ثقافة وفن

دبلوماسية العلوم

د. أحمد العربي

  في خضم أزمة جائحة فيروس كرونا الذي يشهده العالم، أصبحنا ندرك هشاشة العالم الذي نعيش فيه. حيث كشف لنا عدد الوفيات المتزايد يومياً عن مدى ضعف البلدان التي يُنظر إليها كدول عظمى في مواجهة هذا الفيروس القاتل. وبرز الي المشهد في محاربة هذا العدو غير المرئي الدور السامي والبطولي للعلماء والباحثين والأطباء وهم يضعون حياتهم على المحك. وأصبحنا نشاهد العلماء والباحثين وهم يقفون إلى جانب أهم قادة الدول لإجراء الإحاطات الإعلامية يومياً، في حين يترقب المجتمع التوصل إلى لقاح آمن وفعال لهذه الجائحة. فلم تعد الدبلوماسية هي القوة التي تتحرك من قبل القوى العظمى نحو الدول الأقل قوة والأقل تقدماً، وقد يتحول شكل الدبلوماسي من الصورة المعتادة إلى العالم أو الطبيب أو الباحث ذي السترات البيضاء. وتظهر أهمية دبلوماسية العلوم لدعم التعاون بين دول العالم في مواجهة مشكلات وتحديات مشتركة ذات طبيعة عابرة للحدود ولن تحل سوى بالتنسيق بين الدول، وكما أن الدبلوماسية تعزز التعاون العلمي فإن هذا التعاون بين الدول يمكن أن يعزز العلاقات الدبلوماسية ويبنى قاعدة من الخبرات العلمية والموارد المشتركة، مما يتيح دمج العلم في صنع القرار لمعالجة المشكلات والأزمات. والعلم وحده قد لا يستطيع حل العديد من المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجهها الدول، ولكن دبلوماسية العلوم تلعب دورًا هامًا في مواجهة التحديات الصحية والبيئية والطاقة والمياه والغذائية التي تسهم في عدم الاستقرار.

  يعد أحد الأمثلة التاريخية للدبلوماسية العلوم الذي يعود إلى عام 1300 قبل الميلاد عندما تم توقيع أول معاهدة سلام من قبل ملك مصر رمسيس الثاني وهاتوسيلي الثالث والتي تحث على فتح أطر التعاون بشكل عام والتبادل الدبلوماسي للأطباء على وجه الخصوص. ونظراً لأهميتها، توجد نسخة للمعاهدة في المقر الدائم للأمم المتحدة. وتعتبر العلوم منصة محايدة تسمح بإجراء حوارات أقل شحنًا من الناحية السياسية، مما يتيح إقامة جسور تساعد في الجهود الدبلوماسية الشاملة. وقد يجد الدبلوماسيون السياسيون صعوبة في الوصول الي حلول السلمية، لكن يتعبر العلم أحد الطرق الفريدة للتعاون البنّاء، باعتباره لغة مشتركة وغير سياسية. والعلم يمكن أن يساعد في تقريب الخلافات السياسية بين الدول، وتعزيز التعاون ومنع الصراعات في أنحاء العالم المختلفة. حيث يجمع العلم الحلفاء والخصوم معًا لمعالجة المشكلات والتحديات الدولية مثل والأمراض، المناخ، وأزمة الطاقة والتي تتطلب تعاونًا دوليًا مشتركًا. ودبلوماسية العلوم توفر كل الأسباب التي تستدعي استمرار المساعدة على الحفاظ على قنوات الاتصال المهمة، في مواجهة التوترات الحالية والمستقبلية. وتعمل دبلوماسية العلوم عبر سلسلة متصلة من الحالات الملحة علميًّا لمناقشة ومعالجة وحل القضايا عبر الحدود مما يوفر أساساً للتفاوض أقل شحنًا سياسيًا، لمناقشة وحل التحديات والمشكلات القائمة.

هناك الكثير مما يجب القيام به لزيادة تأثير العلم والعلماء وأحد المجالات المهمة هو ربط العلوم وصنع السياسات حيث تؤدي المشورة العلمية السليمة والمستقلة الي تحسن إلى حد كبير في نوعية صنع السياسات. ومن الضرورة ان يعمل العلماء وواضعي السياسات معاً من أجل التطوير وفي نفس الوقت التواصل مع السلطات. ولا بد من ان يكون العلماء سباقين وأن يقدموا المشورة العلمية لصانعى القرار والسياسات. ويعد بناء القرارات على اساس علمي ضرورة وليس رفاهية لمواجهة المشكلات والتحديات التي تهدد العالم وأهمها الاوبئة والامراض ونقص المياه وتعزيز القدرة على إطعام أعداد متزايدة من السكان فكل ذلك أزمات تتطلب حلول قائمة على العلوم. وبدون مشاركة فعالة من جانب الاطراف ذات الصلة الممثلة لأصحاب المصلحة والخبراء من التخصصات العلمية المتنوعة، فإن احتمال إيجاد الحلول الحقيقية المناسبة ستكون ضعيفة، فمن المفترض أن يقدم كل مجال وتخصص مجموعة فريدة من الرؤى وجهات النظر والمعرفة التحليلية العميقة التي يمكن أن تقدم تشخيصًا ثريًا فيما يتعلق بأوجه القصور والحلول الدائمة عندما يتم دمجها معاً من قبل صانعي القرار والسياسات.

المشاركة في التوصل الي حلول لقضايا معقدة في المجتمع العالمي أمر هاما مثل مشكلات المياه وتغير المناخ والأمن والهجرة والطاقة والصحة، وكلها تتطلب خبرات ونصائح علمية. ولا بد من وضع إطار وتصميم آليات وأنظمة تفاعلية للاستشارة العلمية لضمان حصول القادة السياسيين وكذلك الدبلوماسيون الذين يمثلونهم في المفاوضات الدولية، على المشورة العلمية التي يحتاجونها. وهذا الإطار قد يتطلب في بعض الدول تحولاً في النظرة التقليدية تجاه العلم ودوره المحتمل في العلاقات الدولية. وفي المقابل يجب أيضاً أن يستيقظ المجتمع العلمي على الفرص الناشئة ويستغلها للوصول إلى مؤسسات المعرفة الأخرى والتعاون من خلال الشبكات الإقليمية ويجب على المجتمعات العلمية والدبلوماسية تطوير فهم واضح ومتبادل وشامل لتحسين القيمة عبر جهد كل مجتمع في مساندة الآخر في تنفيذ مهامه. وكذلك نشر الثقافة العلمية بدعم دبلوماسية العلوم من خلال بناء البنية التحتية وتحسين قدرات دارسي العلوم وخبراء السياسة العامة في مجال العلوم والتكنولوجيا وغيرهم..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق