سياسة

قراءات

عوامل تكوين إسرائيل (4)

محمدالمنتصر حديد السراج

ما زلنا مع ثيودور هرتزل صاحب مشروع وكتاب (الدولة اليهودية)، و نقول معه: قد يؤدي تنفيذ المخطط القومي اليهودي … على الرغم من كونه يحمل مغزى خاصا بالنسبة لجميع اليهود…الى التعارض مع التركيب الاجتماعي للبلدان التي تسمح بالهجرة اليهودية. و لا ينكر هرتزل بأن عملية الهجرة قد تخلق اضطرابات اجتماعية و اقتصادية. لكنه يزعم بأن هجرة اليهود تشكل نوعا مختلفا من الهجرة، لا بل إنها فريدة في نوعها. فالحركة اليهودية تحمل معها تكيفات اجتماعية ضرورية لغير اليهود بالطريقة نفسها التي يعيد بها اليهود بناء تنظيمهم السياسي والذي هو بمثابة بنائهم المجتمعي المثالي.

يحاول هرتزل إقناع الرأي العام غير اليهودي باللجوء الى المنافع و الحسنات الاقتصادية التالية:

١)  سوف تؤدي الهجرة اليهودية الى قيام هجرة مسيحية لملء المراكز الشاغرة. و يؤكد هرتزل بأن (الشركة اليهودية سوف تقدم كل مساعدة للحكومات و المجالس النيابية في الجهود التي تبذلها لضبط الهجرة الداخلية للمواطنين المسيحيين و توجيهها). ثم يتمادى في توسيع تلك المساعدة عندما يقترح بأن المسؤولين اليهود في (الشركة اليهودية) سوف يتم استبدالهم،  في السياق الطويل و بصورة تدريجية،  بمسؤولين مسيحيين.

كذلك تصبح الأسواق اليهودية في مرحلة متأخرة من مراحل الحركة القومية اليهودية تحت تصرف الطبقة الوسطى المسيحية. فتضعف المنافسة اليهودية كلما ازداد عدد يهود الطبقة الوسطى الذين تجتذبهم أسواق (الدولة اليهودية) النامية. هكذا تظهر بوضوح الصلة المباشرة بين انجاح الفكرة القومية اليهودية و بين مصلحة الطبقة الوسطى المسيحية في أسواقها الخاصة.

٢) قد تفقد الحكومات المعادية للسامية قسما من دخلها الضرائبي فيما لو هاجر اليهود. لكنها خسارة لا تستحق الذكر خلال المرحلة الأولية للحركة. لأن الجماهير اليهودية المهاجرة لا تساهم كثيرا في صناديق الضرائب. و الضرائب التي يتم تحصيلها من هذه الجماهير الفقيرة المهاجرة في البداية لا تشكل في مجموعها مبالغ بارزة. و بينما تصبح فئات الشعب اليهودي الأخرى على استعداد للهجرة، تكون الضرائب التي دفعها المسيحيون الأغنياء قد قامت بتغطية العجز الناتج عن انخفاض مدفوعات الضرائب اليهودية. و سوف تكون هناك أيضا موارد مالية لتغطية ما كان يكسب بطرق أخرى. (فالشركة اليهودية) مثلا، سوف تقوم بدفع رسوم مختلفة الأنواع الى الحكومات صاحبة العلاقة. وسوف تعرض كذلك على الحكومات بيع الأملاك اليهودية المتروكة بأسعار مغرية جدا. (وهنا يقترح هرتزل بأن (الحكومات سوف تتمكن من استخدام هذه الممتلكات الشاسعة من الأرض لغرض التجارب الاجتماعية و التحسينات). أما النمو في حركة النقل و المواصلات من جراء هجرة اليهود فسوف يعود على الخزينة بإيرادات إضافية متزايدة.

٣) تزيد الهجرة اليهودية الفرص أمام التوظيف و الاستخدام المسيحي. فالهجرة التي تقوم بها الطبقة العمالية المسيحية لملء المراكز اليهودية الشاغرة تحول بدورها دون هجرة هذه الطبقة الى بلدان أجنبية سعيا وراء الوظيفة و العمل. كذلك سوف يحتاج المستوطنون اليهود،  و خاصة خلال المراحل الأولى لنموهم القومي،  الى كل من البضائع الاستهلاكية و المنتجة التي يترتب عليهم استيرادها من الأسواق الأوربية. و هنا يجب الاعتماد على عنصر الطلب هذا في توسيع الأسواق و بالتالي إتاحة المزيد من الفرص أمام المسيحيين. و قد يعمد اليهود المستوطنون خلال مرحلة متأخرة في تطورهم الى توجيه رساميلهم المتراكمة لتوظيفها في البلدان التي هاجروا منها. فيقول هرتزل بهذا المعنى: (سوف يسر الرأسماليون اليهود لتوظيف أموالهم في الأماكن التي يألفون أحوالها السائدة. و بينما نجد المال اليهودي الآن يتم إخراجه من البلدان بسبب الاضطهاد القائم و اغراقه في المشاريع الغريبة النائية، فإنه سوف يعود ليتجه مجددا صوب بلدان العالم الأخرى من جراء هذا الحل السلمي و سوف يساهم بدوره في رفع مستوى تلك البلدان التي بارحها اليهود).

٤)  أما فيما يتعلق بالحكام الذين توقع هرتزل أن يحصل منهم على الأرض الضرورية لتنفيذ مخططه، فقد وعدهم بالمساعدة المالية: (فلو فرضنا بأن جلالة السلطان يمنحنا فلسطين، لكان باستطاعتنا أن ننذر أنفسنا لقاء ذلك لتنظيم شؤون تركيا المالية بكاملها و ضبطها).

٥)  و لصالح أوربة كذلك يعد هرتزل بأن تكون (الدولة اليهودية) ممثلة للحضارة الأوربية في الشرق. فلو تم لهم الحصول على فلسطين لصار اليهود (يشكلون آنذاك جزءا من الرديف أو السد الأوربي بوجه آسيا، و مركزا طليعيا للمدنية ضد البربرية). أي بمثابة معرض قائم دائم لخدمة مصالح الأسواق الأوربية.

و حين انتقل الى وصف آلية هذه الحركة، افترض هرتزل بأن الجماهير اليهودية من المهاجرين تشكل عاملا ساكنا. فعمد الى توظيف جميع عناصر القوة التي تقف الى جانبه في (جمعية اليهود) و (الشركة اليهودية). و هكذا ظهرت صورة الجماهير اليهودية بمثابة (قطعان أغنام تساق) و فضيلتها التي تتحلى بها روح الاستسلام. و غطى هذا الافتراض الخلفية عندما شرع هرتزل بوصف الاجراءات و الخطوات العملية لتحقيق مثاله القومي الأعلى.

يوجد اليهود، كما يصفهم هرتزل، في وضع ينم عن حاجتهم الى وكيل Gestor يتولى شؤونهم. و يقول هرتزل في تعريفه لما يعنيه هذا الوكيل: (حين تكون ممتلكات أي شخص مضطهد في خطر، يتقدم أي إنسان لتخليصها و حمايتها. هذا الرجل هو الوكيل، أو مدير شؤون ليست شؤونه الخاصة بالضبط).

تحتاج الشؤون اليهودية الى جمعية تقوم بدور الوكيل. فلا يستطيع إنسان بمفرده القيام بهذه الوظيفة. لذلك يتم إدخال (جمعية اليهود).

أما الخطوة الأولى التي تخطوها الجمعية فهي إجراء المفاوضات للحصول على مساحة من الأرض يستوطن فيها اليهود. و يقول هرتزل: (إن هدفنا الأول هو. ..السيادة التي يضمنها لنا القانون الدولي على رقعة من أرض الكرة الأرضية تتسع كفاية لتفي بأولى متطلباتنا ). و لقد فكر هرتزل في هذا الصدد بكل من فلسطين و الأرجنتين. والتفت فيما بعد صوب قبرص و العريش و يوغندا.a

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق