ثقافة وفن

مَن أكثر علماً نحن أم السلف؟!

عبد الحميد اليوسفي (كاتب مغربي)

سيقفز الفقهاء من أماكنهم.. والسلفيون خاصة.. وسيقولون بصوت واحد: إنْ هذا إلاّ سؤال يراد به باطل..

وسينبري معظمهم إلى إسباغ ما لا يجوز إسباغُهُ من آيات التعظيم والتقديس على السلف.. ونحن نوقن بأنه لا تقديسَ إلاّ لله ورُسُله وأنبيائه وكُتبه… وسيقيمون سدودا وحواجزَ لكي يَحُولوا دوننا و”تسفيه” ذلك السلف كما يدّعون.. مع العلم بأننا لا نسعى إلى التنقيص ولا التسفيه.. وإنما نروم إقامة مقارنة في غاية المنطق والبداهة نضع بها كلَّ طرف في مكانه المستحَق… فكيف ذلك؟

– إن السلف.. وأريد بالذات.. أجيال القرون الهجرية السبعة الأولى التي يلتصق بها السلفيون التصاقاً مُبرِحا.. لم يكن لديهم من الثراء والتنوع العلمي والمعرفي مثل ما لدينا في الوقت الراهن مُضافا إلى ما ورثناه عنهم.. في وقت كانوا هم فيه مبتلين بالنقل عن أغيارهم وعن بعضهم البعض!!

– ولم تكن لديهم المناهج العلمية ووسائل إِعمالها التي لدينا الساعة.. في حين كانوا هم يعتمدون طُرُق القياس.. ويستنبطون القواعد والأحكام بناء على الحدس والفراسة.. أو يأخذون ما استنبطه أغيارهم بكل حسن نية!!

بل كانوا “يشخصنون” المعارف فيثقون من جَرَّاء ذلك ثقةً عمياءَ في ذوات الآحاد دون إعمال العقل فيما كان ينقله الآحاد من المُتون.. ولذلك وصلت إلينا عن طريقهم.. على سبيل المثال لا الحصر.. أحاديث وسنن نبوية يندى لها الجبين.. دون أن ينتفض عقل واحد من عقولهم فيعيد القراءة.. ويجدد الفهم.. ويَرُدّ الأمورَ إلى نصابها.. حتى إذا اضطلع المتنورون في زمان الله هذا بهذه المهمة النبيلة أوسعَهم خَلَفُ ذلك السلَف سبّاً وشتماً وأثخنوا في أعراضهم وذهبوا بهم إلى حد التخوين والتكفير!!!

– ثم إن السلف لم تكن رهن أيديهم ملايين الكتب والمصادر والمراجع الموضوعة رهن إشارتنا الآن بوسائل التكنولوجيا الحديثة… وإنما كانوا يقلدون بعضهم بعضا.. حتى أن أعدادا كثيرة من مخطوطاتهم التي سماها فقهاؤهم وفقهاؤنا “أمهاتٍ للكتب”.. تضمّنت بالحرف نفس التفاسير والشروح والمقولات والأحكام بتقليد أعمى لم يتحرَّ فيه أحدهم بعض التعديل أو التغيير ولو على مستوى الصيغ التعبيرية فحسب.. فجاء جزء غير هيّن من تلك المخطوطات والكتب منسوخا نسخا حرفيا عن بعضه بلا أدنى حرج.. والغريب أنهم كانوا يرون في ذلك دليلا على النزاهة والصدق واجتناب النحل والتحريف.. وكذلك يقول فقهاؤنا في الوقت الراهن إمعانا في النقل.. وفي تحنيط العقل!!

– ثم إنّ السلف لم يحلموا يوما بامتلاك وسائل تكنولوجية.. إلكترونية ورقمية.. كالتي لدينا.. تُفسح لهم المجال لاستحضار أي مصدر أو مرجع.. مخطوط أو مطبوع.. مقروء أو مسموع.. ممّا يجري به العمل في الزمن الراهن.. بينما كانوا هم يقنعون ويكتفون بما كان يصل إليهم مما تركه سلفهم من الشيوخ عن طريق تلامذة هؤلاء.. وغالبا ما كان المصدر الواحد من مصادرهم يصل إليهم في نسخ متعددة يوجد بينها اختلاف يكبر أو يصغر.. كما حدث في مخطوط صحيح البخاري.. الذي ظهرت منه ثلاث عشرة نسخة.. مختلفة فيما بينها.. انتهت بعد ذلك إلى النسخة المنقحة الموجودة بين أيدينا اليوم.. والتي تطرح من تلقاء ذاتها سؤالا كبيرا ومُحرِجا عن مدى صدقيتها.. ومدى تَوَفُّق صاحبها أو محققها في جعلها أهلا للثقة والمصداقية؟!!

إن الإمكانيات والوسائل المتوفرة في زماننا تجعل كل ممتلك لحاسوب أو هاتف ذكي نقّال قادرا على التزوّد بكل ما جادت به عقول العلماء وقرائح العارفين في كل مجالات العلوم والمعارف بلا أدنى استثناء.. حتى أن الواحد منا يسعه بما ببن يديه من هذه الوسائل والفرص أن يُضاهيَ وحده أعلم العلماء.. في الماضي والحاضر على السواء…

فماذا كان بين أيدي السلف.. الذين نُكنّ لهم بكل تأكيد كل التقدير لرسوخ إيمانهم.. وصفاء سرائرهم.. وصدق طواياهم… والذين لا نُنكر أنهم كانوا فرسانا لا يُشَقُّ لهم غبارٌ في ساحاتهم العلمية والفقهية بكل ما في الكلمة من معنى ولكن.. في سياقهم التاريخي.. وبيئتهم الاجتماعية..  ووِفقاً لِتَمَيُّز قضاياهم كل التميّز عن قضايا العصور اللاحقة عليهم.. فبالأحرى عن قضايا عصرنا ذي السرعة المجنونة والتحوّل السريع والدائب.. والذي تحوّل اليومُ الواحدُ فيه.. من أيامنا هذه.. إلى ما يماثل أو يعادل الدقيقة الواحدة من دقائق ساعاتهم وأيامهم المتمدِّدة.. أو أقل من ذلك بقليل أو كثير!!!

أين المشكلة إذن؟ وأين يكمن حلها.. الذي نطمح أن يكون منطقيا وبديهيا.. وبالتالي.. كفيلا بإخماد الجعجعة القائمة حول هذه الظاهرة.. المَرَضية بكل تأكيد؟؟؟

دعونا ننظر إلى تجليات هذه المعضلة على صعيد تراثنا العقدي والفقهي والسلوكي بمختلِف مقوماته:

1- لدينا في البداية تفاسير مختلفة.. وأحيانا متضاربة ومتناقضة.. لآيات كتابٍ نزل من عند العليم الخبير بلسان عربي فصيح ومُبِين لا يترك أي فجوة لإثارة أي خلاف حوله… كتاب جاء ليوحّد الرؤى والعقائد.. ويُسدِّدَ أنماط الفكر والسلوك.. لا ليفرّق بين معتنقي حمولته العقدية والفكرية والسلوكية ويجعل منهم شِيَعاً وطرائقَ شتى… كما كان عليه الحال.. وكما لا يزال.. منذ ثلاثة عشر قرناً على أقل تقدير…

2- ولدينا أحاديث وسنن نبوية تم تأليفها بعد مضي نحو قرنين على سياقها الزمني.. فلا عجب إذَن أن يذهب بها مؤلفوها في بعض المَواطن بعيدا عن مراد الله.. المُبَيَّن في مُحكم إياته.. بل لا عجب أن ينقعوها في بِرَكٍ من الخرافات والعجائب والغرائب ساعين من وراء ذلك إلى مَدِّ المَتْن النبوي بمعجزات وكرامات تليق في تقديرهم السيِّئ بخاتم الأنبياء والمرسلين.. ويا ليت السلف لم يسقط في هذا المطب العقدي والفكري.. الشيطاني بكل تأكيد.. لأن محمدا بن عبد الله لم يُنَزِّل عليه ربُّه ومرسِلُه أيَّ آية.. بل ألقى عليه كتابا منيرا وهاديا وثقيلاً وعظيماً.. والإعجازُ الربانيُّ فيه يبزّ في منطوقه ومحتواه كل الآيات التي نزلت على الأنبياء والرسل الذين سبقوه.. بل يُشَكِّلُ.. بعد ذهاب وفوات كل الآيات السابقة.. آيةً حيةً باقيةً إلى أن يرث الله الأرض وما عليها!!!

3- ولدينا في التراث مقدمات إيمانية مغلوطة.. بل هي باطلة.. كتلك التي تضع تصميماً افتراضيا لأركان الإسلام ينحصر في خمسٍ من “العبادات” لا يمكن من حيث طبيعتُها أن تشكّل أركانا بالمفهومين العقلي/المنطقي والهندسي لاصطلاح “الأركان” في أي بناء سواء كان ماديا أو مجازيا.. فبلأحرى أن تكون هذه أركاناً لدين منزّل هو “الإسلام في كونيته وشموليته”..

ودليل بُطلان اختيار السلف لهذه العبادات.. وبطلان وصفها بالأركان.. أن معظم المسلمين المؤمنين بالرسالة المحمدية لا يجمعون بينها إلا في القليل شبه النادر..

وأقصد هنا الشهادتين والصلاة (القائمة) والزكاة والصيام والحج لمن استطاع…

فالمسلمون المعتنقون للعقيدة المحمدية كثيرٌ منهم لا يصوم بعذر.. وأكثر من هذا الكثير لا يزكي لانعدام شرط النصاب المالي أو العيني الموجِب للزكاة.. ثم إنّ أكثر من هؤلاء جميعِهم لا يحج لعدم الاستطاعة أيضا.. والحصيلة؟ أركانٌ ثلاثةٌ غائبة.. وبنيانٌ لا يمكن عقلا ومنطقا وواقعا أن يقوم على ركنيْن اثنيْن.. فقط لا غير.. لأنه لا وجود مع الاستحالة لأي صرح يمكن أن يقوم على ركنين يتيمين!!!

ونعيد التذكير هنا بما أكدناه في مقال سابق.. بأن أركان الإسلام المنطقية ثلاثة وليس أكثر هي: الإيمان بالله الواحد الأحد؛ والإيمان باليوم الآخر؛ ثم إتيان العمل الصالح.. الذي يخرج من دائرة الذات لتسري آثاره على المحيط.. وعلى الغير…

4- وأخيراً.. وليس آخراً.. حمل التراث إلينا تَشَيُّعاً وتَفَرُّقاً بين الطرائق والفرق.. وبين الأئمة والفقهاء والشيوخ.. وكل هؤلاء كانوا نماذجَ يُقتدَى بها في أزمنتهم وبين أقوامهم وأتباعهم.. رغم تحذير كتاب الله لنا من أن “نفعل كالمشركين فنفرّق ديننا شِيَعاً”… ولذلك حمل التراث إلينا أصداء التنازع والتقاتل وإراقة الدماء… حتى إنه لَيَجوز لنا القول إن ما أهرقه المسلمون فيما بينهم من الدم لم يفعله غيرهم على اختلاف الأجناس والملل والعقائد!!!

نكتفي إذَنْ بهذا التوصيف المظلم لتراثنا ونمر منه إلى السؤال الكبير:

“أفلا يجوز لنا.. على ضوء ما سبق ذكره.. أن نعيد قراءة هذا التراث بعيون ناقدة.. وعقول متحررة من القوالب الجاهزة والبائدة لأجيال قال الله في حقها إنها أمم قد خلت لها ما كسبت.. وبالتالي فلنا ما كسبنا ولا نُسأل عما كانوا يعملون؟!

سؤال آخر شائك… فمن يجيب في انتظار ما سيتبعه لا مَحالةَ من أسئلة أخرى.. شائكة هي الأخرى.. ستأتي في سياقات متعددة ومختلفة… من يُجيب؟؟؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق