آراء

ساعة لعقلك

هل فات الأوان للتوقف عن التدخين؟

د. علي عفيفي

من المعروف أن سرطان الرئة يعد من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان، حيث يؤدي إلى وفاة عدد من الناس أكبر من كل أنواع السرطان الأخرى1. ويعتبر التدخين من أهم مسببات سرطان الرئة، حيث يتسبب في حوالي 80-90% من الوفيات الناتجة عن هذا المرض الخطير2. وجد العلماء أن التدخين يسبب السرطان بصورة غير مباشرة عن طريق تشجيع حدوث الالتهابات، وإضعاف الجهاز المناعي3،4. أما التأثير المباشر للتدخين فيحدث عن طريق المواد المسرطنة الموجودة في السجائر، حيث تحتوي السجائر على أكثر من 60 مادة مسرطنة، وهي المواد التي تحفز حدوث طفرات تؤدي إلى نمو وانتشار الخلايا السرطانية3،4. في العادة، تحتوي خلايا الرئة في المدخنين على عشرات الآلاف من الطفرات، ولكن عدد قليل من تلك الطفرات هو الذي يشجع نمو الخلايا السرطانية5،6.

وجد العلماء أن هناك علاقة طردية بين مدة التدخين وكثافته وبين احتمالات حدوث السرطان، حيث تزيد فرصة الإصابة بالسرطان في حالة التدخين بشراهة أو عند استمرار التدخين لفترة طويلة1،2. الغريب هو أن التوقف عن التدخين له أثر تراكمي، حيث تقل احتمالات إصابة الشخص بالسرطان بمجرد توقفه عن التدخين وتستمر في الانخفاض مع الوقت2. هل يعني ذلك أن جسم الإنسان يقوم بإصلاح الضرر الناتج عن التدخين بعد التوقف؟

للإجابة على هذا السؤال، قام بحث جديد نشر في مجلة Nature، بدراسة الطفرات في خلايا النسيج الطلائي بالرئة، وذلك في عدد من المتطوعين المدخنين، وغير المدخنين، ومن توقفوا عن التدخين منذ فترة. قام العلماء بأخذ عينات من خلايا النسيج الطلائي ثم فصلها إلى خلايا مفردة وتنمية كل خلية إلى مزرعة خلوية7. قام العلماء بعد ذلك بدراسة التسلسل الجيني الكامل في تلك الخلايا، فوجدوا أن معدل الطفرات زاد بزيادة العمر، وهو ما كان متوقعاً. وجد العلماء أيضاً أن معدل الطفرات في المدخنين كان الأكبر (أكثر من غير المدخنين بحوالي 5300 طفرة بكل خلية)، ويليه من سبق لهم التدخين (أكثر من غير المدخنين بحوالي 2330 طفرة بكل خلية). وجد العلماء أيضاً أن نسبة قليلة جداً من الخلايا في المدخنين بها معدل طفرات مماثل لغير المدخنين (معدل الطفرات الطبيعي في ذلك العمر). ولكن المثير أن هذه النسبة من الخلايا “الطبيعية” زادت بمعدل أربعة أضعاف فيمن توقفوا عن التدخين، ووصلت إلى حوالي 20-40% من العدد الكلي للخلايا التي تم فحصها7. بالإضافة إلى ذلك، كان عدد الخلايا التي تحتوي على طفرات مسببة للسرطان أكبر في المدخنين عن الذين توقفوا عن التدخين، وذلك بمعدل الضعف تقريباً.

ماذا يعني كل ذلك إذن؟ يعني أن التدخين يسهم بصورة مباشرة في الطفرات التي تحدث في خلايا الرئة، مما يزيد من احتمالات الإصابة بمرض سرطان الرئة. الأهم هو أن التوقف عن التدخين لا يوقف تلك الطفرات فقط، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى إصلاح الضرر الذي حدث بالفعل، حيث تقل تلك الطفرات مع مرور الوقت بعد التوقف عن التدخين. كيف يحدث ذلك؟ لا أحد يعلم على وجه الدقة في الوقت الحالي، ولكن الرسالة واضحة، توقفك عن التدخين في أي عمر قد ينقذك من الإصابة بذلك المرض الخطير.

مصادر

• Alberg, A. J., Brock, M. V., Ford, J. G., et al. Epidemiology of lung cancer. Diagnosis and management of lung cancer, 3rd ed: American College of Chest Physicians evidence-based clinical practice guidelines. Chest 143, e1S–e29S (2013).

• Peto, R. et al. Smoking, smoking cessation, and lung cancer in the UK since 1950: combination of national statistics with two case-control studies. British medical journal 321, 323–329 (2000).

• Hecht, S. S. Progress and challenges in selected areas of tobacco carcinogenesis. Chemical Research in Toxicology 21, 160–171 (2008).

• Pfeifer, G. P. et al. Tobacco smoke carcinogens, DNA damage and p53 mutations in smoking-associated cancers. Oncogene 21, 7435–7451 (2002).

• Pleasance, E. D. et al. A small-cell lung cancer genome with complex signatures of tobacco exposure. Nature 463, 184–190 (2010).

• Campbell, J. D. et al. Distinct patterns of somatic genome alterations in lung adenocarcinomas and squamous cell carcinomas. Nature Genetics 48, 607–616 (2016).

• Yoshida, K., Gowers, K.H.C., Lee-Six, H., et al. Tobacco smoking and somatic mutations in human bronchial epithelium. Nature 578, 266–272 (2020).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق