ثقافة وفن

الملكة أماني شاخيتي وحاشيتها طردوا من الفندق

ياسر عبد الرحمن أبو الحرم

في العام 1997 وفي اِحدي صباحات الخرطوم الندية ونحن نستشرف ملامح الحياة العملية بعد سنة من تخرجنا بكلية الفنون الجميلة..  زفت لنا اِحدى زميلاتنا خبر اِختيارها لي ولزميلي محمد فضل لتنفيذ (لوحة – جدارية) لأحدي فنادق الخرطوم الفخمة الذي يملكه أحد أقربائها. وبدون تردد وافقنا على العرض وسريعاً حددنا موعداً لمقابلة إدارة الفندق قبل ما الاشياء تترهل وتبرد ظناً منا بأن الأشياء تموت هكذا في السودان نتيجةً. في اليوم التالي قمنا مع الحمام وذهبنا إلى مكتب نائب مدير الفندق، شخص وسيم وهميم وتدلل هيئته وهندامه بأنه من أثرياء المدينة ولكن ينقصه الذوق واللباقة، وربما يكون فالحاً في أشياء أخرى. شرح لنا الفكرة والمطلوبات بعجالة فأمامه مجموعة من الموظفين وعدد من الملفات والفواتير والشيكات والتلفونات. وقبل انصرافنا اتفقنا على تحديد موعد آخر لعمل مقترحات ودراسات أولية رسم تقريبي Sketchs) وغيرها من أشياء كالتكلفة والمساحة والخامة.

بعد خروجنا من الفندق قابلنا شخصا آخر يعمل بفندق آخر توصلنا لمعلومة وهي أن وزارة الثقافة فرضت على أصحاب الفنادق وضع لوحات في صالات الفنادق، وهذه اللوحات يجب أن تعبِّر عن الثقافة والتراث الشعبي والحضارات السودانية القديمة.

أتينا في اليوم الثالث نحمل أوراقنا ومعداتنا، ووقع الاختيار على لوحة مستوحاة من تتويج الملكة (أماني شاخيتي ) وهى تقف بثبات وثقة أمام المعبد وحولها مجموعة من الكهنة والآلهة ووزراء مملكة كوش.

بعد شرح طويل وعريض وافق نائب المدير بعد تردد وترجح، وشرعنا فعلاً في تنفيذ الجدارية، وحقيقة الرجل لم يقصر فقد خصص لنا غرفة كاملة مع الخدمات الرفيعة من وجبات ومشروبات وأشياء أخرى.

وأضفنا لعالمنا الإرتسامي هذا خلفيات موسيقية اشبه بالتراتيل ولبسنا أزياء مستوحاة من الحضارة الكوشية، وتغمصنا دور الفنان في تلك الحقبة المنسية من تاريخنا. فأصبحت ملامحنا أقرب لملامح بعانخي وتهارقا، فصديقي محمد تغمض الدور وأجاده أكثر مني بحكم مكان ميلاده وفترة صباه التي قضاها في هذه البقعة المقدسة من أرض السودان.

في اليوم السابع اكملنا جداريتنا تماما بما فيها البرواز الملوكي وطليناه باللون البني الداكن – البركلي .

وضعنا اللوحة في المكان المخصص لها وغطينا عليها بقماش أبيض فخم يليق بمكانتها، في هذا الاثناء تدفق القوم أمام اللوحة جمع غفير من موظفي الفندق والعمال والطباخين وبعض نزلاء الفندق في انتظار سعادة المدير واتضح لنا بأن المدير هو والد الشاب الوسيم -نائب المدير.

الجميع في حالة ترقب وقلق ينظرون لساعاتهم على رأس كل دقيقة، في انتظار دخول المدير ليقوم بتدشين الجدارية، صالة الاستقبال تعج بالعطور والزهور وقوارير الماء المثلجة والعصائر الطازجة والحلوى والكيك وموسيقى هادئة من الجاز الأمريكي الكلاسيكي.

أخيراً وصل سعادة مدير الفندق، تسبقه رائحة عطور قوية أثارت اشمئزازي، رجل وقور ومسرور، يبدو هكذا في الوهلة الأولى، يتزيَّن بِالزِيِّ السوداني الكامل، عمامة ترباسية ملفوفة طبقات فوق طبقات، شال مزخرف بأوان زرقاء داكنة، على يده عصاة من الابنوس تقويستها على هيئة ثعبان، مركوب من جلد النمر الخالص، واختام فضية لامعة.

ألقى علينا تحية متعالية من خلف نظارة سوداء مع ابتسامة صفراء ، وهو يتفحص وجوه الحضور المقهور ، وكعادة الوجهاء لم يقدم أي اعتذار عن تأخيره وبالطبع لا أحد يستطيع معاتبته،، ورغم ذلك تسمع أصوات (كبكبةً ) من الموظفين والعمال يتحركون بخفه وتهافت عجيب ، وبعضهم وجه سعادة المدير لإزالة الستار من اللوحة ، يتحدثون بأصوات خافضه وشرحاً وافياً لحثيات اللوحة، حدوثوه عن كل شيء كم اخذت من وقت ومواد ، وكم دفعوا فيها من مهر ،، بلّ تبنوا موضوع اللوحة تماماً وتقمصوا دور الفنان والناقد والمتذوق ، وسعادة المدير يستمع دون مبالاة وهو يلوك في لبانته بصورة مقززة ومستفزة  !

تقدم واحد من الموظفين الأنيقين يرتدي بدلة كاملة باللون العنابي وفيونكة فراشة بلون أسود، سحب الستارة بهدوء فنكشف جسد اللوحة شيئاً فشيئا حتى نهاية اطرافها، فظهر وجه الملكة أماني شاخيتي واضحاً ووهاجاً بملامحه النيلية القوية وخلفها الوزراء يقفون بوقار ورزانة، وبدلاً من التمعّن في تفاصيل اللوحة ، نظر الحضور الى سعادة المدير في انتظار ردة فعله!

ابتسم سعادته ابتسامة ساخرة من تحت النظارة ثم نظر شَزْرًا لابنه وقال: (بسم الله الرحمن الرحيم الشواطين العلقتوهم لينا ديل شنوووو؟) وهو يؤشر ويهز بعصاته ناحية اللوحة. أصيب الابن بجمود تام وتحول لتمثال من الثلج وهو يتلعثم بعبارات غريبة لأول مرة أسمعها عن الحضارة الكوشية مثل أماني شخابيط والاله ميمون راع، محاولا اقناع والده بأصالة وجودك اللوحة. أثناء هذا الهرج والمرج قلت لصديقي محمد فضل من الأفضل يا ود فضل أن نغادر هذا المكان الجاهلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق