يوم من الأيام ثالث جامعة في الترتيب العالمي، أصبحت نكرة في عهد الانقاذ، وياسبحان الله.

كان الهدف ولا يزال محاربة التزوير، وهو أحد أهم الأمراض الفتاكة والأوبئة التي زرعتها الانقاذ في جسد العملية التعليمية، وتحجيم خطر الخطوة التي أقدم عليها النظام المباد بمنح ماسموا بالمجاهدين شهادات جامعية هكذا، لأنهم شاركوا في القتال، في مسرحية هزلية، وحالة من التيه والضياع واللعب بمقدرات أمة، يبدو أن التوافق، جرى في الخفاء لتغييبها، بعملية الاغتيال هذه، فإن أردت أن تغتال أمة بحالها، فأعمد إلى تشويه تعليمها، وهذا بالفعل مافعلته الانقاذ وقادتها وسادتها،عن قصد، أراه محضاً، وكانت نتيجة هذا هضم الحقوق والتغول عليها وتسريب كوادر من فصيلة الميكانيكي إلى منصات الجامعات والمعاهد والمدارس، كوادر تفتقد لأبسط القيم والمثل التي يتحلى بها إنسان السودان البسيط، سممت بيئة العمل والأجواء العامة، تتقيأ القبح صبحاً ومساء، تشتم وتطلق من الألفاظ على مسامع خلق الله ما يعف قلمي عن ذكرها.

استهدف المنهج الجديد وقف هذا التخريب الممنهج لعقول النشء وتنقية أجسادهم من السم الزعاف الذي بثه أفعى الإنقاذ، الذي اغتال براءتهم في الخلاوي وغيرها بممارسات غير أخلاقية، تكشف عن الخلل النفسي والعصابية التي يعانيها حتى أولئك الذين كان ينبغي ان يلجمهم حفظهم للقرآن عن ممارسة الرذيلة، لكنها الإنقاذ مستنقع آسن.

هدفت عملية التغيير إلى إعادة بناء ماقوضته الانقاذ من أسس العملية التعليمية بالكثير من القرارات المرتجلة، غير المدروسة والمبنية على فرضيات جدلية، لم يختبرها المنطق ولا الواقع، انحرفت بأهداف التعليم العالي المعروفة والمعلنة، إلى أخرى، ومنها، عملية التعريب، التي أدت لانهيار التعليم، ومن العجب أن الذين طبقوا وأسسوا لهذه الخطوة ، درسوا باللغات الأخرى غير العربية، سواء في الداخل أو الخارج، ولم يضعوا في حسبانهم، أو هم يعلمون ولكنهم مستهترون، أن هناك كليات لا يمكن تعريبها، لأن لغة البحث والتطور والاكتشاف هي الأجنبية،لا العربية، لا  لقصور في العربية، التي تستوعب- كونها لغة حية – كل مظاهر التجدد، ولكن لأن العقلية العربية قاصرة عن تقديم الجديد العلمي في هذا الصدد، ومنها تطبيق السلم التعليمي الجديد، بدمج المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وإلغاء سنة، وهي المعضلة التي يحاول دهاقنة التعليم الخروج منها والعودة للمربع الأول، دون أن يجدوا لذلك سبيلاً.

استطلعت عدداً من قدامى المعلمين الذين يعملون في المملكة العربية السعودية رأيهم في تغيير المنهج ومن بينهم الأٍستاذ محمد المبارك علي الزاكي،الذي قال:” يقوم المنهج الصحي على أسس أربعة: أساس فلسفي عقدي، نفسي، اجتماعي، ومعرفي”، وأضاف أن أي من هذه الأسس لابد أن يتقاطع مع السياسة،وشدد على ضرورة أن يعبر المنهج عن هوية الأمة ويكون وسطياً مرناً يهيء موطئ قدم للأقليات ولا يمنع الأغلبية من تغليب ما تريده، موضحاً أن السودان يشبه دولاً كثيرة في فسيفسائية تكوينه القبلي والإٍثني والعرقي، وهنا يرى محمد أن المنهج  لابد أن يتيح قبول الآخر باختلافاته، مشدداً على أهمية التركيز على قبول الآخر في التربية لأنها الأساس في ترسيخ الديمقراطية، فلا ديمقراطية- كما يقول-إلا بالتربية على قبول الآخر،مشيراً إلى أن سبب فشل الديمقراطية في البلاد هو عدم تحمل الأغلبية للأقلية. مطالباً بالاسترشاد بتجارب دول ذات أغلبية مسلمة سبقت السودان في هذا المجال، وأن يستمر التعديل مع منح الفرصة للجان المناهج التي تعمل الآن وترك ذلك للمتخصصين،مبيناً أهمية عدم تمكين كوادر العهد البائد (الكيزان) من القرار، حتى لا تسود المفاههيم التي ظلت تؤثر في المناهج طيلة الـــ 30 سنة الماضية.

وأخيراً، لن ينهض الوطن بتعليم معوج، ولن يلحق بركب الأمم دون إزالة آثار جريمة الانقاذ في جسد التعليم، ويُحفظ للقراي أنه أمسك بشجاعة مبضع الجراح الماهر ليستأصل موطن الأذى، ورحل الرجل أم بقي، فسيظل هو أول من وضع الحصان أمام العربة، وستبقى خطوته الوحيدة الصحيحة في الاتجاه السليم، التي يجب أن تتبعها خطوات، وإلا فسنظل محلك سر!!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق