سلايدرسياسة

التحول الرقمي ومسارات المستقبل ما بعد أزمة فيروس كورونا

د. أحمد العربي٭

التحول الرقمي الذي برزت أهميته خلال جائحة فيروس كورونا أصبح ضرورة حتمية وشرطاً رئيسياً للعبور إلى التنمية المستدامة. إن جائحة كورونا هي التي سرّعت الموجة للتغيير نحو التحول الرقمي مطلع عام 2020، وهو مصداق القاعدة الأساسية في علوم إدارة الأزمات “الأزمات تسرّع اتجاهات التغيير”، حيث وجد ملايين البشر أنفسهم بنفس اللّحظة في اتجاه التغيير التطبيقي لاستخدام التكنولوجيا والفضاء الرقمي. ومع انتشار جائحة كورونا عالميا أدي الي اتخاذ الكثير من بلدان العالم إجراءات احترازية ووقائية، كإغلاق المدارس والجامعات، إغلاق الحدود مع البلدن الاخرى وإغلاق المطارات وايقاف الرحلات الدولية، إضافة إلى فرض قيود على التجول وإغلاق المطاعم والمحال التجارية كمحاولات لكبح انتشار الوباء. من جهة أخرى، تحتدم المنافسة بين مؤسسات البحث العلمي في دول العالم لإيجاد لقاح فعال للجائحة التي أدت الي حصيلة كبيرة من الوفيات تقدر بنحو ثلاثمائة ألف وأكثر من أربعة ملايين إصابة حتى الان. وبناء على ما مثلته الازمات المفاجئة على مدار التاريخ من كونها نوافذ فرص لخلق مفاهيم ومصطلحات وطرح مداخل لتفسير واقع جديد قيد التشكل في فترة ما بعد انتهاء الأزمة، تبرز مساحة من التساؤلات إزاء التطورات المتلاحقة والمتجددة المصاحبة لازمة جائحة فيروس كورونا المستمرة حتى الان، تتمثل فى محاولة البحث عن إجابة مثل: كيف سيكون شكل المجتمع/ الدولة/ العالم بعد الانتشار الواسع لجائحة كورونا؟ ما هى ملامح سيناريوهات المستقبل في مجالات الحياة المتعددة خاصة ذلك التي غيرت من أنماط تفاعلاتها عقب انتشار جائحة كورونا؟ ما سيناريوهات استدامة تلك التغيرات التي طرأت في مجالات الحياة على تنوعها (اقتصاديا- سياسيا – اجتماعيا – – ثقافيا – إعلاميا…….. وغيرها)؟ ما الفرص المتاحة لتحسين جودة الحياة للمواطن بعد زوال جائحة فيروس كورونا؟

قد فرض تداعي تلك التساؤلات، اتجاه العديد من مراكز الابحاث والفكر إلى الاهتمام بعلم المستقبل الذي يهتم بالمحتمل والممكن والمفضل من القدرات/ المستجدات / التطورات ذات الاحتمالات القليلة، والتي تمتلك في الوقت ذاته تأثيرات هامة وذلك لدراسة وفحص تلك الاحتمالات وطرح السيناريوهات ذات التـأثير المباشر علـي حياتـنا وربطها بالعوامل/ التحديات/ الفرص وتقديم خطط مستقبلية لادارة الازمات المحتملة واتخاذ إجراءات استباقية بشكل مبكر وسريع لتفادى الاضرار. ويرتبط تشكيل مجتمع ما بعد أزمة فيروس كورونا وسيناريوهات المستقبل ارتباطا مباشرا بما تتبناه حكومات العديد من الدول تحت مسمي رؤية 2030 التي تتضمن اهداف استراتيجية متوافقة مع التنمية المستدامة الأممية. وياخذ هذا الاتجاه طريقة نحو التبلور خاصة مع بروز نماذج مستجدة تختلف اختلافا جذريا عن عصر ما قبل الجائحة حيث ظهرت نماذج عمل جديدة غير معهودة علي المجتمعات، مثل الاكتفاء بالعمل عن بعد، حيث قامت مؤسسات عديدة عربية وأجنبية بإبلاغ موظفيها بانهم يمكنهم العمل من المنزل باستمرار حتى بعد انتهاء جائحة فيروس كورونا دون الحاجة إلى الحضور الى مقر العمل، مما يمثل فرصة في ابتكار نموذج عمل جديد وتطبيق مفهوم التحول الرقمي، اضافة إلى تخلى الكثير من الشركات عن عقد المؤتمرات، وستتحول تلك المؤتمرات والفعاليات الى اجتماعات افتراضية عبر الانترنت. كذلك التعليم عن بعد حيث يتجه التعليم في المدارس والجامعات بكل مستوياته وأشكاله إلى تبني نظام حديث عبر برمجيات ومنصات التعلم الالكترونية وهو ما يجعل الطالب قادرا على حضور مقرراته الدراسية في المنزل بأسلوب عصري مستفيدا من منجزات التكنولوجيا الحديثة.

   في ضوء تلك النماذج وغيرها كثير، فإن التحول الرقمي يمثل محاولة علمية جادة لرسم المستقبل اعتمادا على قراءة واقعية وموضوعية للحاضر بما يشتمل عليه من عناصر قوة أو ضعف وما تتضمنه البيئة من فرص وتحديات. ولا بد من تبنى برامج تكنولوجية أكثر تطورا تضمن سير العمل بشكل آلي ودقيق. كذلك تطوير البنية التحتية الرقمية التي تدعم وسائل الاتصال الحديثة لسرعة نقل البيانات وتوفير الخدمات دون اتصال مباشر بين مقدمى الخدمة والمستفيد. والمساهمة من المجتمع الأكاديمي في طرح تصوراتهم حول شكل التفاعلات المستقبلية في مختلف مناحي الحياة، وذلك عبر أوراق علمية تتبنى أدوات علم الدراسات المستقبلية بحيث يمكن الاسهام في صناعة المستقبل تأسيسا على أن المجتمعات القوية هي التي تدرك أبعاد ما قد تواجهه فى الحاضر من أزمات وتسعى بفعالية للمشاركة في بناء مستقبل أفضل. من ثم فإن الدراسات لا بد ان تتعدي مجرد وصف الواقع أو محاولة تفسيره الي دراسات استشرافية تتلمس ملامح المستقبل وتفاعاته المحتملة وعناصر الاستدامة المتاحة ومتطلباتها.

٭ أستاذ بجامعة جنوب الوادي – مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق