ثقافة وفن

المناهج والتعليم لحراسة النظام السياسي أم للأجيال الجديدة … اضاءة على تجربة الأردن

إيمان زين صغيرون٭

قبل فترة قرأت مقال عن تجربة الأردن في تغيير المناهج، لقد كانت المناهج الاردنية تحتوي على مفاهيم تتناقض مع الانفتاح والتنوع والعقلانية وحتى الوسطية والاعتدال التي من المعروف انها مفاهيم إخوانية!!

فبعد سيطرة الإخوان المسلمين على وزارة التربية والتعليم لفترة طويلة هيمنت أجيال كاملة من الاخوان على الوزارة تأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر بالرؤية الاخوانية للتعليم. فتكرس الفكر الداعشي المتطرف في المناهج المعادي للأدب والفن والموسيقي والعاطفة والحب حتى ظن الناس انها الطريقة الصحيحة لتدريس المناهج!

لاحقا أدرك الخبراء الاردنيين الكارثة التي حلت بالأجيال الجديدة من هذه المناهج الغارقة في رجعيتها، فوضعت خطة حكومية لمحاربة الفكر المتطرف في المناهج الدراسية، أقرها مجلس الوزراء الأردني فتكونت لجان تمثل مكونات المجتمع المدني بتنوعه الثقافي والديني واشتركت مؤسسات متعددة سياسية وثقافية، وتم انتقاء خبراء متخصصون في تطوير علم المناهج، وإشراك فنانين ومثقفين وإعلاميين ورجال دين مستنيريين وحتى “تقليديين” ومعلمين ومعلمات من اجيال متعددة.

وكانت المفاجئة أن خرجت هذه الجماعات المتطرفة من الظل، وشهدت شوارع المدن في الأردن وقفات احتجاجية من قبل جمعيات دينية سلفية مع تنظيمات سياسية متشددة، اعقبها تهديدات بالتصعيد وإطلاق موجة من الإضرابات، في حالة لم تتراجع الوزارة عن قرارها، معتبرين ان هذه التعديلات تشويه متعمد وعبث بالمناهج الوطنية!!

بالمقابل تكونت جماعة (نعم لتطوير المناهج) ورأت أن التعديلات إيجابية، تتماشى مع روح العصر وتزرع قيم التسامح والمحبة واحترام الرأي والرأي الآخر والانفتاح على حضارات العالم وركزت على الهوية الوطنية والإنسانية، وترسيخ قيم اساسية مثل المواطنة والتعدد الديني والثقافي..

لم تقف وزارة التربية والتعليم الاردني ازاء الحملات التي قادها المتطرفون صامتة، بل عقدت مؤتمرا ضم وزير الاعلام وضحت فيه الاهداف من تغيير المناهج واهمها إلى تطوير المهارات الفكرية، وإحداث نقلة نوعية في تكوين الكتاب المدرسي تركز على حضارة الأمة ووسطيتها وثوابتها..

فيما فتح وزير التعليم الاردني الباب أمام اي مبادرات ممكنة للمراجعة والتعديل، على المناهج بشرط الا تمس الاهداف الحقيقة من ” ثورة” التعديل وعقب ذلك طرحت كمناهج تجريبية جرى العمل على تطويرها وفق معايير مضبوطة ومتفق عليها

في السودان بعد الثورة لم نشهد تغييرا حقيقيا، كما السابق المنظومة التعليمية ماتزال خاضعة للأجندات مع غياب كامل للإرادة السياسية الحقيقية لإحداث ثورة في المناهج الدراسية البالية والتي لا يستحق اين تدرس لأبنائنا وإخواننا!! فحتى هذه اللحظة ماتزال نفس البرامج التي ساهمت في الخراب التعليمي المسيسة التي تنضح بالانغلاق، والتشدد الديني للتطرف متسيدة في الجامعات التي لم يطالها التغيير وانهزمت لحين محاولات القراي بعد خضوع رئيس الوزراء د عبد الله حمدوك للقوى المتطرفة بقبوله استقالة د. القراي!

في ظني المتواضع ان الصراع حول السلطة بين القوى السياسية حاليا، وفشل المجموعات الحالية الممسكة بالسلطة في الخرطوم في تحقيق اهداف ثورة ديسمبر، هو ما أحدث هذه الحالة من الفراغ الذي عززت فيه القوى المتطرفة من حضورها في المشهد واستغلال ثغرة ” المناهج ” لنشر التضليل الذي طالما تعودنا عليه والتحريض على “الثورة ” مستخدمة بلاغة الخطاب لمخاطبة العواطف في محاولة لتصفية كل ما هو جديد بحجة الدفاع عن الهوية الإسلامية وغيرها من المزاعم.

فالفكر التكفيري بدأ مع قبل ثلاثين عام مع المناهج، ما يعني ان المناهج والمدارس هي وسيلة ناجعة للتخريب لا للبناء!! يبدأ من الباب باستبدال اسماء المدارس بأسماء دينية ومحو اي رموز اخرى وطنية، او فكرية وغرس اسماء محددة بدلالات محددة، ولذا ندرك ان التطرف ليس وليد اللحظة..

فمثلا فرنسا التي كانت مقسمة سابقا لقوميات وإثنيات متعددة وتتحدث مجموعات بلهجات محلية ذابت كلها عندما ارتفعت لغة السلطة والقانون، وتوحدت رموزها الثقافية والفنية والسياسية والتي تعرفت عليها كل الاجيال في المدارس وفي الاعلام ولم تحصر الاسماء وتقصر على توجه سياسي او ديني واحد كما فعلت الانقاذ في المدارس وحتى الشوارع لطمس كل شيء عداها!

ان ثورة ديسمبر المجيدة لم تكن فقط انتفاضة ضد استبداد سياسي، تغيرت فيه الواجهات بل هي أيضا ثورة فكرية لها نزعة تغيير بنيوي، ورغبة في تحقيق إصلاح جذري، فلا يمكننا تجاوز هذه لبناء مستقبل أفضل مالم يتم إصلاح الخلل الموجود في المنظومة التعليمية، بدأ من ازالة اوهام في كتب التاريخ وتناقضاته حتى الذكاء الاصطناعي..

واخيرا المؤسسات التعليمية هي مؤسسات للتربية والتنشئة وهي ليست معزولة، فلابد ان تستجيب للأفكار المجتمعية المرغوب بها وتتفاعل معها ولا يصح ان تكون عبر كل الانظمة ادواتها الرمزية للتشدد والانغلاق يعكس رؤية النظام ورؤية السلطة..

(باحثة في العلاقات الدولية جامعة دوفين، باريس)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق