خارج الحدود

حدث في زمن كورونا

قلق بين ضفتي المتوسط

د. إبراهيم الشعبي

عندما عم البلاء وملأ الدنيا وشغل الناس، أقفلت الحدود بين الرباط ومدريد، بعدما انتشر الوباء وضاقت بنا الأرض بما رحبت. توقفت الحركة ومنع السفر في البر والبحر والسماء وقنن الخروج والدخول وابتعد الناس عن بعضهم البعض وفرض حظر التجول تحت الشمس واستنشاق الهواء. جائحة فرقت الأسر وعزلت الأب عن ابنه.  مواطنون عالقون هنا وآخرون عالقون هناك ينتظرون السماح لهم بالرحيل خوفا من فيروس كورونا القاتل، الذي أدخل العالم في شبه حرب بيولوجية، أتت على الأخضر واليابس. مصابون بالملايين وموتى بمئات الآلاف. مشاهد محزنة، مقلقة، مخيفة ومبكية، كأننا قاب قوسين أو أدنى من يوم القيامة. وكأن هذا الفيروس خرج مباشرة من الجحيم لينذر البلاد والعباد: أن النهاية آتية لا ريب فيها.

يجب أن اعترف أن هذه المشاهد المؤلمة، كانت تقلقني، تحزنني وتزكي الإحساس بالخوف الذي يسكنني، وأنا أفكر في ابني إلياس الطالب بجامعة ” الكومبلوطينسي” العالق في عاصمة مملكة سيرفانطس.

ما كان يزيد في قلقي، نسبة المصابين واعداد الموتى التي كانت ترحل بين عشية وضحاها وكنت أخشى أن يصاب إلياس بما أصاب مملكة إسبانيا. لا أدري لماذا عادت بي الذاكرة المتعبة أو النفس الإمارة بالسوء، إلى أن نهاية العالم على مقربة من الضفة الشمالية للمتوسط. كنت أخشى أن تتسابق الأيام ويأتي يوم الصاخة، يوم القيامة، يوم النهاية وكنت أردد في داخلي ما مصيرنا (إذا جاءت الصاخة؛ يوم يفر المرء من أخيه؛ وأمه وأبيه؛ وصاحبته وبنيه؛ لكل امرئ؛ يومئذ؛ شأن يغنيه…)

صراحة، المشاهد والكوارث التي أحدثها الفيروس في المال والأعمال والإنسان، تقترب كثيرا من المشاهد التي صورها القرآن عندما يحل يوم النهاية، عندما تأتي الصاخة: صيحة القيامة التي تصخ لها الأسماع، وتقشعر لها الأبدان وتنزعج لها الأفئدة (إن زلزلت الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله عظيم).

كنت أخشى في هذا الزمن المفتوح على كل الإحتمالات، زمن كممت فيه الأفواه، وغلقت الأبواب والحدود وفر الإنسان من أخيه الإنسان وأهمل الحجر والشجر والحيوان وتوقفت الدراسة والسياسة وانشغل الجار عن الجار وسجن الناس أنفسهم في الدار. كنت أخشى أن تبتعد المسافات بيني وبين ابني العالق هناك في مدريد، التي أصبحت تنعت بعاصمة الموت الأوروبي. كان الخوف وكأن القلق مزدوجا: أتابع آثار الفيروس هنا بالضفة الجنوبية للمتوسط، ويزيد قلقي، وأنابع الأخبار والأرقام المهولة الآتية من مدريد. أطمئن تارة عندما تتراجع الارقام ويرتفع الضغط النفسي عندما يرتفع عدد المصابين وتزداد أعداد الموتى تارة أخرى.

لا اريدكم ان تتصوروا، ولو للحظة عابرة، شكل قلب أب معلق بين مملكتين ولو كانتا جارتين. كنت أتمنى أن „ يطغى” الماء بين ضفتي المتوسط، لأجتاز بسرعة إلى الضفة الشمالية، كما كنت أتمنى ان يصبح جبل طارق عهنا منفوشا ليساعدني على الوصول بسرعة إلى عاصمة سيرفانطس، لأطمئن على الحياة في زمن الموت. زمن كورونا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق