ثقافة وفن

قراءة في رواية منطق الطير … للكاتب و المهندس إدريس مكراز (الجزء الأول)

أحمد الونزاني

 

 يعتمد الكاتب في رواية منطق الطير على الرمزية كثيرا، فهو يحيلنا من خلال شخوص الرواية المتعددة و التي تتحدث بلسان الحيوان، و هنا اختار الكاتب لسان الطير كرمز لتمرير خطابه بشكل مبطن.

و هذه تجربة قديمة و جديدة نجد لها أثرا في تاريخ الرواية على مدى العصور و خصوصا في الشرق. و هنا نعرج على التجربة الإسلامية والعربية، في العهد العباسي و التي كانت سباقة في هذا المجال الإبداعي، مع ابن المقفع، و الذي من خلاله نجد محاكاة لواقع الأمة العربية والإسلامية في قالب درامي كوميدي، يلامس الواقع الذي يعيشه المجتمع العربي الإسلامي في ظل الخلافة الإسلامية، من كل مناحي الحياة سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و ثقافيا. و يكاد يكون الخطاب موجه بشكل مبطن للخاصة و النخب السياسية و النخبة المثقفة و النخب القريبة من الدوائر الحاكمة أي النخب السلطوية، و التي كانت لديها القدرة على فهم رمزية و شيفرة ذلك الخطاب الموجه إليها بالخصوص و الموجه للعامة لرفع مستوى الوعي الثقافي و السياسي آنذاك.

و تمتاز هذه الكتابة برؤية سياسية و فلسفية عميقة تحاكي واقعا سياسيا و ظواهر اجتماعية في قالب أدبي غاية في الجمالية. و تطرح تلك الإشكاليات و تحاول معالجتها عبر الرمزية، و هذا إبداع بفكر عقلاني و منهج باطني، بحيث يعتمد لغة الألغاز و الإشارة و يستخدم شخوصا غير حقيقية كالحيوان و غيره ليمرر من خلاله خطابه، معبرا بطريقة ملتوية عن آماله و أحلامه و تطلعاته و يعطينا صورة حقيقية للواقع المعاش، بحيث يتطرق إليه من جميع النواحي واضعا و مشخصا الحالة السياسية و الاجتماعية و النفسية و الثقافية للمجتمع.

و هذه الرمزية في الخطاب هي نوع من القناع الذي يستعمله المبدعون و الكتاب و الفنانين عامة للتقية أولا من بطش السلطة المتغولة و كنوع من طرح القضايا بالمرموز للمساهمة في خلق ورفع مستوى الوعي المجتمعي بهذه القضايا عامة و ثانيا لتنبيه النخب السياسية و السلطوية بضرورة و حتمية الإصلاح السياسي و لو على مراحل و بشكل متدرج. المهم هو الدخول في مشاريع إصلاحية تخرج الشعوب المتعطشة للعدالة من الخروج من الارتهانية و الانتظار الذي دام لعقود و عهود طويلة. بسبب الفساد و الاستبداد و عدم الإرادة السياسية لدى المسؤولين أو عدم الرغبة في الإصلاح. لأن الإصلاح يشكل خطرا على مصالح نخب معينة أو على السلطة نفسها.

و هذه التجربة في المجال الأدبي. حمالة لأوجه و دلالات عدة و تحتمل عدة إسقاطات و خصوصا عندما تتحدث و تركز على مصطلح الشمال و مصطلح الجنوب.

و الشمال هنا يعني به الكاتب بكل وضوح الغرب و التي عرفت دوله أول التجارب الديمقراطية في العهد اليوناني ثم تحولت معظم دوله إلى أنظمة ملكية تقبع شعوبها تحت سلطة الكنيسة و الاوليغارشية الحاكمة الفاسدة و المستبدة. لكن حركية التاريخ الإنساني أدت إلى قيام ثورات ثقافية و شعبية انتهت بإسقاط المنظومة القديمة القائمة على القهر و الاستعباد إلى نظام ديمقراطي متدرج إلى أن بلغ مداه و وصل إلى الحداثة أو ما بعد الحداثة أي الى نظام عالمي جديد. يقوم على ترسيخ مبادئ الديمقراطية بشكل واسع بين شعوب و دول الشمال. ممارسة ديمقراطية تداولية و تشاركية بمؤسسات فعلية و فعالة تذود على مصالح الأوطان و المواطنين في جو من الحرية و النقد التقويمي و المحاسبة، و الوقوف ضد الانزلاقات في السياسات المالية والإدارية و المجتمعية للدولة أو الأفراد أو الأحزاب السياسية. 

حيث يتم تنظيم الدولة و الحياة فيها على كل الأصعدة: اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا و قانونيا و ذلك لحماية روح و جوهر النظام الديمقراطي، المؤطر بدساتير و قوانين تحمي الوطن و المواطنين و تجعل المسؤولية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمحاسبة و تجعل الدولة ذات إطار مدني و تحميه من أي تدخل للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.

أما مصطلح الجنوب فهو كذلك حمال لأوجه عدة و هنا سنتطرق إلى صورة الجنوب حاليا. فهو ذلك المجال الذي يعيش الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فوضى في كل شيء بسبب غياب الحكامة و حسن تدبير الموارد المادية و البشرية و لغياب أنظمة ديمقراطية تعمل من أجل النهوض بهذا المجال. أنظمة ديمقراطية حقيقية بدساتير و قوانين تؤطر العملية السياسية و تحدد بوضوح العلاقة بين الحاكمين و المحكومين أي بين الشعوب و السلطة الحاكمة و النخب السياسية و الأحزاب على حد سواء، بوضوح و  دون لبس في تفسير النصوص الدستورية والقانونية.

ذلك الجنوب حيث الأنظمة الدكتاتورية و الشمولية أو شبه ديمقراطية أو بديمقراطية صورية شكلية لا غير . حيث لا مجال للحديث عن تشاركية و لا عدالة اجتماعية و لا حتى عن عملية سياسية سليمة تخضع لإرادة الشعوب. كل شيء فيها صوري حتى المؤسسات الدستورية من برلمان و غيره. لا صوت يعلو على صوت الحاكم المستبد.

و الكاتب في روايته منطق الطير يطرح من خلال تساؤلات حول مصير ذلك الجنوب، الذي كان في الماضي المجيد مصدر إلهام و تقدير و قدوة للعالم و خصوصا الشمال. ذلك الجنوب حيث كانت ولادة نظام الحكم الرشيد. نظام الرحمة و العدل و الإحسان. نظام الخيرية لبني الإنسان عموما. ((كنتم خير أمة أخرجت للناس.))

و أعتقد بأن مصطلحي الشمال والجنوب، حمال لمعاني أخرى و دلالات بعمق و قدم التاريخ الإنساني.

فمصطلح الشمال يعني الدول المتقدمة أو الغرب بصفة عامة. كما أن مصطلح الجنوب يعني دول العالم الثالث و الدول المتخلفة عن الركب الحضاري الإنساني، في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية و في كيفية تنظيم الدول سياسيا و عسكريا و مدنيا.

و بما أن الشمال يملك كل مقومات القوة و التقدم. فإن من مهامه الحضارية نقل هذه التجربة الحضارية للجنوب، و فرضها و لو حتى بالقوة. و هذا ما حدث في حملة نابليون على مصر. فقد كان نابليون يرى أحقية العنصر المتفوق حضاريا من نشر مبادئ و أفكار التنوير و التحرر و جعل هذه الأفكار التحررية مشاعة و مستساغة و مقبولة و تؤمن بها شعوب الجنوب خاصة. و هنا الجنوب ما هو إلا الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط أو العالم العربي، و تعتبر مصر من أهم قلاع هذا المجال الحيوي.

و لا ننسى الإسقاطات الأخرى والتي تعود بنا إلى رحلة كريستوف كولومبوس إلى المجهول. أو الاكتشافات الكبرى التي تم من خلالها اكتشاف القارة الأمريكية. و التي ستصبح مجالا حيويا بالنسبة لأوروبا، و مصدر من مصادر ثروتها و نهضتها في القرن السابع عشر و حتى القرن الماضي. و التاريخ يروي لنا كيف تم استباحة القارة الأمريكية بدعوى نشر التحضر و التمدن و الأفكار التنويرية، و فرض مبادئ و أسس نظام عالمي جديد آنذاك.

و أعتقد بأنه بعد التحولات الاقتصادية الكبرى التي عرفتها أوروبا، بسبب الفكر النهضوي و اكتشاف أمريكا و استباحتها من الدول الأوروبية خصوصا. و لظروف اقتصادية بحثة نشأت الرغبة في إعمار هذا المجال الجديد، بعد الإبادة الجماعية لشعوب هذه القارة و خصوصا الهنود الحمر. و كل هذا سيتم عبر استباحة قارة أخرى و هي القارة السوداء أو افريقيا.

و المصادر التاريخية توثق لنا ظروف استباحة افريقيا و أبناءها، عبر التهجير القسري و الاستعباد. و كان هذا أكبر مؤشر على بداية العهد الاستعماري و أكبر رحلة لتثبيت أركان النظام الديمقراطي في العالم حسب الرواية الاستعمارية آنذاك.

موجة استعمارية كبرى، حسب قسمة متفق عليها من طرف الأقوياء أو الدول الاستعمارية و من أهمها: انجلترا و فرنسا و ألمانيا و اسبانيا و البرتغال كأول الدول الاستعمارية.

و هنا نقف على مفهوم آخر لمصطلحي الشمال والجنوب. فهنالك تجاذب و محاورة بين حضارتين تتموقع كل واحدة منهما على حسب موقع قوة كل طرف منهما على حدة على مدى التاريخ الإنساني. فالغلبة للأقوى في كل مرحلة بحيث يريد فرض نموذجه الحضاري على الآخر.

و كل هذه الأحداث التاريخية جاءت لغايات استعمارية صرفة. لم يكن الغرض منها سوى تركيع هذه الشعوب المغلوبة على أمرها وإغراقها في الفقر و الجهل و تسخير مقدرات هذه البلدان و ثرواتها المادية و البشرية لخدمة نماء و تقدم و ازدهار العالم الأول و هنا نعني دول الشمال. و لم تكن الغاية كما يزعمون إخراج هذه البلدان من الفقر و شعوبها من الجهل. و ذلك بترسيخ قيم و مبادئ الفكر التنويري المعمول بها في الشمال، و بناء دول ديمقراطية و ترسيخ قيمها، كالحرية و العدالة و الكرامة الإنسانية و المواطنة الحقة.

و هذه رؤية أخرى للكاتب في روايته: منطق الطير. و من خلال هذه الرؤية يسائل هذا الشمال أي الغرب عموما. لماذا هذا الغرب يضن علينا نحن أبناء الجنوب أو العالم الثالث، من قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية عندنا هنا في الجنوب. بينما يطبقها و يحرص عليها جدا من كل شيء يمكن ان يشكل خطرا على استمرارها، كوقوعها في يد اليمين المتطرف أو من تدخل الجيش في الحياة السياسية لا من قريب او بعيد.

و أظن أن الرواية حمالة لرؤية سياسية و بعد فلسفي. نظرا لأنها تتحدث بلغة الرمزية و تشير بوضوح إلى واقع عالمنا العربي و من خلال الرواية و شخوصها تطرح تساؤلات جوهرية، حول الربيع العربي و مخاضه العسير و مآلاته الأليمة و المأساوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق