ثقافة وفن

أحفاد كوش (الميثولوجيا والمستقبلِ) … كيف نفهم التاريخ؟

عماد البليك

يظل الدخول إلى تاريخ السودان إدراكا ومعرفة وتمحيصا، محفوف بالمخاطر، لأن هذا التاريخ في حد ذاته ليس واضحا كما نتخيل إنما هو مجموعة من التركيبات ذات الطابع المتداخل بين الواقعي والأسطوري، ما بين الحقائق التي لا يمكن القبض عليها اليوم بدقة تامة لأن الوقائع قد انقضت، وبين حقيقة أن هناك متخيلات لا يمكن تجاوزها بحيث باتت مؤسسا فعليا في هذا التاريخ وفي الذهن الجمعي، ووجودها في الأخير لا يعني الصيغة الجلية والواضحة، إنما يعني إمكانية رؤية ذلك عبر الحفر والتأويل والاستبصار العميق لما وراء الأحداث وما خلفته التجربة برمتها في قرون طويلة متتالية أوصلتنا إلى اللحظة المعاصرة التي نعيشها اليوم.

إن الإدراك الهوياتي لطبيعة أي أمة أو شعب يتطلب من المفكرون والفلاسفة والمشتغلون في العمليات المعرفية، مزيدا من البحث والتنقيب في صلب المادة التاريخية، ليس بوصفها جامدة أو أنها ذات محتوى خطي واضح، أو أطر زمنية محقبة بشكل جلي، إنما باعتبارها مادة سائلة بقدر ما فيها من الجمود، وسيولتها هي التي تعطي المعنى لإمكانية رؤية المستقبل الأفضل، فنحن عندما نعالج المسائل التاريخية لا نفكر في المحتويات التي تتضمنها السنين بتواليها كأحداث ووقائع وقصص إنسانية وصراعات وحروب الخ.. إنما من المفترض أننا ننشغل بما وراء ذلك من المحتوى الفلسفي والدلالي الذي يقربنا من أفكار الهوية والذات والأنا، فنحن نبحث في الواقع داخل المحتوى التاريخي عن الذات الجديدة التي هي كامنة هناك، عن طريق آخر يقودنا إلى المعنى بحيث نفهم من نكون وإلى أين سائرون في مقبل الزمن.

ولعله من البديهي القول بأن قراءة التاريخ هي محاولة إعطائه هذا السياق السيولي الذي يجعله مرنا بحيث يكون جزءا من حاضر الإنسان ومستقبله، وهذا لا يتم إلا عبر فلسفة التاريخ وتحريره من الأساطير والأوهام، بحيث نسوق سرديته إلى الحقيقة المجردة التي هي أمر نسبي في نهاية الأمر، بيد أنها قائمة في مرحلة معينة من مراحل الوعي الإنساني، فدائما هناك في أي زمن حقائق وهي التي نلتزم بها ونعمل عليها اشتغالا لكي تقودنا إلى التفكير السوي واليقين بإن ثمة ما هو كامن وراء المجهول من إمكانية البناء والتشييد لتجسير المسافة إلى الممكن من خلال الغائب واللاممكن.

إن التحرير لا يعني النفي والاستبعاد، فالحديث عن تحرير التاريخ من الوهم أو الأسطورة، يشير إلى التشذيب والرؤية الجديدة القائمة على الوعي والفرز، وليس التعالي على هذا المعطى الموجود فعليا في الوعي الجمعي أو لدى الإنسان في ما يراه في تراثه اللحظي،  فالغاية من التحرير هي أن نجعل للتاريخ سياقا لازمنيا في المكان، بحيث ينطلق من سيولته المفترضة ومن التحرير الكبير من سلطة المتوالية الزمانية إلى مطلق الزمان، في أن يكون تراكم الوعي وجدلياته عبر القرون متحققا عبر فلسفة جديدة ناظمها الوعي وطابعها الجدل المتغير ورأسمالها العقل البشري الذي ليس له من حدود في التبصر والإمعان وإعادة تأليف الخرائط بحيث يكون هناك استمرارا للاكتشاف والاستكشاف والتعلم من خلال التجربة الإنسانية في اتصالها بين الأزمنة.

هنا سوف نقف مع أهمية عملية التدوين أو فكرة الأدب والفنون وعمليات الثقافة بشكل عام، لاسيما الجانب المسطر منها، حيث سنرى أن النص أو اللوحة أو هذه الأشكال من تجميد الزمكان، بقدر ما هي ثابتة إلا أنها متحركة في الانفتاح والرؤية، فالثبات هنا له طابع السيطرة التي تمت في لحظة معينة في التاريخ فيما الانفتاح قائم من خلال النظر المستمر وإعادة التأويل لهذا النص أو المعطى الجمالي في كافة الدلالات المفتوحة والإمكانيات المتاحة للرؤية والتعلم.

وكلما كان للأمة أو الشعب أو المجموعة المعينة إرث من التدوين والتشكيل الباقي على مر العصور، حتى لو كانت رسومات على الكهوف والمعابد فإن ذلك سوف يشكل بصيرة مفتوحة إلى المستقبل، وهذا ما يجعل الحضور الحضاري قائما أو يمكن استعادته في المستقبل، وفي غياب ذلك فسوف ستكون هناك مهمة أخرى أو بديلة هي محاولة إنتاج أو تشكيل هوية جديدة وسياق ثقافي من خلال رؤية فلسفية وجمالية للتاريخ تحرره من الغائب لتجعله في حيز المعلوم من خلال السرد الجديد لهذا التاريخ في محتوى لاخطي، رؤيوي، عَالِم، له القدرة على خلق الاستنارة والإثارة المعرفية والجدل الذي يكون كفيلا بنقل الإنسان إلى التفكير السليم في تصورات المستقبل من خلال صدق مع الذات في الحاضر ناتج عن الوعي الصحيح بالأنا، والتفكير في الذات في محيط مطلق بعيدا عن الأطر التقديسية للزمان والأشخاص والظنون.

في الحالتين من صناعة الهوية، سواء كانت عبر المنتجات المسطورة والمرئية وإعادة تأملها أو من خلال توليف افتراضات ومرئيات متخيلة، فإننا نعمل على ابتكار التاريخ، ويمكن القول بشكل مباشر بإن التاريخ سوف يظل بناء على ذلك هو رؤيتنا له وصورة ذاتنا فيه، وأنه حتى المدونات والنصوص التي عبّرت عن أزمنة معينة ستكون معرفتنا بها اليوم ليست منقطعة عن صورتنا الراهنة لما نحن فيه وليس العكس، إذ في كل الأحوال سيكون عسيرا العودة إلى الماضي واستحضار ما جرى وقتها من أحداث وما اختمر من أفكار، لهذا فقوة النصوص واللوحات والصور الجمالية القديمة في كونها ذات طابع إيحائي وهي روح ملهمة وليست إطار قداسيا مغلقا أو منغلقا، فتجميد الإنسانية للمشاعر والقصص والحكايات والصور الخ.. في هذه الأشكال من التعبير الخالد، هي في خلاصتها محاولة للسيطرة على الزمن وإعطاء معنى مستمر للأنا، حفاظا على هوية متصلة على مر القرون، لهذا فإن الغزاة للشعوب ومن يريدون القضاء على حضارة ما، فإنهم يسرعون إلى تدمير الآثار والفنون وحرق المخطوطات التاريخية وغيرها من الأشكال التي تشير إلى الأصل أو الذات القديمة المتجلية في حاضرها.

إن الأساليب الحديثة في المعرفة الإنسانية، تجعل من السهل نوعا ما أن نرى التشابكات والمسائل المعقدة في التاريخ بشكل مختلف عما كان عليه الأمر قبل قرون، فالمعرفة الجديدة تقودنا إلى رؤية كلية وشاملة لفهم الأنساق والجماليات وتحريك الجدل الفلسفي الفاعل الذي يحرك الذهن لكي يرى ويفكر ويبتكر، وليس العكس بأن يكون مقيدا وجامدا ومتشبثا بالأوهام التاريخية التي نحن في حاجة إلى التحرر منها، لكي نصنع حقيقتنا، من خلال وعي موضوعي بهذا الوهم يجعله إيجابيا بدلا من كونه قوة سالبة ومقيدة لحركة التطور والنظر للأمام.

إننا أمام محاكمة للذات من خلالها نقاضي التاريخ ونحرج الأجداد والآباء، وليس الهدف من هذا فعل الحرج لحد ذاته، إنما الحكم بأن الصيرورة الأبدية تشير إلى أن حركة الإنسان تتجه للمستقبل وليس للأمس، وأن صورة الماضي لا يمكن نفيها مطلقا فهي كامنة في المستقبل لكن ذلك يتم وفق جديد الرؤى والتصور المستحدث للذات. إننا نحاكم ذواتنا ونختبر قدرتنا في الأساس، لأن هذا الأب أو هذا الجد لم يعد موجودا اليوم إلا من خلالنا في القيم والمفاهيم المتوارثة التي تعنيه أكثر مما تعنينا نحن أبناء اليوم، وهذا ما يجعل الحرج الأكبر سوف ينصب علينا ليمنحنا القدرة على الاستفهام والعمل لأجل سياقة أفعال التثقيف والتنوير والتبصر لبناء الممكنات الخالدة في فترة جديدة من التاريخ هي امتداد للأمس بغير سيرته وسيرورته أي مساراته باتجاه الجديد وسيره إلى المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق