ثقافة وفن

في حوار مع الطبيب والمخرج السينمائي المغربي الدكتور بوشعيب المسعودي

دوائي كطبيب هو الانفتاح على الفن وعلى الإبداع الدفين الذي بداخلي منذ الطفولة

من الأطباء المغاربة الذين زاوجوا بين الطب والفن السابع فكانت بصماتهم في الافلام السينمائية خلال إخراجه للعديد من الأفلام سوآءا الوثائقية أو الروائية ظاهرة في عالم الطب والفن، فإذا كان الفيلسوف الأندلسي ابن رشد قد قال عن الحكمة انها صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة، فإن الدكتور بوشعيب المسعودي قد جعل من الطب صاحبة الفنون واختها الرضيعة ،وهذا قلما نجده في أطباء اليوم والذين يتقوقعون داخل قوقعتهم الطبية.

وبجانب أعماله السينمائية فإن الدكتور بوشعيب المسعودي له عدة انتاجات فكرية وأدبية أهمها السينما والأوبئة والثقافة الطبية في السينما والوثائقي أصل السينما ومتاهة في عالم الطب الخ إضافة إلى مجموعات قصصية، كما شارك في عدة مهرجانات  فنية وطنية ودولية وإقليمية .

في هذا الحوار سيتحدث لنا الطبيب والمخرج السينمائي المغربي الدكتور بوشعيب المسعودي عن أبرز لمحات كتابه القيم السينما والأوبئة ودور وسائل التواصل الاجتماعي بفترة كوفيد 19 في ظل تراجع الإعلام التقليدي وغيرها من المحاور

حاوره عبد الحي كريط

> في كتابك السينما والأوبئة افردت أنواعا من الجوائح التي مرت بها الإنسانية من وجهة نظر طبية وربطتها بالفن السابع كيف استطعت الوصول إلى هذه المعادلة الممزوجة بالطب والفن؟

< بطبيعة الحال أنا طبيب قبل كل شيء ويهمني معالجة مرضاي وأنا أمارس هذه المهنة منذ أكثر من عشرين سنة. الطب والثقافة والفن يلتقون ويتقاطعون. وأخص بالذكر الطب والسينما فالسيميولوجيا تجمعهما، سيميولوجيا لتشخيص المرض وعلاجه وكذلك سيميولوجيا الصورة والصوت والحكي السينمائي لصناعة فيلم وثائقي أو روائي جدير بالمشاهدة. والتقدم التكنولوجي في مجال الصورة ساعد الطب وساعد السينما في تقدمهما.

بطبيعة الحال كذلك لابد من ميولات ثقافية وفنية، فأنا منذ الصغر أعشق الصورة والكتابة وقد كنت مدمن قراءة (لأي شيء يشبه كتابا) لقد قرأت مجلدات العنترية والأزلية ومجلدات حمزة البهلوان…

وبدأت منذ تقلدي إدارة المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة، المغرب (2008) بالكتابة الأدبية والسينمائية وكذلك إخراج الأفلام.

وجسمي كطبيب نفساً وجسداً يعمل كالإسفنج ليلاً ونهاراً؛ يمتص هموم مرضاي طيلة اليوم وطيلة الأسبوع وطيلة الدهر ودوائي كطبيب هو الانفتاح على الفن وعلى الإبداع الدفين  الذي بداخلي  منذ الطفولة…

وأضيف ما ذكره الدكتور أحمد خالد توفيق: “الأطباء لو كتبوا لأجادوا، ولو أذاعوا ما يعلمونه لأحدثوا رجة في الأدب والفن” والأمثلة كثيرة عربياً ودولياً…

> في الفصل الاول من الكتاب تطرقت إلى تاريخ الأوبئة بالمغرب وعززتها بدراسات علمية وتاريخية، مامدى حضور الدولة المغربية أو بصيغة أخرى” المخزن ” في تدبير الجوائح بالماضي والحاضر؟

< لقد خصصت فصلاً عن الأوبئة وتاريخها في المغرب، لكني اعتمدت في كتاب “السينما والأوبئة” على ما نُشِرَ في الأنترنيت وما يُوجد في مكتبتي ولهذا فالفصل ينقصه بعض المعلومات… الذي حصلت عنه

وقد عرف تاريخ المغرب مواجهات طاحنة مع الكثير من المجاعات والأوبئة خصوصاً في القرنين الثامن والتاسع عشر فتكت بالآلاف من المغاربة مما كان له بالغ الأثر على نفسيتهم. وكثير منا يسمع ب: التوفيس، بوگليب، الريح الأصفر، الجذام أو عام بهيوف…

وبدأت الكتابات عن هذه الأوبئة منذ 1145-1146م. لقد عرفت جل عهود التاريخ المغربي أوبئة يمكن إجمالها في ثلاث فترات بين القرن الثالث عشر والرابع عشر. وثلاث في القرن السابع عشر واثنين في القرن الثامن عشر وثلاث في القرن التاسع عشر، مع تقطع وامتداد داخل كل فترة.

> أفرزت الأوبئة في تاريخ المغرب إنتاجا طبيا وأدبيا وفقهيا تمحور بالخصوص حول الجانبين الاجتماعي والاقتصادي في تدبير الأزمات ،ماهو تقييمك الطبي في هذا الصدد؟

< أكدت الوثائق على دور النقل البحري في نقل الأوبئة بين المغرب والأندلس وفي إتجاهات أخرى إفريقية ومغاربية وعربية. في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين ظهرت ميولات لدى الباحثين المغاربة لدراسة ظاهرة الأوبئة، بارتباط مع القحوط والمجاعات ومع الاضطرابات السياسية التي عرفها المغرب جزئياً أو كلياً. وتحفل خزائن المغرب بوثائق مباشرة ونصوص وحواشي حول زمن الوباء، وكلها نصوص نافذة نحو المعرفة الدقيقة لتفاعل المجتمع ونخبه مع ظاهرة الوباء، إضافة إلى المعلومات المتناثرة خاصة في كتب رحلات الأجانب إلى المغرب.

لقد كانت السلطات تعمل بحزم ضد الأوبئة وفي بعض اللحظات بقسوة بحجر أحياء بكاملها أو بناء أسوار حولها…

لقد كتب ابن خلدون ” لقد كان الطاعون يختطفهم شخصاً شخصاً وجماعة جماعة، ولم يعد يفرق بينهم وبين القطط والكلاب… وقد يصبح بعضهم في أزقة المدينة… بمثابة جيفة من الجيف…” وقد ندد بالمسؤولين والميسورين “وعدم التفاتهم لمساعدة الفقراء وأهل الخصاص”

أما التقدم العلمي إبان الأوبئة الغابرة لم يكن يحظى بمكانة عالية. لقد غُلِبَ العلماء والأطباء على أمرهم اللهم بعض العلاجات المحلية أو الآتية من أوروبا والصين تُجَرَّبُ على بعض المصابين.

> في الفصل الثاني من كتابك تناولت علاقة السينما بالأوبئة لماذا السينما دائما تتنبأ بحدوث الأوبئة؟ هل الأمر له علاقة بالبصيرة السينمائية

< من الطاعون إلى الفيروس التاجي الموجودين في الأفلام، عبر الكوليرا أو فيروس إيبولا، انتشرت الأوبئة والجائحات وعدوى الفيروسات إلى السينما. انتاجات داخل بيئة تاريخية معاصرة مثل فيلم العدوى للمخرج سوديربيرك أو فيلم العمى أو فيلم تنبه… أو انتاجات تُظهر ما بعد نهاية العالم مثل فيلم أنا أسطورة… تُعرض هذه الانتاجات في السينما على شكل سيناريو رُعب خالص مائة بالمائة أو كخيال علمي… إنها أفلام ضخمة تهدف إلى تخويف الناس وقهرهم.

لا شك أن الأفلام التي تتناول الأمراض والأوبئة، تحتاج إلى منتجين وصناع أفلام جادين لديهم الوعي أولاً بالمسؤولية التي بين أيديهم ولدين ثانياً الثقافة العلمية والمجتمعية الخاصة بالأوبئة وتفاصيلها العلمية والتاريخية وكيفية انتشارها وسبل علاجها. يجب أن يكونوا أصحاب رؤية فنية ناضجة، ومعرفة بالطب وبالتقدم العلمي الحالي. إن صناع الأفلام المتعلقة بالأوبئة تتعامل مع سيناريوهات يمكنها أن تتكلم عن الحاضر وتمزجه مع الماضي ويمكنه أن يتداخل مع المستقبل في تكهنات وتوقعات محتملة.

لقد صارت هذه الأفلام تُصَوَّر بطريقة مثلى تنبعث منها الواقعية والحقيقة، ممزوجة بحبكة عالية تجعل المتفرج يتابع أطوار الفيلم: طول الفيلم بشغف ورغبة وسط بيئة مرعبة تصل إلى حد الجنون في بعض الأفلام. وكثيرون (من المشاهدين) يحاولون دمج تنبؤات بعض الأفلام ببعض الأوبئة بالواقع المعاش.

وأعادت جائحة كوفيد-19 إحياء الاهتمام العام بسينما الأوبئة.

لقد استعملت السينما في صناعتها لأفلام الأوبئة النموذج العلمي حيث هناك عامل مسبب يُمثل البذرة الأولى أو الحالة صفر بعدها يتم الانتشار، في قالب درامي متميز قريب من الواقع ومن الحقيقة.

> لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا محوريا في فترة كوفيد 19 من خلال الكشف عن عدة معلومات عن هذه الجائحة المستجدة، في ظل تراجع الإعلام التقليدي ماهو تصورك لهذا الواقع الإعلامي المستجد؟

< بالفعل لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً جداً خلال هذه الجائحة؛ لعبت دوراً سلبياً بالمعنى الكامل للكلمة: لقد أصبح لكل واحد منا معلوماته وتحليله وتقييمه… فبعد الأسابيع الأولى، أسابيع الخوف والهلع أصبح لنا عدد لا يحصى من المحللين والخبراء و”الدكاترة” و”الأساتذة” في علم الطب وعلوم الأوبئة والفيروسات والأمراض المعدية… “كل يلغي بلغته”… وأصبحت كمية المعلومات التي تقصفنا يومياً لا تُحْتَمَل…

أما إيجابيات وسائل التواصل الاجتماعي في ظل هذه الجائحة موجودة كذلك: أصبحت لنا علاقات عديدة وجديدة مع أولادنا وأهلنا وأصدقائنا ومع أفراد المجتمع بصفة عامة من المؤتمرات والمهرجانات والندوات عبر وسائل خُلِقَتْ خصيصاً لهذه الظروف. وساعدت كذلك في وصول العلوم إلى المنازل… ولو أنها حرمتنا من العناق والتقارب الجسدي ومن الحرارة الإنسانية التي اعتدنا عليها.

> الوثائقي أصل السينما هي إحدى كتبك القيمة في المجال الوثائقي، ماهو واقع صناعة السينما الوثائقية بالعالم العربي بشكل عام والمغربي بشكل خاص؟

< الوثائقي، أصل السينما” هو أول كتاب كتبته سنة 2012 وهو يحكي تاريخ السينما عبر الفيلم الوثائقي. فالسينما كما يعلم الجميع وُلِدَتْ وثائقياً منذ الإخوة لوميير.

إن الفيلم الوثائقي عُرِفَ منذ البداية بأنه فيلم غير مربح وغير تجاري ولكن الأمور تغيرت وأصبح له دوره الفعَّال بعدما كان منتشراً هنا وهناك في بعض المهرجانات الوطنية والعالمية.

لقد أصبح مُربحاً وخُصصت له مهرجانات دولية كبيرة وأسواق عالمية معروفة.

في المغرب كان كذلك هناك وهناك وأخيراً خُصصت له بعض المهرجانات أهمها: المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة والمهرجان الدولي بأكادير ومهرجان الفيلم الوثائقي الصحراوي. كما خُصصت مسابقة للفيلم الوثائقي في المهرجان الوطني ولكنها لازالت جنينية ينقصها الجوائز وكذلك لجن تحكيم مسؤولة.

> يقال بأن السينما منذ القبس الأول ولدت توثيقية بنفس تخيلي واضح هل تفضلتم لنا بشرح هذه الجدلية؟

< كما ذكرت سابقاً لقد ولدت السينما وثائقياً. ففي نظري المتواضع أن كل الأفلام وثائقية كانت أو روائية فهي “وثائقية”. فالأفلام الوثائقية هي بالطبع وثائقية وقد تكون جامعة بين الإثنين وثائقية-روائية، والأفلام الروائية تحمل بين طياتها ومشاهدها لقطات تدل على الواقع والحاضر وعلى الزمان والمكان اللذين صُوِّرَ فيهم الفيلم وهما مكونان أساسيان للواقع والحقيقة ووسيلة للتوثيق ولحفظ الذاكرة. فهناك أبطال/شخوص ومباني وسيارات وشوارع وغيرها… كلها شخصيات تظهر بعد حين كوثائق تؤرخ لزمكان محدد.

> الطب في خدمة الفن السابع هي نتاج تجربتك الطويلة في الميدان الطبي والفني، كيف استطعت التوفيق بين مهنتك كطبيب وكمخرج سينمائي؟

< أقول دائماً أنا طبيب اولاً وقبل كل شيء فعالمي الأساسي هو عالم الطب والبحث العلمي والمؤتمرات الطبية وعالمي هو عالم مرضاي الذين أحس بهم وبآلامهم، أحاول تشخيص أمراضهم وعلاجها وأحاول كذلك الكتابة عنهم وتصوير أفلام تتكلم عنهم وعن آلامهم وآمالهم كذلك.

أحاول أن أضيف الشيء القليل عبر تجربتي المتواضعة لكن الأفلام بصفة عامة الخاصة بالمواضيع الطبية وثائقية أو روائية أو ببعض المشاهد الخاصة بالمرض تحتاج إلى رأي طبيب لكي تظهر المشاهد حقيقية وواقعية، فهذا خصاص كبير خاصة في أفلامنا ومسلسلاتنا المغربية.

> هل يمكن لك أن تكشف لنا عن بعض أعمالك الفنية القادمة؟

< بعد الفيلم الوثائقي القصير الذي حصل على عدة جوائز: جائزة أحسن موضوع بالمهرجان الدولي السابع للفيلم بطنجة بالمغرب سنة 2014 وجائزة أحسن فيلم وثائقي في العالم بالدورة الرابعة بالمهرجان الدولي بدلهي بالهند سنة 2015 وقُدم بالمؤتمر الطبي العربي بمراكش بموازاة مع المؤتمر الوطني لأمراض الروماتيزم سنة 2016.

هناك فيلم “أمغار” الفيلم الوثائقي الطويل الذي عُرض في المهرجان الوطني بطنجة سنة 2020 ورُشِّح لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية بمصر 2021 والمهرجان الدولي للسينمائيين بلندن بإنجلترا.

وفي المونتاج الفيلم الطويل الوثائقي “الأمل” والفيلم يتحدث عن حكاية عبد السلام، الانسان/ المريض المزمن. يتحدث عن الصراع ضد المستحيل والفوز عليه. يتحدث عن الانسان الطبيب، عن الانسان المريض، عن الانسان المرافق والمحيط بالمريض… مع أفلام قصيرة اخرى روائية ووثائقية. وبعد المجموعات القصصية القصيرة “شذرات من حياتي.. شيء من الواقع وشيء من الخيال..” و”تيه ومتاهة.. في عالم الطب” و”لهفة وهتاف.. شذراتهم…”ستصدر المجموعة القصصية القصيرة “دخلت.. شذراتهن…” بالعربية وبالإنجليزية ونسخة بالعربية-انجليزية وهذه تجربة جديدة وكذلك الطبعة الثانية “شذرات من حياتي.. شيء من الواقع وشيء من الخيال…” بالعربية وبالإنجليزية ونسخة بالعربية-انجليزية.

كما أن هناك “الوثائقي، أصل السينما” و”الثقافة الطبية في السينما” و”السينما والأوبئة”.

وستترجم جُلُّ الأعمال إلى اللغة الإنجليزية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق