ثقافة وفن

قراءات

الله جل جلاله (1)

محمد المنتصر حديد السراج

في أعداد (المدائن) الماضية تابعنا قراءة الكاتبة المصرية (جيهان خليفة) في كتاب (سيرة الله) لجاك مايلز ، و التي كتبت في عنوانها بين قوسين ( العقل عندما يخلع القداسة ) … و قد حفزني كل ذلك لقراءة الكتاب مترجما و معه آخر لجاك مايلز هو (ألله في القرآن) و لكن ما وجدت إليه سبيلا لا مترجما ولا في انجليزيته الأصلية و ما زالت المحاولة جارية عبر النت .

و جاك مايلز كما عرفته ويكبيديا: مؤلف ، و أستاذ جامعي ، و كاهن كاثوليكي أمريكي ، درس في الجامعة الغريغورية الحبرية ، و في جامعة هارفارد( دكتوراة الفلسفة) ، و في الجامعة العبرية في القدس ، و في جامعة كسفاريوس .

و حقيقة الأمر فإن المطلع على كتاب مايلز (سيرة الله) و غيره مما كتب، يشك بالغ الشك أن الرجل كاثوليكي المذهب، فهو أقرب الى أن يكون بروتستانتيا متحررا جدا، لأن أفكاره تدل على ذلك ، كما يشير إليه تأصيله التوراتي العبراني اليهودي القديم و امتداده الإنجيلي المسيحي الصليبي الجديد (بزعمهم) .

و نستصحب في قراءاتنا دراسة معمقة لكاتبنا العملاق عباس محمود العقاد بعنوان (ألله جل جلاله) كتاب في نشأة العقيدة الإلهية، و جعلته عنوانا لهذه القراءات في (الله) سبحانه و تعالى.

و قبل أن نخوض في القراءة نقف متأملين في اسم (ألله) قليلا … الخليل بن أحمد الفراهيدي حينما وضع كتابه المعجم (العين) ، تذوق الحروف العربية فوجد أبعدها و أقصاها في الحلق حرف العين فبدأ به ترتيب المعجم ، و لكن إذا استدركنا على الخليل رحمه الله نعيد تذوق الحروف العربية حرفا حرفا فنجد العين في عمق الحلق ولكن ليس في آخر نقطة منه ، لأنك إذا أردت إغلاق الهواء المار في الحلق من بعد العين تقف في (أ) الألف المهموز أو مقطوع الهمزة فتقول (عأ) ، و إذا أطلقت الهواء في الحلق من بعد يكون هكذا (أع) ، من هنا نعلم أن أعمق الحروف قطعا هو الألف المهموز (أ) .

و اسم الجلالة (ألله) ألفة مقطوعة الهمز ثابتة مستقرة في عمق الحلق بل في عمق كل مخلوق مؤمن أو كافر، أراد أو لم يرد، و لاماته قمرية نورية و هاؤه هاء الغيب المطلق، فاسمه تعالى ( ألله ) متحقق الثبوت قطعا فهو موجد الوجود ؛ الواجد الماجد ، وهو نور السموات و الأرض ، و نؤمن به حاضرا فعالا لما يريد وهو غاية الغيب الى ما لانهاية .

نعود الى جاك مايلز و (سيرة الله)، الكتاب الذي ترجمه ثائر ديب، في سوريا، وأهداه الى: غازي أبو عقل و كثيرين ممن لم يحولوا العدو إلى مجرد آخر …

والعنوان الأصلي للكتاب:

God: ABiography.

يقول المترجم في مقدمته: (يمثل هذا الكتاب نقطة انعطاف كبرى في تاريخ تناول الكتاب المقدس العبراني ، أو ما اعتدنا على تسميته التوراة . فهو إذ يغير زاوية النظر ، و طريقة المقاربة ، يدلف بنا الى عالم كنا نظنه الى الآن مألوفا تماما ، فإذا بنا أمام مفاجأة في كل خطوة ) …(غير أن جاك مايلز يعيد قراءة هذا النص قراءة متسلسلة ، أو مستقيمة ، من البداية الى النهاية ، سفرا إثر سفر ، و آية بعد آية ، ليكتشف أن في ثناياه نوعا من الدراما المدهشة ، المشوقة ، تتقدم و تتوانى ، و تنقطع ، و تعود من جديد ، وتتركنا أخيرا أمام شخصية (الله) بكل ما فيها من غنى و خصوبة و كل ما في حياتها الداخلية من الدينامية من تعقد و إمكانات ) ….( ففي حين يعجز المؤرخون عن الكلام على (الله) لأنه ليس شخصية تاريخية ، و يكتفون بالحديث عن أولئك الكتاب القدماء المؤمنين به ممن كتبوا التوراة ، فإن مايلز يمضي الى حيث يعجزون عن المضي ، و ينظر من زاوية لا يمكنهم النظر منها ، و النتيجة ليست أقل من إعادة اكتشاف (الله) بوصفه الشخصية الرئيسة في الكتاب المقدس) . هكذا جعلوا (الله) تعالى شخصية في رواية كتبوها بأيديهم تحريفا و تدليسا و تكذيبا و خلقا لتشوهات في العقيدة و الدين والحضارة في الواقع و التاريخ .

و نرجع الى المترجم في ملمح نقدي معتبر، يقول: (و يبقى أن فرادة الكتاب ينبغي ألا تحول دون الاختلاف مع كاتبه، سواء في مواضع متفرقة أو ربما على كل شيء. إذ يمكن أن نختلف معه، مثلا، على رؤيته لما يمكن أن ندعوه بالعلاقة بين التميز والكونية، حيث يرى أن الذي يفرق بين الثقافات هو أعمق و أشد أهمية مما يجمع بينها، و يشير، ولو من طرف خفي بعض الشيء، الى أن هذه الفوارق تقوم على أساس ديني يمثل له اختلاف الكتب المقدسة … لن تفوتنا الإشارة الى أننا نشتم هنا رائحة نزعة ثقافوية أو ميلا الى جوهرة الثقافة و رفعها فوق مصاف التاريخ. و هذا ميل ثابت في (التمركز الأوربي على الذات)، بلازمته المتكررة، التي يرددها مايلز هنا، و مفادها أن الحضارة الأوربية نتاج للتراثين اليوناني و اليهودي بخلاف بقية العالم و على النقيض منه. كما يمكن الخلاف مع الكاتب أيضا في بعض المواضع التي يتطرق فيها الى التاريخ، مما قد يجد فيه البعض نوعا من التسليم بالرؤية السائدة للتاريخ اليهودي القديم، و التي تحتاج الى وقفة مطولة على ضوء الدراسات و المكتشفات الأثرية.) .

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق