ثقافة وفن

عن زيف الغربة ووجع الأوطان!

دعاء الشامي

“ما زلت أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدة وإنما يموت بطريقة الأجزاء، كلما رحل صديق مات جزء، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء، فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة فيحملها ويرحل”؛ (جبران خليل جبران).

لا أمل من قراءة السطور السابقة، كنت أعتقد قبل سنوات أنها مجرد بلاغة كاتب بديع السليقة حاضرها، لكن يبدو أن ما كتبه ليس مجرد أحرف وكلمات مصفوفة، بل تجارب حياة قاسية يغلب عليها الوداع.. فهو ابن المهجر الذي عايش وقاسى من وجع الفقد والرحيل خلال ثمانية وأربعين عامًا، عاشها مرتحلًا بين وداع أفراد عائلته وأحبابه.

ماذا يفعل فينا الغياب؟ نكبر كل يوم ويتوقع منا الآخرون أن نتوقف عن البكاء.. أن نكون أكثر صلابة.. أن نصبح على قدر المسؤولية.. أن نعتاد الغياب والرحيل.. ولكن لم يخبرنا أحد كيف نبقى أحياء بينما تموت أجزاء منا كل يوم.. يموت الأحبة.. ويرحل الأصدقاء ونمنع من لقاء أحبابنا لسنوات طويلة لأن أوطاننا لفظتنا بفساد أنظمتها.. ونبقى نواجه عالمنا وحدنا في بلاد بعيدة، بينما يجب أن نواصل طرقنا بصلابة ودأب..

في السنوات الأخيرة لم يعد الرحيل خيارًا، لو فتشنا فسنجد أننا نعيش وأرواحنا مفرقة بين قارات بعيدة، وعشرات الدول تتلقفنا بين لاجئ ومغترب وهارب.. والأكثر جحيمًا أولئك الذين لا يستطيعون العودة وإن رغبوا!

تجمعنا تطبيقات الهواتف عبر اتصال سيئ بالفيديو أو بالصوت تضيع أغلب حكاياته لسوء الخدمة.. حوار لا يدوم طويلًا لكنه يضمن اكتشاف خطوط الزمن على وجوهنا واللون الأبيض على رؤوسنا؛ ليخبرنا أن الشيب صادقنا قبل أوانه.. هذا إذا استطعنا إيجاد وقت مناسب لنا ولمن نحدثهم، نظرا لاختلاف التوقيت والأولويات والتفاصيل اليومية التي لا تتوقف..

خلال سنوات إقامتنا في بلاد لا تشبه بلادنا بعد تلك السنوات العجاف التي تلت ثوراتنا العربية؛ يحركنا الحنين لأوطاننا فنبحث عن هؤلاء الذين يذكّروننا به.. نضع قوالب صلبة من أنفسنا في حياة آخرين تعرفنا عليهم للتو.. لم يشاركونا لعبة الحَجلة، ولم نتقاسم معهم طعامنا في الفسحة المدرسية، ولم يداووا جراحنا عندما هجرنا حبيب الجامعة.. لم يحضروا زفافنا، ولم يتذوقوا كعك الأعياد في بيوتنا..

لكننا رغم ذلك نرسم علاقاتنا معهم، نوطدها لتكون سدًا منيعًا لأوجاع الغربة القاتلة.. نخترع مناسبات واحتفالات تشبه تلك التي عهدناها مع أصدقائنا؛ نضفر أحلامنا معهم ونترك حبل آمالنا مرتخيًا علّنا نستطيع مقاومة كل تلك المرارة التي تتركها الوحدة والغربة في طعم أيامنا.. نفعل كل ذلك وننتظر؛ ثم تنقطع تلك الحبال واحدًا تلو آخر.. ورغم كل ذلك يجب أن نبقى على هدوئنا ورصانتنا.. فنحن كبار!

رحلة ذهاب فقط.. بات الطريق إلى المطارات واحدًا من مشاويرنا المكررة.. لم يعد كما كان سابقًا لاستقبال الوافدين وطمأنتهم أننا نحمل نفس اللهجة والحكايات والنكات ذاتها.. بل صار جميعه لتوديعهم.. في رحلة ذهاب فقط..

مع اعتيادنا؛ بتنا نتعامل مع تلك اللحظات التي نقضيها في الطريق بكثير من العبثية والاستهتار.. نتحدث فيها عن مشاكل العمل وجمال الشتاء، ورقّة صوت المطربة التي يعلو صوتها في السيارة لتخبرنا عن حبيبها المفقود.. نتجاهل كل ذلك بينما يدور صراع آخر نخفيه داخلنا.. المسافر بعيدًا والمتروك في غربته.. ماذا سنفعل؟ ماهي الخطوة القادمة؟ كيف ستكون الحياة بعدها؟ هل سنبدأ رحلة البحث عن أصدقاء جدد؟

على أعتاب السلالم الكهربائية الفخمة التي تأخذنا إلى صالة السفر الواسعة، وعلى وقع تغير أرقام الرحلات؛ تتسارع نبضات قلوبنا، بينما نحاول كبحها والتمسك بالهدوء، وتمثيل دور البطل الخارق الذي لم تعد تحركه مشاعر الفراق..

ذلك العاقل الذي يعرف أن الناس هنا يلتقون ليودعوا.. نوهم أنفسنا أننا سنلتقي رغم أن المسافة الفاصلة بين الدول التي تؤوينا وتلك التي سيحط فيها المغادرون باتت بعيدة حد اليأس، وتفوق قدراتنا حتى على رسم الأمل!

وبجوار النقطة الأخيرة التي يسمح لنا فيها بالبقاء قبل السلام الأخير نضم أياما تشاركناها بين أذرعنا.. نستلّ سيف الشجاعة المزعوم فينا ونحارب ضعفنا.. نتلاحم بينما نشيح بنظرنا بعيدًا لنخفي خيبتنا الكبرى.. وبعد تلك البوابة -التي يدير عندها كل منا ظهره للآخر- تتدفق الدموع وحدها كاسرة كل تلك الخرافات عن القوة والتماسك..

نبكي هذه المرة طويلا فيما يربّت الصغار على أكتافنا في هدوء.. من أين يأتي الصغار بكل هذا الهدوء داخلهم؟ تراهم تمرّنوا على ذلك من تغيّر أصدقائهم مع بداية كل عام، أم إنهم لم يجربوا التعلق بعد؟

وماذا بعد؟ في طريق العودة نفكر في طبيعة الأيام القادمة بعد الرحيل: هل سنبقى كما كنا؟ ننام ونستيقظ لنقنع أنفسنا بأننا بخير، وأن هناك ما يستحق الصحو مبكرًا، ونقضي ساعات طويلة في أعمالنا؛ ونوزع ضحكاتنا على غرباء، ونُبقي ابتساماتنا -على اتساعها- لنستطيع إكمال ساعات العمل.

تنتهي دواماتنا وتبدأ دائرة أخرى في عالمنا الضيق، فلا أمهات يساعدن في تربية صغارنا، ولا خالات يجدلن ضفائر صغيراتنا، ويمنعن العقاب عندما تفور الأمهات غضبًا؛ ولا جَدٌّ يحكي قصة الأرنب الشقي قبل النوم، تلك التي تخبر الصغار عن سلوك أفضل يحتاجون إلى تعلمه..

نستقبل أبناءنا بأحضان كلها شوق؛ نتلقى أسئلتهم ومطالبهم بهدوء يليق بآباء وأمهات يتفهمون نفسية أطفالهم الغرباء مثلهم، يحاولون تعويضهم بطرق عدة ليس من بينها جلسة عائلية دافئة بحضور أجيال الأسرة الثلاثة..

آباء يفهمون ويقرؤون نظريات التربية ويكدحون من أجل مستقبل أفضل لأبنائهم؛ فيختارون العيش بدولة بعيدة تغلفها الثلوج أغلب أيام السنة، ولكنها -رغم برودتها- قد تمنحهم الدفء مستقبلا بجنسية قوية، تضمن حقوقًا لن يحصلوا عليها في بلدانهم.. أو أخرى تحرقهم حرارتها أغلب أشهر العام لكنها تعوضهم ماديًا بشكل ربما يساعدهم في تحسين مستقبلهم بعد ضياع سنوات شبابهم هناك.. ولكن قبل ذلك على الجميع دفع الثمن.

نستمع إليهم ونحاورهم، ونعتذر عن طول غيابنا وعن غربتنا عن بلادنا التي ربما لم يعرفوها جيدًا؛ تلك الأوطان التي نحبها رغم ما تفعله فينا.. نحكي لهم عن جمالها.. نتغزل في تاريخها.. نتندر على عذوبة أيامنا فيها.. ونسكت بعدها طويلًا لأنه لم يعد بمقدورنا حتى زيارتها مرة كل عام..

نبتسم ونكظم أشواقنا، ونأخذهم في رحلة ثابتة إلى مراكز التسوق المغلقة، حيث مزيد من مظاهر الحياة المُعلبة خلف زجاج المحال التجارية، تمامًا كتلك التي تغلف أغلب العلاقات من حولنا.. يمرحون في أماكن مغلقة للعب مع أطفال لن يصادفوهم مجددًا، لكنهم يستطيعون الاستمتاع معهم بتلك الدقائق التي يحتاجها المرح..

فهل تعلمنا الغربة أن نكتفي من الآخرين ونحاول العيش وحدنا حتى لا نمر بمزيد من الفقد.. أم يخبرنا صغارنا ألا نتعلق بأحد.. فكلنا إلى رحيل؟

(كاتبة وصحفية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق