غير مصنف

خارج المتاهة

فلننظر للداخل أيضاً

محمد عتيق

تضج حياتنا كل يوم بأخبار تتحدث عن تطور جديد في صفوف أعداء الثورة (عند المكون العسكري/اللجنة الأمنية، أو خبر من أوساط الفلول الزواحف، الخ، مثلاً)، نتداول مثل هذه الأخبار وكأننا اكتشفنا شيئاً جديداً ناسين أن المشهد كله، بمستجداته وتطوراته، هو من طبيعة الأشياء:  فمن طبيعة الأشياء أن يعمل المكون العسكري على استلام السلطة والسيطرة عليها تماماً، وأن لا يحدث ذلك دفعةً واحدة، وإنما خطوة خطوة، تتسارع خطاها  كلما ظهرت عورات شريكته في الوثيقة الدستورية (قحت)، بل أن وجوده نفسه من طبيعة الأشياء ؛ (أي وجود مكون عسكري هو اللجنة الأمنية للنظام الساقط في قيادة الثورة)، هذا التركيز المستمر على العامل الخارجي:  المكون العسكري، الاسلامويين في الداخل مثلاً، وعلى دول الجوار الإقليمي أو المحيط الدولي خارجياً، هذا التركيز على العامل الخارجي يحجب عنا رؤية الأوضاع الداخلية، صفوفنا، صفوف الشعب وقواه المختلفة.

لم يكن عبثاً ولا تراجعاً أن وافقت قوى الحرية والتغيير على الشراكة مع المجلس العسكري الذي فرض نفسه قيادةً للثورة ومرحلتها الانتقالية، كان الأمر أمر توازن في القوى – قوةً أو ضعفاً -، ورغم قوة الشارع الذي أجبر المجلس العسكري على التراجع عن قراره بإلغاء كل تفاهم واتفاق مع قحت صبيحة فض الاعتصام، رغم قوة الشارع تلك، كانت القوى السياسية في قحت مدركةً لحدود قدراتها ولحجم الأخطار المحدقة بالوطن أمنياً وسياسياً عندما اكتفت بتراجع المجلس العسكري عن قراره ووافقت على الشراكة معه قيادةً مشتركةً للثورة كمرحلة،  بينما بالمقابل لم يخف المكون العسكري نواياه في الانقضاض على السلطة لأنه وجد تشجيعاً واسعاً من أطراف عديدة، منها:

– الطبقة العلمانية المتعلمة من الرأسمالية السودانية:  التي من مصلحتها أن تتوقف الثورة عند حدود اسقاط الدكتاتورية الإسلاموية والتحول لدكتاتورية علمانية تتيح لها استدامة مصالحها وحمايتها دون تنافس واتاوات وفروض كما كان الحال مع جيوش السماسرة والبلطجية في عهد الإسلامويين، واستطاعت هذه الطبقة، ومعها أعضاء من المجلس العسكري، أن تستقطب أفراداً من تنظيمات مختلفة من قحت ومساومتها على خطط ومواقف تخدم مصالحها المتنامية في ظروف الثورة.

– دول الجوار الاقليمي ومحاورها ؛ وهي المحكومة في الأساس بأنظمة عائلية أو عسكرية، لها مصالح كثيرة في السودان، غير متكافئة، توسعت كماً وكيفاً في ظل النظام الساقط المليء بالإدانات الدولية، مرعوباً أمامها، لا يهمه سوى رعاية المصالح الخاصة المتناقضة مع مصالح الوطن العليا وحياة شعبه في الصحة والتعليم والوعي والعيش الكريم،  استدامة تلك المصالح والامتيازات التي وجدتها  من النظام الساقط تتعارض تماماً مع ثورة ديسمبر وأهدافها،  ومن ناحية أخرى تعمل تلك الدول على ربط السودان بأحلافها الإقليمية والدولية وذلك يتطلب وجود نظام مركزي  دكتاتوري قابض، فلتدعم المجلس العسكري في خططه ونواياه لأنه سيكون النظام الأنسب والحليف المنشود.

– ذلك إضافةً إلى العنصر الأهم المتعلق بمجتمعنا ودرجة تطوره، فنحن في الحقيقة لا زلنا نعيش مرحلةً ريفيةً رعوية من حيث القيم والمفاهيم والممارسات، حالة تطغى على سلوكنا ومواقفنا، حتى بالنسبة لمكوناتنا السياسية “الأحزاب”، وهي أعلى درجات الوعي والالتزام (يساراً ويميناً) – كلها ناضلت ضد النظام الاسلاموي وتوصلت إلى “إعلان الحرية والتغيير”، وكلها تنادي بمدنية الدولة وبالتحول الديموقراطي، .. ولكن عملياً نجدها بعيدة عن المواقف التي تتطلبها تلك الرؤى الواردة في الإعلان وفي الشعارات (المرفوعة نظرياً) ؛ لا وجود للإيثار والتضحية، للتنازل والتواضع، لروح التعاون والثقة المتبادلة، قيم أن تكون كبيراً متسامياً عن الصغائر والمكاسب الآنية الذاتية، بل تهيمن عليها روح التنافس السلبي وتسجيل المكاسب، تغليب المصالح الذاتية الضيقة على مصالح الوطن، عدم تقدير المخاطر بحساسية  وطنية، فالأنانية عنصر تغييب كامل لقرون الاستشعار، لتقريب المعنى نذكر بعض النماذج:

– كيف تمكنت بعض القوى (من خارج دائرة الثورة) من إدراج ممثلين لها في مجلس وزراء الفترة الانتقالية، يمثلون مصالحها ويساهمون في اتخاذ المواقف المعبرة عنها، في وقت كانت فيه الأحزاب منغمسةً في صراع المحاصصات للاستحواذ على المناصب ومراكز النفوذ بينما كان شعارها في البدء تكوين حكومة من الكفاءات الوطنية مع إعلانات خجولة عن زهدها – كأحزاب – في السلطة!

– وهنالك مواقف من بعض الأحزاب لا يمكن تفسيرها إلا بالغرور والتعالي على الآخرين أو بممارسة التكتيكات العالية الدوي بغرض الكسب الجماهيري (“السيوبر” صاحب النبوءات والتوقعات الصائبة) ، وختمت عدد من الأحزاب مسيرة قحت باختطافها تماماً تحت مسمى (المجلس المركزي) وراحت تستخدمها أداةً لمحاربة القوى الأخرى (شركاءها في الهم والنضال) افتراضاً!

– وحركات الكفاح المسلح التي يعتبرها الناس ممثلةً لجماهير دارفور والمنطقتين، وأنها ساهمت في إنهاك النظام الإسلاموي الساقط، وتوقعت منها، وقد توقفت الحرب بالثورة، أن تأتي إلى الداخل فوراً وتشرع مع حلفائها الطبيعيين في (قحت) في تضميد جروح الأهل في تلك المناطق والعمل على مواجهة أسباب الحروب وظلامات تلك الجماهير وقضاياها، ..الخ، بدلاً عن ذلك خرجت عن قحت وإعلانها، راحت تبحث عن صناعة للسلام في حواضر دول الجوار، وهنا كان المكون العسكري قد أوسع الوثيقة الدستورية خرقاً، واضعاً يده على ملف السلام ورئاسة (الجانب الحكومي) فيه مقابل الجبهة الثورية (مع ملاحظة أن حركات الكفاح المسلح أساساً جزء من قوى الثورة)، وجاءت الجبهة الثورية بدون حركتي عبدالواحد وعبد العزيز الحلو، ولكن مثقلةً  بعناصر ومسارات ما أنزل الله بها من سلطان، وكانت النتيجة النهائية الهامة أنها دخلت في “المحاصصات” الحكومية من أوسع أبوابها متخلصةً من تلك المسارات الزوائد، وأتت بخرق جديد أوسع للوثيقة الدستورية عندما جعلت اتفاقيتها في جوبا أعلى/أسمى منها (من الوثيقة الدستورية) وأسست ما أسمته “مجلس شركاء الفترة الانتقالية” ليسمح للمكون العسكري أن يكون جزءاً من حاضنة سياسية جديدة للحكومة على أنقاض (قحت) ؛ هل هو اعتراف أم تحالف ؟ وماذا تركوا للحركات المسلحة الأخرى الهامة: الحلو وعبد الواحد؟ والغريب أن القوى المحتكرة لقحت باسم المجلس المركزي قد وافقت على ذلك وبررت له والتحقت به!!

  ذلك بعض الواقع الذي يهرب منه أغلبنا ويذهب باحثاً فقط في العناصر الخارجية – عناصر الثورة المضادة – بينما أوضاعنا الداخلية لا تقل عنها أهميةً.

  ورغم ذلك، هي أحزابنا، أدواتنا التي لا بديل لها في البناء الديمقراطي، فاذا كانت لا تزال ملوثةً ببعض أمراض التخلف من واقعنا الريفي/البدوي، فإن الأجيال الجديدة (جيل عصر الإنقاذ البائد) لا زال نقياً لم يتلوث بتلك الأمراض لأنه لم يتكون داخل تلك الأحزاب (لأسباب ذاتية وموضوعية معروفة)، أجيال نشأت تراقب أحوال بلادها وذويها البائسة، وقد وفرت لها ثورة التكنلوجيا والاتصالات أن تشاهد العالم من حولها، فعقدت المقارنات التي قدحت شرارة الحلم الذي دفعها للإسهام الحاسم في إسقاط النظام الاسلاموي الكاذب المستبد الفاسد تحت اسم “لجان المقاومة”،  يبقى على الأحزاب المؤمنة بها أن تقدم لها من خبراتها التدريب السياسي المناسب والخطط التنظيمية المعقولة التي تجمعها وتوحد رؤاها وحركتها، وستنتصر وينتصر الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق