آراء

كوكاسيات

من أجل سلطة خنثى

عبد العزيز كوكاس

هل السلطة أنثى أم ذكر؟

لست أدري إن كان ميشيل فوكو، هذا المفتون بالكشف عن الجغرافيا السرية لاختباء السلط، قد اهتم بجنس السلطة، ولكن الذي أعرفه هو أن السلطة في امتدادنا الجغرافي العربي ظلت برغم صيغة التأنيث المعجمية، تحمل كل مواصفات الذكورة. بل ظلت دوما بهرمونات ذكورية زيادة، من هنا فُحولتها التي وشمت أجسادا عديدة، ورسمت أخاديدها جراحا على الذاكرة والتاريخ.

وإذا كانت السلطة أنثى في اللغة العربية وذكرا في الواقع لا تفارق قضيبها/عصاها، فإنها يحمل سمة الانتشار والتعدد والاكتساح والتمدد والخداع والمكر أيضا، وهنا أتذكر جيدا تحذير جداتنا من عدم الثقة في ثلاثي: البحر والنار والسلطة، لذلك نخاف كلما ازهرَّت مروج وأينعت رياض وغنَّت عصافير الفرح في حقولنا حتى مع ما سمي بالربيع العربي. أن ينقلب كل شيء إلى درجة الصفر في الكآبة والحزن، وها نحن نرى واقع الحال. كأن لا مكتسب يمكن أن نطمئن إليه، ولا حق يعتبر ثابتا في هذا الوطن الجميل، لأن السلطة تخاف ليس من وعي المواطنين فقط بل أيضا من تأنيث جسدها لتصبح وديعة وناعمة في خدمة الجمهور، السلطة لدينا تخاف أن تفقد هرمونات الذكورة في جسدها وتصبح بلا قضيب أي بلا عصا أو كرباج.

وحينما أُعلِن عن ولوج المرأة سلك الشرطة في بعض البلدان العربية على قلّتها، قلنا لا بأس فها نحن على طريق جعل السلطة خنثى. ووقف المواطنون في الشوارع الرئيسية يتفرجون على الحركات الناعمة لهذه الأجساد الأنثوية في زي الشرطة الذي اعتدناه خشنا دوما حتى أن عبارة “رجال السلطة” لم تعد سليمة. إذ كما وقع في تغيير الصيغة النقابية للشغيلة التعليمية أو الصحية، أصبحنا أمام الشغيلة السلطوية أو الأمنية!

لا أحد يُنكر التغيير الذي حصل في تعامل رجال السلطة مع المواطنين في بعض الدول العربية خاصة تلك التي يمسها الريح الغربي، فقد نما الوعي الحقوقي وتقدمت الدول في تحقيق بعض الضمانات، وبرغم بعض الاستثناءات التي ما زالت تحن إلى العهد القديم وتلعن الزمن الذي أصبح فيه “الرَّعاع” و”الرعايا” يطالبون بحقوقهم ويُحاجُّون رجال السلطة على خروقاتهم، فإن هناك تحسنا ملموسا بدأ ينجلي في الأفق. وهو ما نشاهده بشكل يومي في شوارعنا في تعامل رجال السلطة مع المواطنين، لكن في عموم الرقعة العربية تظل السلطة عنيفة محافظة على “شرفها” الذكوري وتأبى أن تتخلى عن فحولتها، سلطة وقحة تظهر بشكلها العنيف مثل كابوس ليس فقط في السجون والمعتقلات التي أكد ميشيل فوكو أنها المجال الحيوي الذي تظهر فيه السلطة سافرة بكامل عنفها “المشروع” الذي يجسد قوة الدولة الاستبدادية القمعية، بل في كل مؤسسات الدولة وإداراتها التي يقصدها المواطون لقضاء أغراضهم، والسبب ليس هو تخلف المجتمع وتدني منسوب الوعي الحقوقي، بل هو عدم بلوغ القائمين على شؤون أمرنا في العالم العربي السن الضروري للحكمة، إذ كما يقول الفيلسوف الأمريكي رالف والدو إيميرسون: “قبل أن نصل إلى السلطة، علينا أن نصل إلى الحكمة كي نستخدم السلطة بشكل جيد”. لعل هذا ما نفتقده في جل المجتمعات العربية حيث تتسيد السلطة الوحشية التي لا ترى في الحرية والديمقراطية وخدمة المواطنين سوى إذلالا لسلطتها الذكورية وليس تقوية لنظامها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق