ثقافة وفن

بيل جيتس… أسطورة حقيقية

الفصل الأول من الكتاب (2)

عماد البليك

وسياتل من الوجهة الصناعية هي مدينة (البوينج) الطائرات المشهورة، حيث يوجد بها مصنع هذه الطائرة العريقة، وهي المدينة التي انطلقت منها سلسلة مقاهي (ستار بكس) الشهيرة. وقد ظل جيتس وفيا لمرتع الطفولة وسكن بالمدينة لفترة طويلة فيما بعد.

عائلة جيتس كانت من العوائل الغنية، فقد كانت تملك صندوق ائتمان قدره مليون دولار خلفه جد العائلة، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس المصرف الوطني في أمريكا، بيد أنه رفض أن يوظف منصبه أو يستخدم دولارا واحدا في بناء حياته. كذلك انطبق الأمر على الحفيد بيل، الذي فضل هو الآخر الاعتماد على نفسه كما سنرى من خلال الفصول القادمة. وتشير لنا هذه القصة الواقعية إلى أن الإنسان الجاد لا يستند على إرثه وما ورثه من الأجداد، بل يبني نفسه اعتمادا على إمكانياته الذاتية وإبداعه الذي يصنعه عبر خياله ومعارفه في الحياة، أيضا خبراته وتجاربه وخططه لمستقبله.

كان والد بيل، يعمل في مجال المحاماة وهي مهنة ذات مكانة رفيعة في المجتمع الأمريكي، ورغم أن الوالد كان شخصية نافذة إلا أنه كان محافظا إلى أبعد مدى وقد انعكس ذلك نوعا ما على شخصية ابنه، الذي لم ينجرف وراء إي من اخفاقات الحياة مثل تعاطي المخدرات أو السهر غير المبرر أو اللعب في الحياة، وجملة هذه الأمور كانت ممكنة في مجتمع مفتوح كالمجتمع الأمريكي، يمكن للأبناء أن يفعلوا فيه ما شاءوا. لذا سنجد أن بيل مع اختيه كرستين وليبي كانا قد رسما ذات شخصية والدهم في المحافظة والالتزام والجدية في الحياة.

أما أمه واسمها ماري، فقد كانت تعمل مدرسة، ويشار إلى أنها كانت سببا رئيسيا وواضحا في تنظيم حياة ابنها، فكثير من طرق جيتس في التفكير وحل المشكلات ومواجهة القضايا المربكة في الحياة، كان لوالدته القدح المعلى فيها، لاسيما أن الأم تؤثر في بناء الطفل بطريقة واضحة، وإذا كا كانت الصفات التي سوف يكسبها الطفل جيدة فسوف ينعكس ذلك على سلوك الطفل، وإلا يكون العكس إذا ما كانت الأم غير موفقة في رفد طفلها بالإيجابي في الحياة.

بناء على تأثير الوالد والوالدة، سنجد أن بيل ومنذ صغره كان طفلا ناضجا، لا يحب تضييع الوقت ولا يعرف معنى كلمة (فراغ) في حياته. ولاحقا سنجد أن جيتس يصف جلسات العشاء مع العائلة الصغيرة، بأنها لم تكن تذهب سدى أو تضيع الوقت، بل على العكس تماما كانت تلك الجلسات في ذاكرة جيتس مدرسة مصغرة ومبكرة تعلم منها الكثير، فمحيط العائلة كان غنيا بالكثير الذي من الممكن للمرء أن يتعلم منه إذا أراد ورغب، وهذه الرغبة المبدئية كانت لدى جيتس الطفل وبدرجة كبيرة جدا.

وفي تلك السنوات المبكرة من الطفولة، سيبدو جيتس طفلا عاديا لمن يقترب منه، ربما بسبب نوع من الحياء الذي كان يوسم به، أو ربما لأن جيتس ليس من أولئك الذين يحبون إثارة الضجيج ولفت الانتباه لهم، كعادة بعض الأطفال. لكن ذلك الطفل ليس عاديا، فهو مميزا ومختلفا لمن يقترب منه ويعرفه جيدا، فقد كان يمتلك ذاكرة مميزة قوية في الحفظ  وكان بإمكانه أن يفعل أي شيء يضع كل تفكيره فيه، وهو الأمر الذي انطبق على مسار حياته بشكل عام في مستقبله، فقد كانت تلك السنوات الأولى هي التي أسست لحياة طفل عبقري ومختلف، سيكون مميزا ليس على نطاق مجتمعه فحسب، بل على مستوى الكرة الأرضية جمعاء.

ولكي نفهم شخصية جيتس بدرجة أفضل في صباه، سنجد أن أحد أصدقائه في تلك الأيام، يقول عنه: “كان بيل أذكى منا جميعا، ومع ذلك فقد كان متواضعا”. وهنا نلتفت لخصلة التواضع، التي هي رديفة المعرفة والحكمة والعلم، فالذين يتواضعون هم في واقع الأمر أناس يدركون قدر أنفسهم جيدا، وبالعكس فإن الذين يغترون ويمارسون الفوقية على البشر، هم في أغلب الأحيان جهلة لا يعرفون شيئا فيكملون جهلهم بإدعاء التميز على الناس عن طريق الغرور. ويتضح أن جيتس من زمن مبكر، كان قادرا على فهم نفسه ومن يكون.

كثيرا ما تربط العبقرية بالجنون، وهو ربط غير منطقي يقوم على نسجه الإنسان عندما يعجز عن تفسير الذهنية التي يعمل بها الطرف الآخر، الموصوف بالذكاء الحاد. هذا الأمر حدث مع جيتس ومنذ فترة مبكرة، لدرجة أن والدته خافت على مصيره فأخذته إلى الطبيب النفسي، الذي كان أكثر قدرة بحكم خبرته وعلمه التخصصي على إدراك شخصية جيتس الحقيقية.

في العيادة النفسية

ولكي نفهم تداعيات القصة منذ البداية، فقد كان جيتس سيئا من حيث الأداء الأكاديمي بالمدرسة في الصف السادس، وهو الأمر الذي فسّر من قبل الأسرة على أنه “خيبة أمل”، أو عبقرية للطفل الذكي تكاد تنفرط به إلى طور الجنون. وكان قد عقّد الأمر أن جيتس دخل في خلاف مع والدته في هذه السن المبكرة، حول أهدافه في الحياة بشكل عام.

تلك البذرة الأولية لمفارقة النمط والسائد، هي التي هيأت لجيتس لاحقا أن يشق طريقه المفرد في الحياة وأن يقيم إبداعه الشخصي بعيدا عن المكرر والمعاد، فالإبداع الذي يصل الناس ويؤثر فيهم ويكون مجالا للكسب المالي الكبير، لا يتولد عن الأنماط والأشكال السائدة في التفكير.

الطبيب النفسي طمأن والدة جيتس بأن كل شيء طبيعي، وأن المشكلة ليست في جيتس ولكن في المحيطين به، فقد كان الطفل محتاجا إلى من يقوم على استيعاب رؤاه للعالم والطريقة التي يفكر بها. وكان تحليل الطبيب صحيحا لأنه استطاع أن يقيم علاقة فاعلة ونفعية مع الطفل “المتمرد” على قوانين العالم وأنماطه.

كانت نظرة جيتس إلى ما بعد سنوات بعيدة لذاك اليوم الذي ظل في ذاكرته، تتعلق بصورة الطبيب النفساني الذي استطاع أن يفهمه أكثر من أي شخص محيط وقريب منه. ووصف الطبيب على أنه كان شخصا لطيفا، وكان يعطيه كتبا يقرأها عقب كل جلسة وموضوعات لفرويد، جعلته يفهم نظريات علم النفس.

وبعد ان توطدت العلاقة بين الطرفين، طفل السادسة والعالم كبير السن، ونمت بشكل مذهل، كان أن أخبر الطبيب والدة جيتس: أنه من العبث محاولة إجبار طفلها على التواؤم مع السلوكيات السائدة أو على فكرة الطاعة المتوارثة. وقال لها: لو حاولت فسوف تخسرين ومن الافضل لك ان تعتادي عليه، فلن تستفيدي شيئا اذا حاولت ان تضربيه.

الاعتياد الذي كان يقصده الطبيب يتعلق بأن تدرك أن ابنها مختلف، وعليها أن تتقبل الاختلاف. وأن الحلول التقليدية التي درج عليها الآباء لن تفيد الطفل في مشروع حياته المستقبلية. وهنا لابد من الإشارة إلى أن ما حدث يتعلق بأسرة متعلمة ومدركة لأهمية الاختلاف ودوره في الحياة والنجاح، فما بالك بأسر أقل من ناحية العلم والوعي المعرفي. حتما مثل هذه الأسر سيكون حال ابنائها، أكثر تعقيدا إذا ما كانوا يحملون بذرة جيتس. وهو الأمر الذي يتطلب من الأسر الالتفات لقدرات الابناء من زمن مبكر، فالكثير من بذور النجاح والتميز عند كثير من الأطفال يتم اغتيالها قبل أن تسلك البذرة طريقها كشجرة صغيرة، تتخذ طريقها إلى الضوء والنور ومعانقة العالم الخارجي.

بتلخيص “الأزمة” التي مر بها جيتس، فإن العالم النفساني استطاع ان يستوعب حالة جيتس وخلق علاقة خاصة معه لأنه فهم ان ما يعانيه بيل يتعلق بإيجاد علاقته الخاصة مع العالم، فيما راحت عائلته تفسر المسألة على أنها “الجنون”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق