سلايدرسياسة

قراءات

عوامل تكوين إسرائيل (11)

محمدالمنتصر حديد السراج

في آخر الجزء الماضي قلنا: إن الأمن الصحيح في سياق التفكير و العمل الصهيونيين يتضمن اعتبارات عدة ذكرناها، و هي تمثل المشكلة الصهيونية فيما يتعلق بالأمن بصورة مفصلة نسبيا. ففي نظر ليفي اشكول تشكل (حماية وجود الدولة و الحفاظ عليها ماديا و روحيا ثم تدعيم مستقبلها و تأمين استمرار وجودها مسألة تحتل مركز الصدارة في عقول الصهيونيين).

بينما نجد بن جوريون يصر على أن (مشكلة أمن إسرائيل تختلف كل الاختلاف عنها في أي بلد آخر. إنها ليست مشكلة حدود أو سيادة، بل تتناول البقاء على قيد الحياة، في المعنى الحرفي لهذه العبارة) .

و يرى بن جوريون أيضا العلاقة المتبادلة بين بقاء الدولة و بقاء يهود العالم. فهو يضيف: (ليس من قبيل المبالغة القول بأن بقاء يهود العالم يعتمد على بقاء دولة إسرائيل و يقوم عليه. و أن مشكلة أمن إسرائيل تعادل بالتالي مشكلة بقاء الشعب اليهودي بأكمله).

و يؤكد الحاخام الدكتور ماكس نوسباوم الرئيس السابق للمنظمة الصهيونية في أميركا، يؤكد أهمية بقاء دولة إسرائيل بالنسبة الى الحفاظ على الشعب اليهودي و حمايته. فيقول: (لقد تم تنظيم الشعب اليهودي لخلق الدولة اليهودية، لكي يتسنى تنظيم الدولة اليهودية بدورها للحفاظ على الشعب اليهودي وحمايته. هذه هي الفلسفة الصهيونية الكلاسيكية).

و ها هو ماير غروسمان، عضو اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، يشدد على الغاية الصهيونية لاستعادة الحدود التاريخية. و يقدم لنا حقيقة الصهيونية بقوله إنها (حركة ثورية للتحرير اليهودي، تسعى الى تصفية حياة من النفى و الشتات و إعادة الكرامة اليهودية للشعب اليهودي، و هي التي ستحارب في سبيل الحدود التاريخية لأرض إسرائيل).

و يحذر الدكتور شمشون يونيتشمان، عضو المجلس الصهيوني العام، يحذر من أنه (لا يمكن للأجانب و العرب أن يجروا حساباتهم دون الالتفات الى المالكين الحقيقيين. يجب عليهم أن يفهموا أنه لا شرقي الأردن و لا القدس هي بالنسبة لنا موضوع أخذ و رد و مساومة. إنها ملكنا و سوف تكون لنا) .

أما بن جوريون فيرى في الحاجة الى العمل اليهودي و استثماره حقا طبيعيا للتطور و النمو و بذلك في التوسع. يقول: ( إنها مجرد واجهة كاذبة ، حين نتحدث بأعلى الصوت عن الهجرة الجماعية و الاستعمار الجماعي و الصهيونية على نطاق واسع دون أن نفكر بصدق و إخلاص ، من خلال سير الحياة اليومية و في كل شئ مفرد نقوم به ، في خير العمل اليهودي و لصالحه ، و في تدعيمه و توسيعه الى أبعد مدى اقتصادي ) .

و يعتبر بن جوريون أن الدينامية الصهيونية هي في تحقيقها لرسالتها الاستعمارية، خاصة من خواص العمل. فالعمل الرائد هو القائد. و تقرر كل من حاجة الشعب و حاجة الأرض اتجاه القيادة العمالية. إن حاجة العمل اليهودي هي عاملا يجري افتراضه دائما، لأنه ما زال من المتوقع تجميع الملايين من اليهود في فلسطين. بينما يتم النظر الى حاجة الأرض من زاوية الأراضي التي لم تستوطن بعد ضمن حدود دولة إسرائيل و من زاوية المناطق المجاورة. (هناك مساحات واسعة و خالية في فلسطين الشرقية، و الأردن ليس بالضرورة الحد الدائم لهجرتنا و استيطاننا).

لو أخذنا الأمور التالية بعين الاعتبار: نظرية بن جوريون القائلة بأن العمل يشكل الحق الطبيعي للملكية، و تشديده على توسيع العمل الى أبعد مدى اقتصادي، و السياسة الصهيونية العامة في تجميع المنفيين، و القدرة الاقتصادية المحدودة في الاستيعاب لدى دولة إسرائيل، و الحاجة القائمة الى الإنماء الاقتصادي في البلدان المجاورة، و أخيرا الواقع الصهيوني الحديث كما يمثله المستوطن .. الجندي..، لجاز لنا الاستنتاج بأن بن جوريون يدعو الى الاتجاه الواقعي في الصهيونية، و خاصة في حاجة الصهيونية الى التوسع الإقليمي دون تعيين الحدود بصورة واضحة.

فحين يعتبر بن جوريون عنصر العمل بمثابة مدار الحركة، مثلا، و يدعو الى تدعيم العمل و توسيع مداه الى أبعد حدوده الاقتصادية، يكون قد أقام في الوقت نفسه الحاجة المفرطة لتوفر عناصر الإنتاج الأخرى. لأن جعل العمل يتحمل عبء الحركة الصهيونية يعني أن ذلك العمل يحتاج الى التفاعل مع عوامل أخرى لكي يحقق ما يدعى ب (أبعد حدوده الاقتصادية).

و بما أن الأرض تشكل العامل النادر في هذه الحالة. يصبح التوسع الإقليمي أمرا محتوما لا مفر منه. و مما يضيف أكثر الى هذا التحليل هو (رؤيا بن جوريون في انتظار المسيح المخلص) فهو يؤكد هنا على (الرابطة العضوية بين الخلاص القومي اليهودي و الخلاص الإنساني العام). لذلك نجد العمل اليهودي يحتل، بفضل مكانته في الخلاص القومي اليهودي، المركز نفسه الذي يحتله في الخلاص الإنساني العام. و هكذا تصبح حاجة هذا العمل الى الأرض، في الحالة الأولى، بمثابة واجب تجاه الإنسانية في الثانية. و يصبح إذذاك الاستيلاء على الأرض بالغزو، نتيجة لتلك الصلة العضوية المفتعلة بين الصهيونية و التحرر الإنساني، بمثابة الرسالة الإنسانية. و مما يؤكد صحة هذا الاستنتاج حكم بن جوريون القائل بأن (الشعب اليهودي سوف يصبح من جديد شعبا مختارا بعد استعادة سيادته القومية و ينير الطريق أمام العالم).

هكذا ينتهي إعلان الاستقلال بأن يصبح إعلان رسالة للعالم، أي حركة ثورية عالمية تسير تحت راية العمل اليهودي. فالدولة الصهيونية متطابقة مع العمل الرائد، لذلك يصبح المركز المحوري الذي يحتله العمل اليهودي في حقل الخلاص الإنساني المركز نفسه الذي تحتله الدولة الصهيونية في آن واحد. فيغدوا جزءا من الخطة الخطيرة أن يتمم العمل اليهودي رسالته (المختارة) عن طريق أجهزة الدولة. و تكون بذلك نظرية هرتزل الآنفة الذكر قد وجدت تكرارا لها، حيث قال: (الدولة اليهودية ضرورية للعالم، لذلك سوف يتم خلقها) .

و هكذا نصل الى خواتيم قراءاتنا في عوامل تكوين إسرائيل بين تنظير ثيودور هرتزل المحرز للدولة اليهودية و سعيه السياسي لخلقها ، و بين عملية ديفيد بن جوريون و سعيه العملي الحثيث حتى تم خلق الدولة عمليا لكي تحتل موقعا ممتازا و مؤثرا بين دول العالم و ذلك بمنطق القوة و الفعالية القومية بالحق و بالباطل تصديقا لنبوءات توراتية تلمودية في التاريخ و من بعد الواقع المعاش يكون التحاكم الى المستقبل المنظور، و استشرافا لحتميات مستقبلية قرآنية جامعة تعطينا قراءة عميقة لمآلات اليهود و الدولة اليهودية في مستقبل الحضارة و التاريخ .

وريثما نعود لقراءات أخرى مع بن جوريون قريبا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق