ثقافة وفن

وحفرت جواره قبري … زوجة البروفيسور عبد الله الطيب وقصة الوفاء والإنسانية

إحدى قصص العشق الأسطورية السودانية لا تقل عن حكايات ألف ليلة وليلة وتبعياتها من النوادر العاطفية أمثال قيس وليلى روميو وجوليت عنتر وعبلة وهنا التاريخ يهدينا قصة جديدة للبشرية وللعالم وللتاريخ وللأجيال بطلها عاشق بدرجة (بروف) العلامة والمفكر (عبدالله الطيب) والفاتنة الإنجليزية (الجريزلدا)

فصولها التضحية ودروسها التمسك بالاختيار والقرار.. الحسناء التي تخلت عن وطن كامل يعج بالأنوار والأزدهار الهدف فيه واضح والحلم فيه فسيحاً متوجهة بقلبها إلى بلاد تموت الأزهار من شمسها زادها ودافعها رجل سوداني أمنته على نفسها وأحلامها فخلدت قصتهما في التاريخ السوداني المعاصر.

لم يدر بخلد طالبة الفنون الجميلة بجامعة لندن البريطانية جريزيلدا بأن الأقدار تخفي لها ما يجعلها تترك الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وتهاجر بأمر الحب جنوباً لتستقر في إحدى مستعمرات الإمبراطورية، ولكن العام 1945 كان عاماً فاصلاً في حياتها، بعدما جمعتها الصدفة بوفد سوداني قدم للدراسة بجامعة لندن، وكان من ضمن ذلك الوفد الطالب عبد الله الطيب المنحدر من (التميراب) إحدى القرى الغربية للنيل قبالة مدينة الدامر.

تعلق قلب جريزلدا بالبروفيسور عبد الله الطيب وتوجا حبهما بالزواج الذي استمرت وشائجه حتى رحيل العلامة الطيب في العام 2003، نعم رحل الطيب عن دنيا الناس إلا أن جريزلدا ظلت هي الزوجة الوفية، حيث عكفت على حفظ وصيانة مقتنياته الثمينة من الكتب والمراجع التي أفنى عمره قارئاً ومؤلفاً وشارحاً لمضامينه، فوقفت جريزلدا بكل صلابة في مواجهة لصوص الكتب على حد قولها واستطاعت خوض معارك قانونية ضارية في سبيل استعادة (المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها) أحد أبرز الكنوز العلمية التي ألفها شريك حياتها الراحل، وتضيف «بعض كتب البروفيسور عبد الله الطيب تعرضت للسرقة».

وتمضي جريزلدا التي حددت مكان دفنها بجوار رفيقها الراحل عبد الله الطيب في حديثها  عن الحياة السودانية بين الأمس واليوم وتشير إلى أن الحياة في السودان كانت في الماضي بسيطة وجميلة إلا أنها لم تسلم من التحولات التي جعلتها غير مفهومة بعض الشيء، وحتى ثقافة السودانيين في الزي شابتها تغيرات بحسب جرزيلدا، وتضيف: «في السابق كان منظر التلاميذ وهم يرتدون الجلباب الأبيض الناصع يمثل قمة الجمال، ولكن بسبب السياسات التعلمية غاب ذلك المنظر وحتى إجازات المدارس تم تغيير موعدها بشكل غير مدروس لطبيعة المناخ السودان.

جرزيلدا ولدت في المملكة البريطانية في أسرة تربوية حيث كان والدها معلماً وكذلك والدتها وكانا يدرسان اللغة الفرنسية ولكن والدها قبل تقاعده ترك تدريس اللغة الفرنسية ودرس في جامعة لندن من جديد ليدرس فيما بعد الفنون، لذلك فهي نشأت في بيئة تربوية، ومن حيث التوجه نحو الفن فوالدها كان فناناً يأخذ جريزيلدا واخوتها الى متاحف لندن فهي منذ البداية نشأت تنشئة تربوية ثقافية وهي منذ صغرها ألفت الغربة والأوساط الغريبة وهذا ما أهلها لتعيش في السودان… عندما كان عمرها 8 سنوات كانت والدتها ترسلها الى عائلة فرنسية تمكث معها ثلاثة أشهر لتعلم اللغة واستمرت هكذا الى أن بلغت السادسة عشر من العمر ولذلك تعودت على الغربة وأتقنت اللغة اتقان تام، مع ذلك درست في معهد التربية الذي ذهب اليه عبد الله الطيب وغيره من السودانيين ، وهناك التقت به مع زملائه وتعلقت به وتعلق بها وعاشا فترة طيبة وسعيدة الى أن تزوجا فيما بعد ، عندما جاءت الى السودان في أول زيارة لها ذهب بها بروفسير عبد الله الى الدامر حيث أقامت فيها ثلاثة شهور أتقنت خلالها اللغة العربية ولم تأت الخرطوم الا لماماً عندما جاء عبد الله الطيب ليرى أن الجامعة ستستوعبه عضوا في هيئة التدريس أم لا لأنه كان قد وجد فرصة في الجامعات البريطانية وعندما جاء الى كلية الخرطوم الجامعية آنذاك عرض عليه مساعد تدريس فرفض هذه الوظيفة ، تزوجت جريزيلدا بالبروفسير عام 1948م وأتيا الى السودان في عام 1950م بعد أن أعد الدكتوراة، بعد أن جاءت الى السودان التحقت بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجية وتحصلت على الماجستير من جامعة الخرطوم معهد الدراسات الافريقية والاسيوية.

> سألتها من قبل وأعيد لها السؤال مرة أخرى ماذا الذي جعلها تتعلق بعبد الله الطيب؟

< فقالت أول شيء شدها اليه وسامته ولكنه مع ذلك أنه غير مهندم ثم قلت لها أريد شيئاً مخصوصاً في عبد الله شدك اليه فقالت شدني اليه حديثه وجمال أسنانه قالت في أول لقاء لها به كان يهاجم في الاستعمار البريطاني لكنها قالت كان يهاجم في الانجليز وهي كانت تتأمل في جمال أسنانه قالت أنها لم تعتبر السودان مرحلة تعود بعدها الى وطنها كما فعل غيرها من اللاتي نزوجن بسودانيين ولذلك خير ما فعلته أنها تعرفت على اللغة العامية السودانية وكل الأشياء السودانية وأحياناً كانت تنوب عن عبد الله في المناسبات فقد قابلتها ذات مرة في القطار آتية من بورتسودان في طريقها الى الدامر بمفردها وعندما سألتها قالت لي : (ماشين نعرس لواحدة وانا ماشة لأن عبد الله ما فاضي وإنها ماشة تشارك الأسرة) … جريزيلدا الى يومنا هذا طموحاتها الفنية لا تنقطع وقد وثقت للأزياء السودانية برسوماتها في دراستها للماجستير والى اليوم وآخر مرة كنا نتحدث عن ضرورة زيارتها الى منطقة الدمازين للتوثيق لأزياء الامبررو وعبد الطيب في أواخر أيامه ايضا بدأ في ترجمة أشعار توماس هاردي فهي مثله ذات همة وجريزيلدا امرأة كريمة فقد كانت سندا لعبد الله الطيب وشاء الله أن تكون كذلك .

بعد هذه المقدمة بدأ الحوار مع جريزيلدا بهذا السؤال: –

> نعود الى الوراء لتحدثينا بكلماتك وعباراتك عن أول لقاء بينكما؟؟

عام 1945 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الحكومة الانجليزية في السودان أرسلت وفوداً من المعلمين وآخرين جاءوا لكورس في جامعة لندن وقد جاء هو مع هذا الوفد وقتها كنت طالبة في معهد التربية بجامعة لندن وكان معه من السودان عبد الرازق عبد الغفار فكان ذات مرة دعاني الى الغداء في كفتريا الجامعة وكان معنا شفيق شوقي ومحمد علي وكان يجلس قصادي غبد الله الطيب عرفني به عبد الرازق فبدأ يتحدث معي عن الاستعمار وما فعله في السودان وسلبياته وانا كنت أنظر له و أتأمل في طريقة كلامه ماذكره من حديث (دخل بي هنا وخرج بي هنا) لكن طريقة كلامه جذبتني اليه ومنذ ذلك الوقت تعلقت به … مرت سنة التدريس وبدأت أبحث عن عمل فاخترت ثلاثة مدارس مختلفة وبعيدة لأجد فرصة لمقابلة عبد الله ، وعبدالله بعد نهاية الفترة تم اختياره من بين الدارسين السودانيين للدراسات العليا في لندن وطلب من المسؤول السوداني في ذك الوقت ابقاء عبد الله الطيب وعدم عودته الى السودان فتمت الموافقة له للمواصلة في جامعة لندن ، اثناء دراسته للتمهيد في الانجليزي والفلسفة واللغة العربية، أساتذة اللغة العربية قالوا هذاالطالب يجيد العربية أكثر مننا فأقنعوا الحكومة السودانية في تسجيله لنيل الدكتوراة كان ذلك عام 1947 وخلال 3أعوام انجز الدكتوراة عن أبي العلاء المعري كشاعر ، بعد ذلك جاء القرار بتعينه محاضر بالجامعة ولكنه قرر العودة الى السودان .

الدور الذي لعبته في حياة عبد الله فعلاً غير كثير فيه وأظهرت أشياء ملموسة، بداية التأثير الايجابي هو أنه عندما ذهب أصدقائه عبد الرازق وأحمد الطيب الى فرانكفورت عادوا ليجدوه قد تغير تماما فماذا فعلت جريزيلندا ليتغير عبد الله؟

عندما سافروا وصّوا عبد الله الطيب عليّ قالوا له:( خلي بالك من هذه البنت) لكن بعد خروجي من المحاضرة لم أجده خرج وتركني، سألت منه بعض الطلبة الذين كان يقوم بتدريسهم العربية فقالوا لي أنه ذهب فخرجت لألحق به وقبضته وبدأت علاقتنا منذ ذلك الوقت فعندما عاد أصدقاؤه علقوا على أنه تغير.

> نعرف المشاكل التي تواجه الأفارقة في أوربا وبريطانيا من تفرقة عنصرية وغيرها … المجتمع البريطاني كان ينظر نظرة دونية للسود،من الغريب أن ترتبطي وتتعلقي بواحد من هؤلاء السود في ذلك الزمن المبكر هذه جرأة شديدة جداً كيف كان ذلك؟

< هو تعب جداً أنا لاحظت بعد أن تزوجنا واستقرينا في لندن كان لا يحب السفر خارج لندن كان يشعر بأن لندن بها دور ثقافية وفيها تعوّد على الأجناس المختلفة، كان عندما نخرج خارج لندن تبدو عليه النرفزة، قبل الزواج ذهب مع أحد أصدقائه الى مانشستر عندما دخل القطار أحد الركاب قام بطرده، أما بالنسبة لي الزواج من جنس تاني وبلد مختلف وعالم ودين مختلفين أمر صعب جدا لذلك في البداية كان زواجنا زواج سري في البلد التي كنت أعمل بها ذهبنا الى مكتب الزواج المدني ومعنا اثنين شهود هؤلاء الشهود كانوا أصدقائه ، المهم بعد ذلك ذهبت وأخبرت والدي فانزعج جدا وقال لي: ( لابد أن أراه، فذهبنا له وعندما فتح الباب صُدم عندما وجدني أقف أمام الباب بجوار والدي فقال له والدي: ( أول حاجة أنا عايز أعرف هل انتو في بلدكم من الأدب الواحد بيمشي اتزوج بنات الناس بدون اذن أهلهم) فرد عليه عبد الله وقال له لا أبداً أنا بعتذر كان مفروض آتي اليك ، ذهب بعد ذلك والدي الى مكتب وكيل السودان وقال له: ( انتو تخلوا أولادكم ديل كده يعرسوا بناتنا دي حكاية خطيرة وحكاية ما معقولة ) فطمئن وكيل السودان والدي وقال له: هذ الشاب من المتميزين ومن الأسر العريقة في السودان اسرة المجاذيب في الدامر وهي أسرة دينية ومحترمة بعد ذلك هدأ والدي ، عام 1961 زار والديّ السودان وكنا وقتها نسكن في بيت الحكومة وعندما رأى السودان والوضع الذي كان عليه عبد الله الطيب سعدا لذلك كثيراً وكانا مبسوطين جدا وأذكر أنهما حضرا معنا في القصر الجمهوري الحفل الكبير الذي كان على شرف أعياد الاستقلال ، بعد أن جاء ورأى السودان كتب لي رسالة عبر فيها عن اعجابه بعبد الله الطيب .

> عرض علي عبد الله وظيفة محاضر في لندن ولكنه اختار ان يعود الى السودان هل كان ذلك صحيحاً؟

< عند ما جاء الى السودان عرض عليه مساعد تدريس فرفض، ورجع الى لندن مرة أخرى و قبل وظيفة لندن لكن بقلبه كان يريد السودان قال لي طول حياتي أفكاري للسودان والعرب لذلك لابد أن أكون في بلاد العرب بعد ذلك بسنة جاءه الطلب للعمل في بخت الرضا وكتب خلال تلك الفترة سيرة ابن هشام وكتب كتاب عن الاسلام، في بخت الرضا سكنا في منزل حكومي كبير وكنا مبسوطين جداً كان الجو تسوده روح الاخوة والعشرة والمجاملة لكن كان السفر من الخرطوم الى بخت الرضا نوع من المجازفة نسافر باللوري ونتوحل في ود الزاكي وهكذا. ولم تكن بها كهرباء عبد الله كان (يولع) الرتينة ليقرأ بها ويكتب وكانت تلك الفترة خصبة في حياته الكتابية حيث كتب المرشد الى فهم أشعار العرب وغيره وذهبت معه الى مأمورية الى الجنوب بباخرة كبيرة كانت تبحر بنا مدة 15 يوم كنت استغرب كيف تبحر السفينة هذه المدة في بلد واحد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق