ثقافة وفن

قطرة ماء تائهة

الحسن بلعربي

منذ أن وعت وأبصرت النور، وجدت نفسها تائهة بين السحاب، تسحبها الرياح في كل الجهات.

كانت قد سَمعت الكثير من قريناتها عن عجائب البحار والمحيطات، وعن مخلوقاتها المجهرية والعملاقة. فكانت دائما ترقُب اليمّ الأزرق الممتد من تحتها، وتحلم بالغوص في أعماقه، إلى حد أن هذه الرغبة الجامحة قد نالت من سعادتها فجعلتها غالبا ما تكون شاردة البال لا تبالي بما يحيط بها، وتميل إلى العزلة والانطواء.

ذات مساء، وبدون سابق إنذار، هبت رياح دافئة سحبتها إلى الشمال حيث اصطدمت بسحب باردة، فشعرت بثقل وزنها وهوت نحو اليابسة لتتجمد فوق جبال كُسيت عن آخرها بالأبيض. بعد ليلة باردة، انقشع الغيم وأطلّت أشعة الشمس لتبعث حرارة في الأرض. فذابت الثلوج وسالت القطرة لتبدأ رحلة جديدة نحو الأسفل.

عند سفح الجبل ارتطمت بصخرة فارتدت لتستقر على حافة إحدى أوراق شجرة ليمون مطلة على نهر جار، وبقيت عالقة هناك. حاولت الخروج من هذه الوضعية والتخلص من القيد الذي وجدت نفسها مكبلة به لكن خفة وزنها وقوانين الفيزياء حالت دون ذلك. أصبحت عالقة  بين السماء والأرض ومياه النهر من تحتها تفور .

بعد جهد جهيد رضخت المسكينة للأمر الواقع ورفعت بصرها للسماء راجية الخلاص. وبينما هي على تلك الحالة، انتبهت إلى عيون كانت تراقبها غير بعيد عنها. كانت هناك قطرة ماء أخرى عالقة هي أيضا، ونحافةُ جسمها لافتةٌ للأنظار.

قبل أن تفوه بأية كلمة بادرتها الأخرى:

– صباح الخير أيتها الجميلة.

– أي خير هذا الذي تتحدثين عنه ونحن محبوستان؟ … أخبريني هل مر وقت طويل وأنت على هذه الحالة؟

– منذ البارحة، وقد نهشت الشمس في جسمي وانتزعت جزءاً مني، وها أنا الآن كما ترين، لا حول لي ولا معين.

بعد صمت قصير، ناتج عن تأملهما زوجاً من الحمام كان قد استرعى انتباههما وهو يحلق من فوقهما، استأنفتا حديثهما.

– إلى أين كانت وجهتك؟

  إلى البحر أيتها الرشيقة…إلى الفردوس…

– وأي فردوس ذاك؟ هل توقفت يا صغيرتي مرة للتفكير في حقيقة ما ترغبين فيه؟! ألا ترين أنه قبر لبني جنسنا؟ متى ستتخلصين منه إذا احتضنتك أحشاؤه، وأشبعك ملحا؟

بعد مئات السنين؟ …. أتريدين أن يُحكم عليكِ بالسجن المؤبد مع الأعمال الشاقة؟ تقضين عمرك تُكسّرين الصّخر وتُفتّتين الحجارة؟

– اِسمعيني يا ابنتي: النهايات غالبا ما لا تكون سعيدة. لا تختصري طريقك، واسلكيه بالتأني، فالسعادة لا تختزل فقط في الهدف، بل غالبا ما تتنكر بين انعراجات الطريق إلى الهدف.

وهما في أوج حديثهما، حط زوج الحمام على الغصن الذي نبتت فيه الأوراق التي كانت قد علقت فيها القطرتان. اِهتزت الأوراق فانفلتت القطرتان وهوتا والفرحة تغمرهما، فانطلقتا تتغنيان بأشعار أنطونيو ماتشادو:

أيها السّائر! الطريق آثارُ خطواتك ولا شيء بعد

أيها السّائر ليس ثمة طريق

السّير يصنع الطريق

فسيراً تشق الطرق

وحين تنظر للوراء

يتراءى الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق