ثقافة وفن

الزكاة والنفقات ذات التصانيف!

بدر الدين العتاق

أنبه القارئ الكريم بأنني أتكلم عن تأويل الآية الكريمة بسورة البقرة: ‭{‬يسألونك ماذا ينفقون؟! قل: ما أنفقتم من خير؛ فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل! وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم‭}‬ صدق الله العظيم؛ وعلاقتها بالزكاة.

هنالك فرق بين: الزكاة والصدقة والإنفاق والغنيمة وهلم جرا؛ وما يعنيني هنا مفهومي الزكاة والإنفاق؛ أما الغنيمة فقد تحدثنا عنها في سورة الأنفال وقلنا إنها الكسب من الحرب؛ وليس هنا موضع التفصيل.

دعني أقول باختصار شديد : الزكاة لغة هي : النماء والتطهير للنفس البشرية جميعها في كل المجالات الحياتية من باب السلوك الاجتماعي والمعاملة الحسنة بين القطيع الآدمي بلا استثناء ولا إقصاء ؛  وحين يتم تفعيلها يصير المعنى الحقيقي لكلمة زكاة  حالا معاشا بين الناس ؛ وعمل الجوارح أيضا ؛ بعد أن كان في سويداء القلب مقامها ؛ وتحريك العاطفة بها هي زحزحة الفعل من سويداء القلب إلى تطبيقها حيز الواقع بالجوارح يصير عملا لا فعلاً فلك أن تفهم الفرق بين معنى كلمة الفعل والعمل والصنع ؛ كما لك أن تفرق بين “الزكاة” كقيمة أخلاقية في الذات البشرية مندوبين إليها ؛ و الضمير ؛ وبين معناها العملي الحقيقي حين تصير تطبيقا وتنفيذاً بالجوارح والضمائر ؛ فقبل أن تخرج من مقامها تسمى “زكاة” مع سبق النوايا الحسنة في الضمير الإنساني قيمة أخلاقية عالية وغالية وبعد أن تخرج و تكون حقيقة وديدنا معمولا بين الناس يكون معناها “نفقة” فلا تخلط بين المفهومين والغرضين لقضية واحدة .

النفقة تدخل حاق الماديات أيا كانت / مالية أو عينية أو الاثنين معاً / وتصريفها يكون حيث ينبغي دفعها بشكل من الأشكال ذات الصلة بينك والتزاماتك ورغباتك لكن في قضية معينة يكون إسقاطها عليها كإنفاق الرجل على امرأته وأهل بيته مثلاً كما في الآية السابقة.

مفهوم الزكاة اصطلاحا هو ما قدمنا عاليه من أنها ديدن الحركة العملية لإبراز النوايا الحسنة حيز الواقع فأنت حين تطبق هذا السلوك الاجتماعي والمعاملة الإنسانية الحياتية الراقية فأنت إنما تطهر نفسك وقلبك من دنس التكبر والغرور وحب الأنا الذات الصرفة وكثرة غلبة الهوى عليك فتبسطها سهلة وطيعة وهينة في خدمة وتنمية المجتمع بدأ بالأسرة الصغيرة ثم الأسرة الكبيرة ثم الأسرة الدولية لينهض الجميع في دعة وتكاتف ومساواة في الحد الأدنى من الشراكات البشرية في المطعم أو المشرب أو الملبس أو المسكن أو التعلم ؛ وحين تأبى أن تفعل النوايا الحسنة بداخلك نحو الآخرين فإنما يفرضها الشارع السماوي فيمن يمثله إلزاما – مؤسسات الدولة أو الحاكم أو الراعي للرعية / رئيس الجمهورية أو البلدية أو رئيس هيئة الديوان للنفقات أو …. إلخ / – فيأخذها عنوة منك ويردها على من يستحقها؛ قال تعالى بسورة البقرة: ‭{‬يسألونك ماذا ينفقون؟! قل: العفو!‭}‬ والعفو هو كل ما زاد عن حاجتك مالية أو عينية أو الاثنين معاً ؛ لاحظ :  قول الحق تبارك وتعالى : ‭{‬ قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ‭}‬ سورة الشمس ؛ باعتبارها موجودة داخل النفس البشرية جميعها وهي القيمة الأخلاقية بالتعاطف والتكافل مع البعض من باب السلوك الاجتماعي والمعاملة الحسنة بداخلك إيجاباً ؛ وحين تأبى أن تكون ديدنا معمولا بين الناس يكون إلزاما عليك فيأخذها عنوة منك المشرع السماوي فيمن ينوب عنه  ويردها على من يستحقها / نوايا سيئة واستغلالا للغير / فلا يطمع طامع ولا يحتكر حين يحتكر الطامع في وجود سلطة الدولة لأخذها عنوة منك ويردها على المحتاج فلا فضل هنا عليك فزكاتك الشخصية المفطور عليها يجب إعمالها واقعاً حياتيا معاشا بين الناس لا شعارا أجوفا فارغاً أو مفرغا من محتواه والعلة المعلولة هنا هي سلامة القلب ونقاء السريرة من الشرور والآثام لترتقي بها أخلاقياً نحو مدارج الكمال المطلق لرب العالمين تحقيقاً .

لاحظ أيضاً : لما نعمل على تحقيق قيمة الزكاة / الإنفاق [ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ] حديث شريف / واقعاً حياتيا معاشا بين الناس فالذي يملك يرد على من لا يملك يتحقق التوازن المجتمعي فيسمي الله تعالى هذا العمل الديدن بين القطيع الآدمي قاطبة ومباشرة ( صلاة ) فيكون لسان الحال العام للناس مواصلة واتصالا وصلة للرحم الإنسانية الحياتية في الجانب المادي والأخلاقي والعيني أو كلهم وما شاكلهم مجتمعين أو منفردين بعد أن كان في سويداء القلب مقامها ؛ لقوله تعالى بسورة  البقرة : ‭{‬ ليس البر / يعني : العظة والعبرة / أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر : من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ! أولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون ‭}‬ فيندب الشارع السماوي القاعدة العامة للإنسان بالعطاء السهل اليسير الميسر بين الناس / النفقة تعني : من نفق الشيء إذا انقضى أجله وانتهى فلا يعود وأعني به هنا : العطاء السهل اليسير الميسر بين الناس بلا من ولا أذى  ؛ يقول عليه السلام : [ ما نقص مال من صدقة ] حديث شريف / فحالها وديدنها وحركتها المجتمعية هي صلاة بعد أن كانت في الضمير الإنساني زكاة / الزكاة تعني : إعمال النوايا الحسنة بداخلك إيجاباً لتحقيق إنسانية الإنسان في صورة العطاء ( الشراكات الاقتصادية المالية أو العينية أو الاثنين معاً ومثلهم معهم ) السهل الكريم بشكل من الأشكال ؛ فمصطلح الزكاة لا يفيد ولا يعني أن في القرآن الكريم زكاة ذات مقادير بل النفقة هي ذات التصانيف وليست الزكاة فافهم / فحالها في القلب قيمة ساكنة سلبا أو إيجاباً فأراد ربك أن يبرزها لحيز الوجود العملي الحقيقي في الحياة وتفعيل حركتها بين الخير والشر / يتصدق أو لا يتصدق ؛ يستغل الناس بما يملك ليسخر بها من لا يملك فيستعبدهم لصالحه وخدمته ويطوعهم تجاهه فقط ؛ فينفق أو لا ينفق / ؛ بين السكون والحركة ؛ بين  الإعمال المتواصل وبين التفعيل الساكن ؛ هكذا .

اقرأ معي إن شئت قوله تعالى بسورة المؤمنون : ‭{‬ والذين هم للزكاة فاعلون ‭}‬ فهؤلاء ليسوا أصناف الزكاة ولا مستحقيها بل هم مستحقي النفقات كما ترى ؛ أبعد من ذلك ؛ كل البشرية اليوم مستحقة بلا استثناء ولا إقصاء لأحد للنفقة ؛ أبعد من ذلك بكثير ؛ ليس لهم مقادير معينة لا ربع العشر ولا نصفه ولا ثلثه ولا أدنى من ذلك ولا أكبر ؛ فهذه الحالات تحددها الدولة وفقاً للمنظومة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية التي تسير عليها / الضرائب والرسوم الحكومية وما شابه / ؛ ومن الحق أن لا نطلق على ديوان الزكاة أسم ديوان الزكاة بل الصواب أن يسمى ” ديوان النفقات ” كما ورد في الآية الكريمة كذلك من الأصوب أن نسمي ديوان الضرائب والرسوم الحكومية والخاصة وما شابه بديوان الخدمة المدنية أو المجتمعية أو الجبايات مثلاً  .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق