سلايدرسياسة

السودان.. عقلها وتوكل …”تعويم الجنيه”.. آخر أخطر الجراحات الاقتصادية

مصطفى يوسف – لندن

أعلنت الخرطوم في 21 فبراير 2021م، تخفيض قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، ليصبح سعر الدولار 375 جنيهاً، مقابل 55 جنيهاً قبل القرار، ليرتفع سعر الدولار أمام الجنيه بنسبة 580%.

ورغم الضجة التي أثيرت حول هذا التوجه والضبابية التي تكتنف رؤية الدولة، إلا أنها ليست المرة الأولى التي يشهد فيها السودان مثل هذا القرار، ففي 2012م، قررت حكومة الانقاذ اللعينة تعويم الجنيه عند 18 جنيهاً مقابل الدولار، وفي 2018م، لجأت لذات الخطوة تحت مسمى سعر الصرف المرن المدار، لكنها لم تفلح في كبح جماح التدهور، بسبب الصرف البذخي والفساد الذي ضرب عصب الدولة.

دول كثيرة اتخذت مثل هذا القرار، بعد تخلي امريكا في عام 1971م، عن التزامها بنظام بريتون وودز الموقع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية 1944م، والقاضي بتحديد الدولار بسعر35 دولارًا مقابل اوقية الذهب.. بلغت في 2015م،22 دولة، نجح بعضها جزئياً وفشل الآخر فشلاً ذريعاً، كالمكسيك والأرجنتين، لعدم توافر المقومات الضرورية، واستمرار ارتفاع حدة التضخم، ما تسبب في ضربات موجعة للاقتصاد.

لماذا التعويم؟:

تعويم العملة، أو سعر الصرف المرن، أو المُدار، إجراء اقتصادي غير مأمون العواقب، لكنه مأخوذ به، تلجأ إليه الدولة لإعادة التوازن لميزانها التجاري وفرملة نزيف الموازنة وايقاف عجلة نمو المديونيات، وعندما لا تجد بُداً من اللجوء لأخطر الجراحات، بعد ان تصل العملية الاقتصادية برمتها فيها إلى مستوى غير محتمل، وهو خطوة يجب الاقدام عليها بعد اتخاذ جملة من الاحترازات والاحتياطات التي تمنع ردة الفعل العنيفة المتوقعة، خاصة في دولة مثل السودان، الذي تشوهت بنيته واختلت هيكلته الاقتصادية، بفعل الأيدي العابثة المرتعشة، التي حولته من اقتصاد كان يعتمد  كلية على الزراعة والثروة الحيوانية، إلى اقتصاد اعتمد مرحلياً على البترول، وعند انتهاء مرحلته بفصل الجنوب- جريمة العصر- لم يعد قادراً على التدوير.

توخت الحكومة من هذه الخطوة التي يرى البعض أنها أفضل الخيارات المتاحة، إعادة التوازن للجنيه والقضاء على السوق الموازي وتوحيد سعر الصرف، وتقليص العجز الهيكلي في الحساب الجاري، بتنمية الصادر، وتشجيع الناتج المحلي، وهي أهداف مشروعة، من وحي أن التخطيط عام لا خاص، يُنصح به، وحسب التصريحات الرسمية، فإن القرار يهدف إلى القضاء على التشوهات الراهنة، بردم الهوة الكبيرة بين السعرين الرسمي (55 جنيها للدولار)، والموازي (370) جنيها قبل القرار. 

افترضت الدولة وهي تقدم على هذه الخطوة أنها احتاطت بما يجب، فكانت كمن ألقى بقنبلة في تجمع بشري هائل، وزعم نجاة الموجودين، وهو ما لم ولا يمكن أن يحدث، بمنطق الأشياء، لأن الخسائر البشرية والمادية ستكون في حجم هذا التفجير، بل وأكبر من المتوقع، وفوق مستوى التقديرات، مهما كان رأي الخبراء والمختصين.

لا نجاح هذه الخطوة المفصلية لا بد من حزمة إجراءات موازية وهي:

• منع تمويل العجز عن طريق الاستدانة من النظام المصرفي، إلا في حدود ضيقة متحكماً فيها، والبحث عن بدائل أخرى تتيحها حركة الاقتصاد.

• تمويل للواردات والسلع، أي ان تزود الدولة المستورد بالعملات الأجنبية الحرة، حتى تتمكن من القضاء عملياً على السوق الأسود.

الثابت فعلياً ان الدولة ولشح مواردها غير قادرة حتى الآن على توفير العملات الصعبة للقطاع الخاص، وقد ادعت وللتطمين فقط حصولها على مكون أجنبي معتبر في حدود 9 مليار دولار، من البنك وصندوق النقد الدوليين، والمملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي، في حين أن نجاح الخطوة يحتاج فقط لــــ 5 مليارات دولار. 

وللأسف تكشف مع بدء سريان القرار عدم الاستعداد الفعلي من قبل مؤسسات الدولة التي بدا انها لم تكن مهيأة للخطوة، ولكأنها اتخذت بليل مظلم، وبلا نقاش وتمحيص، وفي مقدمتها النظام المصرفي الذي أصابه العجز الكلي والقعود وبدأت عليه علامات عدم المواكبة، بسبب انفصاله عن النظام المصرفي الدولي طيلة الثلاثين سنة الماضية. 

يأتي القرار في توقيت غير مناسب ولا ملائم، ارتفعت فيه صرف الصرف إلى مستوى قياسي، بسب المضاربات غير المبررة، والتي ربما أن الدولة نفسها كانت طرفاً فيها، وفي ظل تضخم وصل مستويات قياسية لم يسبق ان وصلها،304% خلال يناير فبراير، وفق إحصاءات وسجلات وزارة المالية والدوائر ذات الصلة، وهذاً يعني وبالضرورة أن يعمل القرار في بيئة غير مواتية، مما يؤدي ودون شك إلى مصاعب قد لا يكون في مقدور الدولة السيطرة عليها والتعامل معها، بحسب قدرات الأداء التي يكشف عنها جهازها التنفيذي، الذي يبدو مكبلاً تماماً، في حالة من الضعف والوهن غير مبررة بأي حال من الأحوال.

افتقدت الدولة قبيل تنفيذ القرار لقاعدة المعلومات اللازمة التي تمنحها منصة التعامل لمعرفة اتجاهات وقدرات السوق الموازي والقوى المسيطرة والمحركة له، ما يعطي الغلبة في المستقبل لهذا السوق لإدارة الحركة وإفشال السياسة الجديدة، وهو الآن في حالة كمون، لجس النبض والتيقن من طول نفس الدولة في المنافسة على المدى البعيد.

ما لم تلتفت إليه وزارة المالية، التي برع وزيرها في إطلاق التصريحات المتناقضة، على غرار ما كانت تفعل سلفه في الوزارة، أن الموازنة وبهذا الإجراء تحتاج لإعادة تضريبات مرة أخرى، لأن السعر الذي وضعت وفقاً له تقدراتها، ألغي تماماً، هذا معناه باختصار الزيادة الرهيبة في اسعار السلع والخدمات، التي ربما تصل إلى مستوى لن يستطيعه المواطن العادي.

الواضح للعيان أن الدولة استشعرت الخطر، من ضعف مواردها من العملات الحرة، ولكنها اشتغلت في الاتجاه الخاطئ كان يفترض أن تصدر حزمة مترابطة من السياسات التي تعيد هيكلة الاقتصاد بإعادته إلى الدوران بتأهيل بنيته الأساسية، وهذا ما لم نسمع عنه، حتى برنامجها الذي أصدرته في اعقاب الاجتماع المغلق لمجلس الوزراء في الفترة من 25-27 فبراير الماضي 2021م، ورغم طموحيته، كان فضفاضاً ولم يتماس مباشرة مع جوهر القضية، “الانتاج”، ما يعني الاستمرار في المعالجة الجزئية وبالطرق التقليدية، التي لم تعد مجدية في ظل اقتصاد المعرفة الذي يسود العالم في الوقت الراهن.

ستبدأ نتائج هذه السياسة في الظهور التدريجي، ومن المتوقع ان يرتفع سعر الصرف لمستويات قياسية، تتبعه تأثيرات مباشرة على حياة المواطن، لذا ستكون الفترة القادمة التي قد تطول أو تقصر من أصعب المراحل، وفي ظل اعتماد الدولة على القروض والهبات، لا الانتاج، ستكون المحصلة النهائية كارثية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق