سياسة

بيل جيتس… أسطورة حقيقية

الفصل الأول من الكتاب (3)

عماد البليك

سنوات التشكُّل

هذا المشهد تكرر مع شخصيات كثيرة كان لها دور بارز في الحياة فيما بعد، منها على سبيل المثال الكاتب البرازيلي الناجح باولو كويلهو صاحب رائعة “الخيميائي” والذي كان قد أخذه والده إلى المصحة العقلية عندما رفض أن يدرس الهندسة وأراد أن يكون كاتبا، لكن والده لم يستوعب هذه الإرادة المبكرة، وقد كتب كويلهو عن هذه التجربة في روايته “فروينيكا تقرر الموت”.

معرفة الطريق الأقصر

سرعان ما تعافت العائلة وفهمت قدرات طفلها الحقيقة، لتعمل على توجيهه بالشكل السليم والأكثر فاعلية في التماهي مع قدرات الابن العبقري. وهنا بدأ جيتس “معرفة الطريق الأقصر” بعد أن وجد أن القريبين منه قد شرعوا في استيعابه بشكل يساعده على بناء مشروع حياته، وقد لخص “جانيت لوي” مؤلف كتاب “بيل جيتس يتكلم”، موهبة جيتس في الجملة الآتية: “كانت لديه موهبة أفادته وهي معرفة الطريق الاقصر”.

ما المقصود بالطريق الأقصر إذن؟.. إنه القدرة على إدراك الإنسان للأشياء التي تميزه عن الآخرين، والتي لو أنه قام بتوظفيها بشكل صحيح وباعتماد العمل الجاد سوف يتمكن من شق طريقه المختلف عن عامة الناس.

ومثل هذه الشخصيات التي تدرك الطريق الأقصر، تكون رغم انتمائها الواضح للحياة بشكل ظاهري، إلا أنها ذات “خلاف” مع جوهر العالم حيث لا تتقبل الأسباب والنتائج بناء على الطرق والنظم المألوفة وترغب دائما في ابتداع طرقها الخاصة لفهم وتفسير الأشياء، تلك التي حتما سيكون بينها طرق أقصر من المتوارثة والمدركة للجميع.

وما لم تكن هذه الحالة من “الخلاف” قائمة، فليس بامكان الانسان ان يصبح كائنا عظيما، فالنجاح دائما هو مغامرة ضد العادي والتقليد، حتى لو بدأت هذه المغامرة في عيون الآخرين نوعا من الجنون وابتكار الأساطير أو نظر عليها على أنها أمر تافه، غير أن الواثق من نفسه الذي يدرك ماذا يريد بالضبط هو الذي ينتصر في النهاية، في اللحظة التي يكون فيها الآخرون قد فهموا ولكن مـتأخرين تماما.

إذن فـ “معرفة الطريق الأقصر” عبارة ساحرة تختصر كل فكرة عن العبقرية واختراق المألوف، وعندما يكون بقدرة الفرد اكتشاف الطريق الاقصر نحو أي شيء فانه يقدم جديدا للعالم ويدخل كتاب “الخلود”.

بكلمة واحدة هي “الخلود”، اختصر الروائي المعروف ميلان كونديرا المعنى، سر الحياة، والابداع.. أن تبحث عما يجعل روحك تحلق طيفا فوق كل مكان، حتى لو أنك لم تعش في هذا المكان. وهذا ما انطبق على سيرة جيتس، حيث أن روحه حلقت في كل العالم.

لكن إدراك الطريق الاقصر يتطلب في المقام الاول تقرير الانسان لما يريده بالفعل في حياته، وهو ما يمكن ان يسمى بنداء الذات، وهو صوت خفي، يعيش في سكون الأعماق البعيدة اللا مرئية، ويكون هذا الصوت مشوشا في أغلب الاوقات، ولكي يستطيع الانسان سماعه على نحو مميز فالمطلوب حالة من الصفاء والاخلاص تجاه سبر الاغوار العميقة للذات بدرجة توازي استيعاب الكون ككل، ليتحول من فضاء واسع لا متناهي، الى ذرة صغيرة جدا تتلاشى معها كل الطرق ليكون الطريق الاقصر نحو كل الوجود.

المنطق والرياضيات

بعد أن أنهى جيتس المرحلة الابتدائية وكان قد تجاوز سلفا سوء الفهم الذي عاشته أسرته لغياب الإدراك لما كان ابنها يفكر فيه والذي أدي إلى أخذه إلى الطبيب النفسي. كانت الأسرة قد فهمت أن جيتس يتمتع بقدرات مميزة ولذا سارعا إلى إرساله إلى مدرسة “سايد” الإعدادية، والتي كانت مدرسة رفيعة المستوى. وهناك أظهر الطالب النابغة قدراته التي لا تضاهى في الرياضيات والعلوم بوجه خاص، وفي المواد الدراسية بشكل عام.

وسنجد أن جيتس كان مهتما أيضا بعلم المنطق منذ سن مبكرة، ولا تخفى العلاقة الوثيقة بين الرياضيات والمنطق والعلوم الطبيعية عموما. فالذي يجيد المنطق هو حتما يستطيع أن يفكك ألغاز الرياضيات والفيزياء، وبإمكانه أن يفهم في لغات البرمجة والطريقة التي تعمل بها الحواسيب وهذا ما انطبق على بيل. الذي كان قد وظّف معرفته بالرياضيات والمنطق في إيجاد علاقة مميزة مع برامج الحاسوب منذ أيام مراهقته، ولنا أن نذكر بأن الحواسيب في ذلك الوقت كانت غير متطورة إلى المدى الذي وصلت إليه اليوم والذي ساهم فيه جيتس إلى حد بعيد، لدرجة أنه يمكن القول بأنه لولاه لما كانت الثورة التقنية التي نعيشها في مجال الحواسيب والبرامج والانترنت.

ويخبرنا علماء المنطق بأن المنطق الحديث أصبح في القرن العشرين، قريبا جدا من الرياضيات، فقد قام على مجموعة من الطرق والأفكار الرياضية الصورية، تماما مثلما تقوم الرياضيات على مجموعة من الأفكار المنطقية. بما يشبه العلاقة التبادلية بين المجالين، بحيث يصعب لغير المختصين إيجاد تمييز دقيق وواضح بين المنطق والرياضيات البحتة. وجيتس بذكاء بسيط أدرك هذا الأمر مبكرا.

سنجد أنه في سن الرابعة عشرة سيعمل جيتس على تطبيق علاقته مع عالمي الرياضيات والمنطق، وتحويلها إلى معادلات برمجية ذات مغزى، بحيث يمكن أن تطبق على الحواسيب، لكن البداية كانت أقل من ذلك، حيث أن تلك البرامج المبدئية التي صاغها بيل كانت تصلح في مجال الألعاب المحدودة. ولكن مهما يكن فالبداية المشرفة قادت مع بذل الجهد والطاقة الذهنية إلى ما هو أعمق، في ابتكار برامج أكثر تعقيدا.

وقد استفاد بيل من لغة “البيسك” في تطوير برامجه الأولية، وكان يتعامل مع تلك الموضوعات كما لو أنها لعب، لهذا يجد فيها المتعة والتسلية في الوقت الذي يضيف فيه ابتكارا مفيدا لنفسه وللعالم. لكن الاستفادة في تلك السن لم تتعد الذات، ولم يكن جيتس وصل إلى الطور الذي يؤهله ليكون قادرا على “غزو” العالم بما يشتغل في ذهن من أفكار. وإلى حد بعيد فالأمر يشبه البذرة التي تحتاج إلى زمن حتى تنبت وترتقي من التربة إلى الجو، وتعانق السماء.

في تلك الفترة كان جيتس أيضا مهتما بقراءة موضوعات مختلفة يدور أغلبها حول الفلسفة والعلوم، وتجارب الحياة، بما في ذلك الخط الأوضح الذي سوف يؤثر على باقي حياته فيما بعد ويشكله، وهو مجال شؤون التجارة، حيث سيكون ذلك العقل قادرا على أن يصنع أسطورته الذاتية كواحد من أبرز العقول الإنسانية في مجال الأعمال والإدارة التجارية أو “البيزنس”.

وكانت قاعدة الصبي المشبع بالطموح أنه ما أن يقرر أن يوجد علاقة مع أي مجال أو موضوع، أن يعمق تلك العلاقة فقد كان لا يرتضي السهل، مثلما لا يرتضي إلا الأفضل. وهي طريقة تشير إلى أن التفوق في أي مجال يتطلب الإجادة والتركيز وليس مجرد الهوى، فكثير من الناس يكونون حالمين تجاه أمور معينة، لكنهم لا يمتلكون الصبر والدأب الذي يتيح لهم تطوير قدراتهم ومن ثم العمل بهدوء للوصول إلى ما يرغبون فيه.

ينقل لنا الذين سجلوا سيرة جيتس أنه كان يقول لمعلميه في سن مبكرة، أنه سيصبح مليونيرا عند بلوغه سن الثلاثين عاما، ورغم أن الأمر قوبل بتقليل الشأن كعادة الناس في الحياة عندما تنظر إلى أي شخص يقول مثل هذه الكلام على أنه مجرد “حالم”. إلا أنه بالنسبة لجيتس فقد كانت المسألة تعتمد على منطق يؤمن بأن كل نتيجة مترتبة عن سبب. وكان للرياضيات والمنطق دورهما في حفزه بهذا الأسلوب في رؤية الحياة والعالم والتعامل مع الأسباب والنتائج. وربما كان هذا مجمل أسلوب حياته وملخصها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق