ثقافة وفن

شربل داغر … الفن و الشرق (1)

الملكية و المعنى في التداول... الفن الإسلامي

أحمد الونزاني

تعالج الفصول المتبقية دورة الفن الإسلامي في بابين : واحدة للملكية و الأخرى للمعنى. كما يعالج قيمة العمل الفني الإسلامي في ثلاث محطات : إعادة إنتاج العمل الفني و تناقل العمل الفني و عملية حفظ هذا العمل الفني.

و إذا كانت عمليةاعادة  إنتاج العمل الفني تبدأ أولا بالتنقيب على المادة ثم اقتطاعها من سياقاتها أو بيءتها الشرقية تحديدا و جلبها إلى بيئتها الجديدة و هنا نتحدث عن البيئة الفرنسية و ما تتطلبه عملية الجلب من شراء أو اكتشاف أو مصادرة حتى. و هذا الاقتطاع أو البتر للمادة غالبا ما يخضع لحسابات الجالب أو المنقب حسب خلفيته في التمييز و التقدير ثقافية أو فنية أو جمالية لديه.

و هذه العمليات تخلق نوعا من علاقة جديدة في ما بين المادة  نفسها و بيئتها الأصلية و بين توظيفاتها في بيئتها الجديدة بعد الجلب مما يجعل هذه المادة قابلة للتداول وفق شروط و محددات الجالب. و هذا ما اصطلح عليه بالاقتطاع من السياق أي جعل العمل الفني يندرج تحت سياق مادي و ثقافي و قيمي و مالي مغاير لما كان عليه في بيءته الشرقية.

و كل هذه العمليات ستجعل من هذا العمل الفني الإسلامي ينتقل من بيءته إلى فرنسا من دون التحقق من الملكية الحقيقية لجل هذه الأعمال و المواد و القطع الفنية. و كل هذا راجع إلى ظروف و تاريخ الاقتناء و الذي تم جله في القرن التاسع عشر و القرن العشرين و هذه مرحلة التغول الاستعماري و لا توجد كتب تشير بشكل صريح إلى مصادر تحدد  ملكية مواد الفن الإسلامي سواء في فرنسا أو غيرها من الدول .  مما يطرح السؤال عن كيفية تجميع و  شراء هذه المقتنيات الفنية  . و هذا ما جاء في كتاب : اكتشاف الفن الإسلامي. و الذي تناول مسألة الملكية  من دون  الوقوف على اطوارها أو ظروفها أو الشروط التي تحددت بها. و يقتصر الكتاب على تجميع أخبار بعض المقتنيات الفنية التي تم جمعها أو شراءها دون التحقق من مصادرها الأصلية مما جعل هذه الأعمال الفنية لا تمتلك وجودا خاصا بها . بل أصبحت لصيقة بإسم مالكها الجديد مثل أي سلعة لا غير.

و هذا ما أكده أحد النقاد عن معرض شرقي في عام 1869 بباريس  (A. Jacquemart  ): لا يتم الكلام عن المواد المعروضة إلا منسوبة إلى أسماء مالكيها ما يشير إلى مسألة أخرى غير الملكية و هي أن الأعمال الفنية لا تملك بعد وجودا خاصا بها. بل هي لصيقة اسم مالكها مثل أي سلعة مملوكة و مخصوصة بالتالي.

كما ان المقالات النقدية التي كانت تغطي المعارض الفنية قامت بالتعريف عن أصول و مصادر هذه المواد الفنية و مالكيها الجدد. مما أدى إلى إيجاد كتب متخصصة عبارة عن دليل خاص للتعريف بالمجموعات الفنية عند عرضها في المتاحف أو في المزادات العلنية لبيعها .و من أهم هذه الكتب المخصصة للمجموعات (مجموعة الكونت دو بلاكاس 1822 الذي وضعه المستشرق رينو ).و من هنا ظهرت المجموعات التي وضعت كتب مخصصة عن المجموعات الإسلامية في اللوفر أو غيره من المتاحف الفرنسية.

إلا أن استعراض هذه المواد الفنية الإسلامية في معظم هذه المعارض جاء بشكل مبتذل بحيث تم عرضها في صيغة البازار اولا و ذلك لمحاكاة  واقع و تقاليد السوق الشرقية و بالتالي رسم صورة مصغرة للشرق من زاوية و نظرة الغرب و قد شملت العروض حتى عرض الإنسان امعانا في تقديم   اللون المحلي. و بهذه الطريقة المبتذلة و المهينة كانت تقام عروض حية و تعطينا كيفية توضيب الفن لاستهلاكه ك فن الشعوب المسلمة. فيما كان الاختلاف واضحا حول تسمية هذه المعارض بين  (الفن المسلم )و ب  (العربي ).و حظيت كل هذه المعارض و العروض الفنية بنقد فني اتسم في اغلبه بطرح قراءات نسقية تقوم على قسمة المواد المعروضة وفقا لحواملها المادية و الثقافية و تمييزها و تصنيفها بل وسمها بالصفة الإسلامية. كما ظهر متخصصين في قراءة الكتابات العربية أو الفارسية التي تحملها بعض هذه المواد الفنية. مما جعل هذه المواد تحظى بعناية تحليلية و دراسية غير مسبوقة.  مما أثار نقاشات سياسية حول الفن و فوائده الاستعمارية. و لعل أبرز هذه المعارض معرض 1893 بباريس و الذي وضع دليله الرسمي  (جورج ماري )و هو يرى أن فرنسا تأخرت شيئا ما في اقتناء هذه المواد عن باقي الدول الأوروبية الأخرى. كما انتقد السياسة الاستعمارية لفرنسا في الجزائر بعدم اهتمامها بالصناعات المحلية و حماية مصالح السكان المحليين في هذه الصناعات كمدخل لتسهيل دخول فرنسا إلى أفريقيا الوسطى بدل محاربتها و إغراق الأسواق بالمنتوجات و المواد المصنوعة في فرنسا و الرخيصة من حيث القيمة الفنية و الثمن مقابل الصناعات المحلية ذات القيمة الفنية و الجودة العالية.

و بهذا وفرت المعارض العالمية العامة والمختصة مجالا تحققت فيه من اختيار المواد الإسلامية الجديرة بالعرض و من جمعها و تصنيفها بل من أن تكون مدرجة في الأدلة اي الدليل و الكتب أو المقالات لاشهارها و الترويج لها. و بات مكان العرض يخضع لاقيسة مستقاة من التاريخ الصرف حسب البلد أو الأسلوب. لكن أغلب هذه المعارض كانت حكومية الطابع و بذلك تم تقديم هذه الأعمال الفنية المعروضة في مجموعات تضم تعريفا دليليا لها بإسم مالكها الفعلي و ذلك اعترافا بفنية المواد المجلوبة أو المقتناة دون مراعاة للصانع الأصلي لهذه الأعمال الفنية . كما ظهر هواة الجمع الفني و الذين كانوا يقتنون التحف النادرة و الأعمال الرائعة و الأعمال الاستثنائية ولا يقومون بعرضها على العموم و لا يبيعونها لتخليد أسماءهم ك مالكي هذه التحف الفنية و هذا ما اصطلح عليه بالعرض بين بيع و خلود.

و بذلك بات للمادة الفنية بطاقة هوية تثبت وجودها و تثبت دخولها إلى الملكية الفرنسية وفق شروط تحديد الهوية و الملكية في المجال الفرنسي. و تندرج هذه العملية تحت مسمى : فن قيد الإنتاج. و من هنا جرى استعراض الألفاظ الاصطلاحية المستعملة في القرن التاسع عشر لتعيين مواد الفن الإسلامي. و من بين هذه التراكيب اللفظية : صنيع فني objet d›art. و إنتاج فني production artistique و قطعة فنية pièce d›art و عمل استثنائي oeuvre exceptionnelle و قطعة نادرة  pièce rare و عمل رائع chef-d›oeuvre.

و هذه اقيسة في التعيين و التمييز تستند للمواد لبلوغ التكريس في تقدير قيمتها الفنية.

هذا المسار التكريسي رفع من رتبة المادة إلى رتبة التحفة و بالتالي أصبحت  مادة فنية مما أدى إلى إعادة إنتاجها و تحويلها و تغيير طبيعتها و استعمالاتها و تنزيلها في ثقافة أخرى لها طرقها المختلفة في التعاطي مع هذه المواد الفنية من تجميع وتمييز و تقدير و إقامة المقارنات و تحديد التشابهات و التباينات وفقا لاقيسة وضعها الدارسين و المؤرخين و الجامعين أنفسهم. و ذهبت إلى تحديد العصور و الأساليب و ترتيبها حسب الحقب التاريخية بشكل متدرج من القديم إلى الحديث. و هكذا اكتسبت هذه المواد الفنية معانيها من الحركة التي تحافظ عليها. و أصبح لهذه المواد الشرقية وجود متحفي بانتقالها من وجود إلى آخر اي من سياق مادي إلى آخر. و هذا الوجود هو بين المثول و الغياب في آن واحد لاحتياج هذه المواد الى مواد مماثلة لتعيينها على أساس التقارب أو التخالف فتم تصنيفها على هذا الأساس باحالتها على بيئات و أساليب و عصور و سلالات و غيرها ثم جمعها في مجموعات هذه المجموعات تتعاقب على ملكيتها و هذا التعاقب في الملكية يؤدي إلى حصول التغير في مرات عديدة على هذه المواد الفنية و الأعمال الفنية. و بذلك صارت المادة الفنية متداولة بشكل كبير. لكن كيف تم هذا التداول و هذا التهافت على المواد الفنية و تصيدها و جعلها خاضعة لاشكال التملك.

و من هنا نتأكد من أن انتقال هذه الأعمال الفنية جاء متزامنا مع الحملة الفرنسية في مصر و بعدها مع الحملة الاستعمارية التي عمت كل البلدان الشرقية و الأفريقية و التي بفضلها تم وضع اليد على أغلب هذه الأعمال الفنية. و قد كان للدبلوماسيين و القناصل المعتمدين في عدد من البلاطات الشرقية الجهد الكبير في الحصول على أغلب هذه المواد الفنية كهدايا من الحكام العرب الباحثين عن دعم سياسي أو مالي من فرنسا أو لدعم حكمهم الهش و المريض. و أغلب هذه الهدايا تعود ملكيتها إلى الدولة الفرنسية و بالتالي إلى متاحفها ك اللوفر و غيره من المؤسسات العمومية. كما حظي الكثير من المستشرقين و العسكريين و الرحالة و العلماء من باحثين و دارسين على بعض من هذه الأعمال الفنية. و بذلك نجد طريقين للحصول على المواد الفنية و انتقالها إلى مالكها. طريق الحملة الاستعمارية و التي اتسمت بعنفها و همجيتها بمصادرة و وضع اليد و هذا الجلب اتخذ شكلا عنفيا و يندرج تحت مسمى  النهب الهمجي لمواد الفن. فيما انتهجت سياسات لحيازة مواد الآثار القديمة و الفن الإسلامي من أهمها : النفاذ العلمي أو النفاذ السلمي أو سياسات الاحتواء .كما كانت القوة العسكرية وسيلة في نهب و انتزاع هذه الأعمال الفنية.

أما الطريق الثانية فكانت عبر المجموعات الخاصة كبعض العسكريين و الدبلوماسيين و الباحثين و المستشرقين و العلماء و الدارسين و المنقبين. و كل هذه السياسات أدت إلى التحكم بمواد الفن الإسلامي سواء عبر ملكيتها المباشرة و تحويلها إلى المتاحف الفرنسية  (خصوصا اللوفر )و بالتالي أصبحت سلعة متداولة و على نطاق واسع بحيث تم تخصيص محلات على شكل بازارات لبيع و اقتناء هذه المواد الفنية. كما تم تداولها في معارض عامة و صالات العرض الخاصة.

الجامعون الفرديون ينتظمون و يتبادلون فيما بينهم هذه المواد الفنية و بذلك عرفت الدورة اتساعا و نشاطا كبيرا مما حتم إقامة دور و صالات و حتى متاجر مختصة لبيع و عرض هذه المواد الإسلامية. فتكون من خلال هذا النشاط حركة حكومية عمادها المتاحف و المكتبات و المعاهد العلمية و غيرها  (متحف اللوفر – مكتبة اللغات الشرقية ).

و حركة فردية يقوم بها مقتنون و طالبو تأليف المجموعات. و هذان الحركتان متقاطعتان و متعاونتان في نفس الوقت. و أصبحت هذه الدورة بين الانغلاق و الانفتاح بعدما بلغت مداها و ارتفعت وتيرتها و تعدت المجموعات  و صارت بالعشرات.

و قد تحسر الناقد ميجون و أحد هواة هذه المواد الفنية من ندرتها و ارتفاع اثمانها بحيث أصبح ثمنها يوازي ثروة بكاملها و تحولت إلى مادة استثمار بالرغم من مخاطر العملية من حيث الربح.

و قد ساق لنا الكاتب أهم و أكبر الجامعين : ألبير غوبيل و شارل بيت لاتوردي و المستشرق شارل شفر و ريمون كوشلين و الدوق دو بلاكاس.

و من أهم واضعي الدليل أو الكتب التي تعرف بهذه المواد الفنية الإسلامية نجد : الأب جوزف توسان رينو. و جول لابارت .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق