سياسة

بين التعويم والتنويم …!

وليد دبلوك

من أفضل القرارات واقواها وأشجعها على الاطلاق، هو الذي صدر مقررا تعويم الجنيه السوداني..   إن أساس المشكلة واصل البلاء في تقديري هو وجود السوق السوداء، والتي هي بأقل تعريف سوق يحقق مصلحة ذاتيه لمحركيه دونما المصلحة العامة للوطن … انه داء خبيث ينهش جسد الاقتصاد الوطني بلا رحمة ..  كانت خطة التعويم موجودة في اجندة الوزير الأسبق دكتور البدوي ولكن قوى معارضة له لم تتح له المجال لانزال القرار لأرض الواقع  .. وذهب دكتور البدوي واتت دكتورة هبة كوزيرة مكلفة، احفظ لها انها امسكت وزارة هي كالجمر بين الانامل، وزارة مؤرقة لمن يمسك مقاليدها، لأنها مرتبطة مباشرة بمعاش الناس، واستطاعت الوزيرة المكلفة ان تحفظ الاستقرار النسبي لمعدل الحالة الاقتصادية المتردية بتوازن صعب في ظروف معقدة للغاية في وجود جهات قوية تملك معينات اقتصادية هائلة يضرها جدا اي إجراء اصلاحي، ورغم ذلك نستطيع القول ان الوزيرة المكلفة امسكت بنار الاقتصاد الملتهبة وسلمتها للرجل القوي دكتور جبريل ..

توجس البعض من تولي دكتور جبريل لحقيبة المالية باعتبار انتماء الرجل السياسي والظروف التي تولى فيها الحقيبة الملتهبة،  كان التخوف من ان يكون جل اهتمام الرجل منصب على الاهتمام بمسائل قبلية وحزبية ضيقة وان يكون صرفه الوزاري على ايدلوجية القبلية اعلى من الوطنية،  ولا اخفي ظني انني تفاءلت بالرجل خيرا،  فمؤهلاته العلمية ليست باليسيرة،  ولكن ايمانا منه بشعارات حركته التي ينتمي اليها قائدا ومحاربا (العدل والمساواة)،  هي شعارات طيبة ان تحققت على ارض الواقع،  فمشكلة هذا البلد انه ليس هناك عدل ولا مساواة في توزيع الثروات والصرف،  وجل الاهتمام منصب على المركز والوسط ..

    دكتور جبريل فضلا عن مؤهلاته يمتلك قدر واسع من الشجاعة المتوازنة والمطلوبة لاتخاذ القوي من القرارات، والتعويم من اهمها قوة ..

  التعويم يحارب السوق السوداء بشراسة ولكن ينبغي استحضار معينات اخرى لنجاحه، لأن التعويم كقرار صرف دونما إجراءات اخرى مساندة تجعل منه مخاطرة وقفزة في الظلام يكون مصيرها السقوط المدوي في قاع المجهول، ووبالا على المواطنين وخصوصا فئة ذوي الدخل المتوسط والمحدود والفقراء والذين سيتحولون بين ليلة وضحاها إلى معدمين تماما إن لم يلازم التعويم معينات مساندة تعمل على امتصاص اثاره السالبة والمؤلمة ..

   التعويم عملية جراحية بالغة التعقيد ويلجأ اليها كخيار اخير للعلاج، وهي عملية مؤلمة للغاية ولكنها ان (نجحت) تم الشفاء التام … فكيف لها النجاح!

   ينبغي اول ما ينبغي توفر آلية اعلامية وتنويرية قوية وبإمكانيات جبارة للتنوير والتبصير بأهمية التعويم، ومدى فاعليته لإنقاذ الاقتصاد الوطني، والاثار السالبة له، لابد من تبصير الرأي العام بكل وضوح وشفافية لما ينطوي عليه التعويم من سلبيات ونتائج مؤلمة هي لازمة الحدوث كنتيجة طبيعية له، والتبصير ايضا بما سيتحقق من إيجابيات وامور طيبة إن تم التعويم بمعايير واسس سليمة، والتنوير أيضا بالدور الهام والفاعل الذي ينبغي ان يؤديه المواطن تجاه وطنه من خلال تفاعله السليم والصحيح مع إجراءات التعويم..

شريحة المغتربين يرتجى منهم الكثير للوطن من خلال تفاعلهم الجاد والقوي والتعامل عبر القنوات المصرفية الرسمية، وعلى الدولة ان تقابل ذلك بمنح المغتربين حوافز حقيقية ومجزية تحفزهم على التعامل المباشر مع الجهات المصرفية ..

المواطن عليه ان يتعامل مباشرة مع الجهات المصرفية شراءا وبيعا، في مقابل تسهيلات تمنح للمواطن باي شكل متى ما بلغ تعامله المصرفي حد معين …

  يتوجب النظر الى تجارب بعض الدول التي لجأت الى تعويم عملتها لإصلاح اقتصاداتها، والاسترشاد بما تم اتخاذه من إجراءات كفل لتلك الدول ان تنجح في تجربة التعويم وتعبر باقتصاداتها إلى بر الامان..

  على الدولة ان تستعد لحرب شرسة من تجار وجهات كانت تتخذ من المضاربة في العملات مصدر دخل اساسي لها، وان تتسلح بالمال الكافي لسد والحد من الزيادات التي ستترتب على التعويم كإجراء من جهة وما سيدفع به مناهضو التعويم من دفوعات ووسائل صد اخرى من جهة ثانية …

  انها حرب للمالية تخوضها بضراوة في مواجهة سلبيات التعويم، وفي مواجهة غول السوق السوداء من جهة اخرى، وعلينا نحن كمواطنين ان نساند الحكومة في حربها لان الرابح الاخير في هذه المعركة هو الوطن ..

   وزارة المالية عليها التكثيف من الحملات الاعلامية بكل وضوح وشفافية وان توضح ما هو التعويم للمواطن العادي، لانه توجد طبقة ليست بالهينة من المواطنين تنعدم عندهم الثقافة الاقتصادية وبحوزتهم اموال حرة لو دخلت الدورة المصرفية سيكون لها مردود ايجابي كبير، ولكن لابد من توسيع المخاطبة الاعلامية الواسعة لتبلغ كل مواطن ..

  التعويم ضرورة للتعافي، والتنويم الذي يعيش فيه قطاع كبير من الناس مرفوض ..

  ومن الملاحظات الايجابية التي شاهدناها مبشرة جدا والتفاعل الوطني جيد، ولكن ينبغي المزيد ..

  والمزيد هذا مطلوب من الحكومة .. مزيد من الحوافز .. مزيد من الوعي والتبصير .. مزيد من الحسم والشدة ..وبإذن الله سيحقق التعويم السليم أهدافه طالما يسنده المواطن بالوعي والقبول والمساندة والإيمان بضرورة التعويم ورفض التنويم كحالة سلبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق