آراء

كوكاسيات

المطرقة والمسامير

عبد العزيز كوكاس

يقول المثل الفرنسي: “عندما تكون لديك مطرقة كبيرة، ترى المسامير في كل مكان”، هو ذا ما حدث بالضبط للولايات المتحدة الأمريكية، فمع انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، انتقلنا من نظام القطبية إلى نظام القطب الواحد أو ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تحددت معالمه الأولى مع اتفاقية الكات عام 1994، لم يعد للعم سام أي منافس على وجه البسيطة، فساد لوحده وبسط هيمنته إلى أبعد مدى، حيث عاضد التقدم العسكري تفوق اقتصادي وإعلامي غير مسبوق في تاريخ البشرية، وحازت الولايات المتحدة الأمريكية مطلق السيطرة على العالم بدون منازع، خاصة مع خضوع جزء كبير من القوى الأوربية العظمى لمخططات “الأخ الأكبر” في البيت الأبيض..

تضخم الجسد الأمريكي الذي أصبح بحكم موقعه في إدارة العالم، يصول ويجول لوحده، فقد ناصر إسرائيل برغم قرارات مجلس الأمن، وأغمض عينه على كل جرائم الكيان الصهيوني في إبادة الشعب الفلسطيني، وظل يتدخل في أنظمة أمريكا اللاتينية بلا حسيب ولا رقيب، وفي اللحظة التي بدا له ضرورة وضع اليد على حقول النفط في الخليج العربي، اختلق أزمة امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل لغزو العراق الذي لا زال يصارع من أجل لملمة جراحه، وبدا يصنع خرائط الدول وفق مصالحه وخارج أي قانون دولي، لأن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت تحكم العالم لوحدها، ومن يملك مطرقة كبيرة سيبدو له ما حوله مسامير يجب أن تضرب بقوة حتى في غير مكانها المناسب، هذا ما لا حضناه في العراق وأفغانستان وسوريا وفي جل دول أمريكا اللاتينية..

فالسلطة حين لا تضبط تتحول إلى حماقة في يد صاحبها، ويعتبر دونالد ترامب الرئيس الأمريكي السابق غير المأسوف على اندحاره، نموذجا صارخا لسلطة المطرقة الكبرى والمسامير، فالرجل حتى بعد هزمه في انتخابات حرة ونزيهة، استحلى مكوثه في البيت الأبيض ولم يشأ مغادرته كأنه يخشى الموت بعد مغادرته رئاسة أكبر دولة في العالم، لقد اعتاد حمل المطرقة الكبرى، ليدق بها رؤوس مسامير دول النفط، التي عليها أن تدفع لحماية بقائها في الحكم، أو تتعرض للتأديب ولفرض العقوبات لمجرد أنها تسعى لامتلاك السلاح النووي اللازم لحماية أمنها في منطقة ملتهبة، تتغير فيها الخرائط والولاءات بشكل سريع حتى قبل أن يجف مداد الحبر الذي رسم بها، أو يدق بها مسمار تركيا التي تبحث عن استعادة أمجاد العثمانيين، أو يخلق ما أسمته مكاتب الدراسات التابعة لمؤسسات الاستخبارات المركزية الأمريكية ب”الفوضى الخلاقة” التي سميت ربيعا عربيا، ها نحن في ذكرى عشر سنوات على مروره لم نر منه إلا الهشيم مع ما يحدث اليوم في تونس واليمن وليبيا وسوريا على سبيل المثال لا الحصر..

وفي اللحظة التي بدأت قوى جديدة تطل برأسها عاليا متحدية مطرقة الولايات المتحدة الأمريكية، مثل الصين التي امتلكت أسباب القوة والتفوق الاقتصادي والعلمي خاصة، بدأ حراس البيت الأبيض يتحدثون عن التهديد القادمة مع التنين الصيني/ الشيوعي الذي يهدد الديمقراطيات الغربية، عن أي ديمقراطية يتحدثون؟ هل ما يقع في فلسطين والعراق وأفغانستان ينتمي إلى القيم الديمقراطية؟ إنها سياسة من يمتلك مطرقة كبيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق